البرمجة بالذكاء الاصطناعى.. من يتحكّم بما يمكننا ابتكاره؟

قضايا تكنولوجية
قضايا تكنولوجية

آخر تحديث: السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة «النهار العربى» مقالًا يتناول تأثير البرمجة بالذكاء الاصطناعى فى تمكين الأفراد من ابتكار تطبيقاتهم الخاصة، والتحديات التى تفرضها هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى، متسائلًا عن مدى قدرة هذه الأدوات على تحقيق حرية الابتكار الرقمى.. نعرض من المقال ما يلى:
كان من المفترض أن تتيح أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعى للأفراد تطوير برامجهم الخاصة بسهولة، بعيداً من التعقيدات التقنية. لكنّ هذه الأدوات قد تتحوّل إلى وسيلة جديدة لتعزيز هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على البرمجيات وطريقة استخدامها.
فى مقال نشرته مجلة «ذا أتلانتيك»، يستعرض الكاتب إيان بوغوست تجربته فى تطوير تطبيقات بمساعدة الذكاء الاصطناعى، متسائلاً عمّا إذا كانت هذه التكنولوجيا قادرة على إعادة البرمجة إلى أيدى الأفراد، أم أنّها تعيد إنتاج منظومة تتحكّم بها الشركات الكبرى؟
من فكرة بسيطة إلى تطبيق متكامل
بدأت تجربة بوغوست بفكرة إنشاء تطبيق يساعده على تذكّر تفضيلاته للأطباق فى المطاعم. وبمساعدة الذكاء الاصطناعى، أنجز خلال يومين تطبيقاً أطلق عليه اسم «Beanslaw»، يتيح البحث عن المطاعم وتصنيف الأطباق وفق تفضيلات المستخدم.
لكنّ أحد أصدقائه رأى أنّ التطبيق يحتاج إلى تقييمات جماعية، ما دفع الكاتب إلى إضافة هذه الخاصية. وهكذا، تحوّلت أداة شخصية بسيطة إلى مشروع يستهدف ربط المستخدمين، بدلاً من الاكتفاء بحلّ مشكلة خاصة.
ويرى بوغوست أنّ هذه التجربة تكشف كيف تغيّرت نظرتنا إلى البرمجيات، بعدما أصبحت التطبيقات مرتبطة بالمنصّات الواسعة الانتشار، بدلاً من كونها أدوات صغيرة يصنعها الأفراد لتلبية احتياجاتهم.
حلم قديم تصطدم به هيمنة الشركات
يعود الكاتب إلى ستينيات القرن الماضى، حين دعا روّاد الحوسبة إلى جعل البرمجة فى متناول الجميع، بعدما كانت حكراً على المؤسسات الكبرى. وقد أتاحت الحواسيب الشخصية الأولى للمستخدمين كتابة برامجهم بأنفسهم، قبل أن تعزّز البرامج التجارية ومنصّات الإنترنت نفوذ الشركات على البيئة الرقمية.
ويعتبر أنّ البرمجة بالذكاء الاصطناعى لا تكسر هذه الهيمنة بالضرورة، بل قد ترسّخها. ويستشهد بتطبيق طوّره لساعة «أبل»، إذ اصطدم بقيود النظام الذى لا يسمح للتطبيقات الخارجية باستخدام الاهتزازات المتكرّرة نفسها التى يعتمدها الموقّت الأصلى.
وتُظهر هذه التجربة أنّ القدرة على إنشاء الشيفرات لا تعني امتلاك حرية كاملة فى تحديد وظائف التطبيقات، إذ تبقى الشركات المالكة المنصّات صاحبة القرار فى ما يُسمح للمطوّرين بتنفيذه.
كما أنّ تطوير البرامج ونشرها لا يزال يتطلّب معرفة تقنية وإجراءات إضافية، حتى عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعى.
الأتمتة ليست بالضرورة الهدف
ومع تطوّر أدوات مثل «Claude Code» و«Codex»، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعى قادرة على تنفيذ مهام برمجية واسعة بصورة شبه مستقلة. لكنّ بوغوست يشكّك فى اعتبار الأتمتة الكاملة الهدف الأهم، معتبراً أنّ التجارب الأكثر إبداعاً كانت تلك التى تعاون فيها مع الذكاء الاصطناعى خطوة بخطوة.
فبدلاً من تفويض المهمة كاملة إلى النظام، كان يطرح فكرة، ويختبر تنفيذها، ثم يراجع النتائج ويعدّها. وقد سمحت له هذه الطريقة بتجربة أفكار متعددة بسرعة، من دون استنزاف وقته فى كل مشروع.
إلا أنّ الكاتب لاحظ أنّ الأدوات الحديثة باتت تشجّع على تفويض العمل بالكامل، انطلاقاً من افتراض أنّ قيمة البرمجة تكمن فى الوصول إليها بأسرع وقت.
برمجيات للاستخدام الشخصى
فى أحد مشاريعه، طوّر بوغوست شاشة صغيرة لعرض معلومات مثل درجات الحرارة ورطوبة التربة مع تحديث كل 15 دقيقة.
لم يكن هدفه تحويل المشروع إلى منتج تجاري، بل ابتكار أداة مفيدة لحياته اليومية. ويرى أنّ هذه التجربة تجسّد إحدى أهم إمكانات الذكاء الاصطناعى: تمكين الأفراد من صنع برامج تناسب احتياجاتهم، مهما كانت بسيطة.
ويخلص الكاتب إلى أنّ قيمة البرمجة بالذكاء الاصطناعى لا ينبغي أن تُقاس بقدرتها على تسريع الإنتاج والأتمتة فحسب، بل أيضاً بمدى إتاحتها للأفراد فرصة المشاركة فى الابتكار، بعيداً من منطق الشركات الكبرى الذى يحوّل كل أداة إلى منتج تجارى محتمل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved