نجيب محفوظ.. حكايات جديدة

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

أحب أن أقرأ الكتب الصادرة عن نجيب محفوظ بنفس المتعة التى أقرأ بها رواياته وقصصه القصيرة، فإذا كانت كتاباته فريدة، فإن التفرد أيضًا كان عنوان شخصيته متعددة الوجوه والأنشطة، والمشهورة بالنظام والترتيب.
إنه «رجل الساعة»، على حد وصف الساخر محمد عفيفى، وهو الموظف المثالى الذى يتحقق بالكتابة، والذى يجد وقتًا لها بعد ساعات العمل اليومى الروتينى.
لم أحضر جلساته فى المقاهى، ولكن لقاءً وحيدًا معه فى (الأهرام) فى العام 1990، وحوارًا أعتز به حول قصصه القصيرة، منحانى إعجابًا إضافيّا بالرجل.
لمستُ تواضعه وبساطته وعمقه وخفة ظله، وبدا لى تلخيصًا مدهشًا لأفضل ما فى «الشخصية المصرية»، وما زلت أراه شخصية عجيبة، بحياته الثرية، وبقدرته على تحقيق التوازن الدقيق بين أدوار وواجبات شتى، فكأنه فيلسوف «الواجب» الألمانى كانط، وقد «عاد عندنا للحياة من جديد»، كما وصفه صديقه العظيم يحيى حقى.
وهذا كتاب ممتع صغير الحجم، صدر عن دار البديع العربى لمؤلفه الصحفى محمد المالحى بعنوان «نجيب محفوظ.. حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، يتناول جانبين متباعدين من وجوه شخصية محفوظ، أولهما علاقته بأصدقاء الإسكندرية، المدينة التى أحبها، وكان يقضى فيها أشهر الصيف، وثانيهما بعض حكايات عمله مديرًا للرقابة على المصنفات الفنية.
مصادر الجانب الأول لقاءات للمؤلف مع من استطاع الوصول إليه من شلة محفوظ السكندرية، ومصادر الجانب الثانى تأشيرات محفوظ على سيناريوهات بعض الأفلام القديمة، ويستخدم المالحى - طوال الوقت - كتبًا ومراجع كثيرة لاستكمال صورة محفوظ الصديق والرقيب.
مع نهاية الكتاب، لم أجد تباعدًا بين الجانبين؛ لأننا أمام محفوظ صاحب الدور والواجب، يفعل ذلك بمنتهى المرونة والبساطة، فالصداقة (سواء مع شلة القاهرة أو الإسكندرية) هى عالمه الأثير، ومدرسته الإنسانية، وثروته الخاصة التى تغنى تجربته الروائية، وتعمّق معرفته بالبشر، وعمله فى الرقابة امتداد لدوره كموظف، يطبّق القواعد والقوانين، ولكنه، كما قال، ينحاز للفن وللفنان ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
وقد جاءته وظيفة مدير الرقابة فى وقت كان قد فقد فيه حماسه لكتابة السيناريو، بعد أن اكتشف أنه فن يشارك فيه آخرون بالتغيير والإضافة، ورغم أنه كان مرتبطًا وقتها بكتابة سبعة أفلام، فإنه وافق على منصبه الجديد، وابتعد تمامًا عن كتابة السيناريو، ويبدو أن الموظف فى داخله قد وجد فى المنصب فرصة أفضل للتحقق، ليست بعيدة عن الكتابة، ولا عن مشاهدة الأفلام.
التقى المالحى من «حرافيش الإسكندرية» كلّا من سيد سابق (كان مديرًا ماليا)، وسعيد سالم (الكاتب المعروف)، وأحمد ريّان (المدير العام فى التربية والتعليم)، واستعان بكتابٍ أصدره أحد أصدقاء الإسكندرية، وهو الطبيب عادل ناشد، الذى سجّل حكاياته مع محفوظ فى عمل نثرى مهم؛ هو «نجيب محفوظ.. ثرثرة على البحر».
يلاحظ هنا تنوع مهن وثقافات هؤلاء الأصدقاء، ولكن محفوظ لم يكن ينظر إلى المهنة أو الوظيفة، وإنما كان يقدّر البشر والأشخاص، ولم يكن شرطًا أن يتفقوا معه، أو يكونوا من أنصار سعد زغلول وحزب «الوفد» مثله، بل كانت اللقاءات، كما وصفها أحدهم، ديمقراطية تمامًا، وتعكس التعددية والتنوع.
يذكر ريّان - مثلًا - بعض أسماء روّاد مجلس محفوظ فى كافيتريا فندق سان ستيفانو؛ مثل: الأديب د. يوسف عز الدين عيسى، والمحامى عصام الإنة، والشاعر عبد الله الوكيل، والروائى نعيم تكلا، وعصام الجمل، وشقيقه محمد، وموريس خليفة، ود. أنس داوود، عميد كلية رياض الأطفال سابقًا، والروائى على المغربى، ومحمد صالح أبوبكر، كما كان يحضر د. يوسف زيدان فى شبابه، ولكن بشكل غير منتظم.
لم تكن المسألة جلسات وفنجان قهوة ودردشة من السادسة إلى التاسعة مساءً، ولكنها صداقة ومودة حقيقية، تجعل محفوظ يحضر عيد ميلاد ابنة صديق، ويسأل عن الغائب بالاسم، ويقرأ روايات سعيد سالم مثل «بوابة مورو»، ويكتب له رأيًا فيها، ويتبادل معه الخطابات، أهمها خطاب أرسله له سالم من السويد عام 1980، ناقلًا فيه نبوءة صحفى سويدى بفوز محفوظ بجائزة نوبل خلال عامين.
حياة كاملة تعوّض محفوظ عن عدم قدرته على الكتابة فى الصيف بسبب مرض يصيب عينيه، وحكايات ومواقف طريفة لا تنتهى:
ذات مرة، غمرته فتاة فى الثلاثينيات بالقبلات، وهى تتغزل فى أعماله، فلما رأى اهتمام أصدقائه، حكى لهم محفوظ عن موقف مشابه حدث لتوفيق الحكيم مع فتاة جميلة، وعلّق الحكيم وقتها بأسى:
«يا نجيب.. لما بنت جميلة زى دى تبوسك بالشكل ده، ما تفرحش قوى، ده معناه إن ما فيش خوف منك».
ويحكى سعيد سالم عن سعادة محفوظ التلقائية بعودة الحرارة إلى تليفونه؛ اتصل به شخص، وسأله: «الأستاذ عبد السميع موجود؟»، فهتف محفوظ بحماس وفرحة بعودة الاتصالات: «ينصر دينك... النمرة غلط».
فترة العمل مديرًا للرقابة استمرت نحو ثلاث سنوات (1959-1961)، وقد ترك منصبه بعد الضجة التى أحدثتها روايته «أولاد حارتنا». المنصب جعله موظفًا كبيرًا، ولكن المهمة كانت مزعجة أيضًا، إلى درجة تمنّى فيها ألا تعود تلك الأيام، ويشير محفوظ فى «حواراته» إلى مواجهته للرشوة التى تردد أن بعض موظفى الرقابة قد تورطوا فيها.
وبينما ينشر الكتاب موافقات محفوظ على ملاحظات رقابية كثيرة على مشاهد من أفلام؛ مثل «البنات والصيف»، و«صائدة الرجال»، فإن الكتاب يذكر أيضًا تدخّل محفوظ لتمرير أعمال غنائية شهيرة؛ مثل أغنية «يا مصطفى يا مصطفى»، والتى منعها موظفو الرقابة بحجة أن مصطفى المقصود فى الأغنية هو الزعيم مصطفى النحاس، وأن المقصود بعبارة «سبع سنين فى العطّارين» هو مرور سبع سنوات على ثورة يوليو، وقد وجد محفوظ تفسير الرقابة متعسفًا وغير منطقى، فأجاز الأغنية على مسئوليته.
تتعدّد الأدوار والوظائف، ولكن يبقى تفرد الشخصية، وقدرتها على أن تؤدى الواجب تجاه المهنة والبشر، وأن يتم ذلك بهدوء وبساطة، لنكتشف دومًا عن محفوظ حكايات جديدة، رغم مرور الأعوام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved