السرديات التى تسجن الأمم «2» من يكتب التاريخ.. ومن يكتب وعينا؟
عيد محمد
آخر تحديث:
السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
إذا كانت المشكلة، كما انتهيت فى المقالة السابقة، ليست فى التاريخ ذاته، بل فى السرديات التى نصنعها عنه، فإن السؤال التالى يصبح أكثر إلحاحًا: من يكتب هذه السرديات؟ ومن المستفيد من بقائها؟ ولماذا تقاوم بعض الروايات كل محاولة لمراجعتها، حتى عندما تتراكم الأدلة التى تدعو إلى إعادة النظر فيها؟
التاريخ، فى نهاية المطاف، لا يتحدث. البشر هم الذين يتحدثون باسمه.
ولهذا فإن كل سردية تاريخية هى، بدرجة أو بأخرى، اختيار. اختيار لما يجب أن نتذكره، ولما ينبغى أن ننساه، ولمن يستحق أن يكون بطلًا، ومن يجب أن يختفى من المشهد. إن كتابة التاريخ ليست مجرد جمع للوثائق، بل هى أيضًا عملية بناء للمعنى. وهذا لا يعنى أن الوقائع غير موجودة، بل يعنى أن الوقائع لا تدخل الوعى الجمعى إلا بعد أن تُروى.
ولذلك لم يكن مشروع إدوارد سعيد فى «الاستشراق» مجرد نقد للغرب، بل كان نقدًا للكيفية التى تتحول بها السردية إلى سلطة. فالشرق الذى عرفه الأوروبيون لم يكن هو الشرق كما كان، بل الشرق كما أعادت النصوص الاستشراقية إنتاجه. لقد صنعت الرواية واقعًا، ثم تعاملت معه كما لو كان حقيقة موضوعية.
لكن المفارقة أن المجتمعات قد تفعل الشيء نفسه مع ذاتها.
فنحن كثيرًا ما نلوم الآخرين لأنهم اختزلونا فى صور نمطية، بينما لا نتردد فى اختزال أنفسنا داخل صور أكثر بساطة، لكنها أكثر راحة. نصنع لأنفسنا تاريخًا مستقيمًا لا يعرف الالتواء، وأبطالًا بلا أخطاء، وأزمنة ذهبية لا تشوبها أزمة، ثم نغضب إذا جاء المؤرخ ليقول إن البشر أكثر تعقيدًا من الأساطير.
هنا تحديدًا يصبح التاريخ رهينة للهوية.
وليس المقصود بالهوية هنا ذلك الشعور الطبيعى بالانتماء، وإنما تحويل هذا الانتماء إلى يقين مغلق، بحيث يصبح أى سؤال حول الماضى سؤالًا حول الولاء، لا حول الحقيقة. عندها لا يعود الباحث يناقش وثيقة، بل يجد نفسه متهمًا بإهانة الأمة، أو التراث، أو الحضارة.
• • •
ولعل هذا ما قصده فرانز فانون حين حذر من أن الشعوب الخارجة من تجربة الاستعمار قد تبحث عن خلاصها فى ماضٍ متخيل أكثر مما تبحث عنه فى مستقبل تصنعه بنفسها. فالعودة إلى التراث قد تكون فعلًا تحرريًا إذا كانت عودة نقدية، لكنها قد تتحول إلى قيد جديد إذا أصبحت هروبًا من مواجهة الحاضر.
إن الحضارات لا تُقاس بعدد الأبطال الذين أنجبتهم، بل بقدرتها على مراجعة هؤلاء الأبطال دون خوف. فصلاح الدين لا يصبح أقل عظمة لأننا نقرأه قراءة تاريخية، ومحمد على لا يفقد مكانته لأننا ندرس إنجازاته وإخفاقاته معًا، والحضارة المصرية القديمة لا تتضاءل لأنها عرفت صراعات وانهيارات مثل كل حضارة عظيمة. بل على العكس، فإن إدراك تعقيدها هو ما يجعل إنجازها أكثر إبهارًا، لا أقل.
إن الأسطورة تبحث عن الكمال، أما التاريخ فيبحث عن الحقيقة.
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات ثقافتنا العامة. فنحن كثيرًا ما نخلط بين الاحترام والتقديس. نحترم الشخصية التاريخية، ثم نمنع دراستها. نحترم التراث، ثم نحرم مساءلته. نحترم الماضي، ثم نحوله إلى منطقة محرمة لا يجوز للعقل أن يدخلها.
لكن العقل الذى يُمنع من مساءلة الماضى لن يستطيع مساءلة الحاضر أيضًا.
وقد كان رولان بارت محقًا عندما رأى أن الأسطورة لا تكذب بالضرورة، بل تعيد ترتيب الواقع بحيث يبدو طبيعيًا وبديهيًا. إنها لا تلغى الحقيقة، وإنما تنتقى منها ما يخدم سرديتها، ثم تترك ما سواه يسقط فى النسيان. ولذلك فإن أخطر أنواع الكذب ليس اختراع الوقائع، بل انتقاء بعضها وإقصاء بعضها الآخر حتى تبدو الصورة كاملة، وهى فى الحقيقة ناقصة.
• • •
من هنا نفهم لماذا لا تتكون الذاكرة الجمعية من الكتب وحدها، بل من المدرسة، والدراما، والخطاب السياسى، والمنبر، والأغنية، والاحتفال الوطنى، وحتى الأحاديث اليومية داخل الأسرة. فالسردية لا تُفرض مرة واحدة، بل تُعاد كتابتها كل يوم، حتى تتحول إلى ما يشبه الحقيقة الفطرية التى لا يشعر أحد بأنها تحتاج إلى دليل.
وليس هذا أمرًا عربيًا خالصًا. فكل الأمم فعلت ذلك بدرجات متفاوتة. أوروبا نفسها أعادت كتابة تاريخها مرات عديدة بعد الحربين العالميتين. وألمانيا لم تصبح أكثر قوة لأنها أخفت أكثر صفحاتها ظلمة، بل لأنها واجهتها. واليابان لم تفقد مكانتها لأنها أعادت قراءة تاريخها الإمبراطورى، بل لأنها فرقت بين الاعتزاز بالحضارة، وبين تقديس كل ما فعلته الدولة.
أما المجتمعات التى ترفض مراجعة سردياتها، فإنها تبقى حبيسة ماضيها، لا لأنها تحترمه، بل لأنها تخشاه. فهى تخشى أن يؤدى سقوط أسطورة واحدة إلى انهيار البناء كله، مع أن الحضارات الواثقة لا تقوم على الأساطير، وإنما على قدرتها المستمرة على تصحيح نفسها.
ولهذا فإننى لا أرى أن المهمة الحقيقية للمؤرخ هى الدفاع عن الماضي، ولا أرى أن مهمة المثقف هى استبدال سردية بأخرى. المهمة الأصعب، والأكثر ضرورة، هى الدفاع عن حق المجتمع فى أن يسأل، وفى أن يشك، وفى أن يراجع، وفى أن يغير فهمه للتاريخ كلما ظهرت معرفة جديدة.
فالأمم لا تتقدم عندما تكتب تاريخًا جديدًا، وإنما عندما تتحرر من الخوف الذى يمنعها من إعادة قراءة تاريخها.
ولعل أخطر أشكال الاستعمار ليس ذلك الذى يحتل الأرض، وإنما ذلك الذى يحتل الوعي. وقد يأتى هذا الاستعمار من الخارج، كما بيّن إدوارد سعيد، لكنه قد ينشأ أيضًا من الداخل، عندما تتحول السرديات التى نصنعها عن أنفسنا إلى سلطة لا تقل قسوة عن أى سلطة سياسية أو فكرية. وعندها لا يعود الإنسان أسير ما كتبه الآخر عنه، بل يصبح أسير ما يرفض هو نفسه أن يراجعه.
إن الأمة التى تخشى السؤال لا تحمى تاريخها، بل تحمى أوهامها. أما الأمة الواثقة من نفسها، فهى تعرف أن الحقيقة لا تُضعف الهوية، وإنما تنقذها من التحول إلى أسطورة. فالتاريخ ليس كتابًا مغلقًا، بل حوارًا لا ينتهى بين الماضى والحاضر، وكل جيل لا يملك فقط حق إعادة قراءته، بل واجب إعادة فهمه.
أستاذ مشارك «ودكتور حاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن»