الأشجار أحد أسس التنمية المستدامة

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

لفتت كارلوتا كونتى، أثناء محاضرتها عن توثيق الأشجار باستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعى فى إطار ورشة خرائط الأشجار فى المدن المصرية منذ ثلاث سنوات، نظرى إلى أن المدن الأوروبية لم تدخلها الأشجار بالصورة التى نراها الآن، وخاصة فى الشوارع، إلا مع عصر الباروك (وهو عصر النهضة الأوروبية المتأخر). وفى القاهرة، ظهرت مناطق الأزبكية والإسماعيلية (وسط القاهرة الآن) والضواحى التى أنشأها أجانب فى مصر، سواء جاردن سيتى والمعادى ومصر الجديدة، وقد نشطت فيها زراعة الأشجار على أرصفة الشوارع بصفة خاصة. وجود الأشجار فى المناطق الأخرى فى المدينة لم يكن معتادًا، خاصة فى الشوارع التى لم تكن تتسع لتسمح بزراعتها، ولا يزال تاريخ زراعة الأشجار فى العمران فى مصر بحاجة إلى بحث ودراسات أكثر من المتوافرة حاليًا.
• • •
الجميع الآن يبدو مشغولًا، عن حق، بقطع الأشجار وإعادة زراعتها، ولكن يبدو لى أن السؤال الأهم، ونحن فى بلد يتطلع فيه الجميع لتحسين جودة حياتهم من خلال هذه المشروعات أو تلك، هو: هل للأشجار دور أو أولوية فيما يسهم فى التنمية المستدامة فى مصر؟ أفضل استخدام كلمة المتجدد كوصف لتلك العملية المتواصلة، والتى لا ينبغى أن تستهلك إلا الموارد الطبيعية المتجددة التى أبقت الحياة على الأرض مستمرة لسنين لا تُحصى. ولأن النقاش حول الأشجار يشتد من حولنا، سأحاول لفت الانتباه إلى جانب يتجاهله الكثيرون وأراه أساسيًا. فالأشجار هى جزء من منظومة نباتية متكاملة تُسمى الفلورا، وتشمل أنواعًا وأحجامًا مختلفة، والأشجار فيها تُسمى الميجا فلورا أو الكائنات النباتية الكبرى التى تستحوذ غالبًا على إعجابنا لما توفره من ظلال فى مدننا التى بدونها هى صحراء أسمنتية.


وطبقًا للفهم المنظومى المركب للمنظومات الإيكولوجية التى تتكون من الفلورا والفونا (منظومة الكائنات الحيوانية) والعناصر اللاإحيائية مثل الماء والتربة والهواء، فكل أجزاء تلك المنظومة تدعم بعضها، والتأثير السلبى على أحدها يصيب الباقين. هكذا استمرت الحياة على كوكب الأرض لملايين السنين. لهذا، فإن الأشجار لا يمكن تناولها بمفردها وفى غياب هذا الفهم الشامل.
• • •
أطلقت الأمم المتحدة فى العام ٢٠١٥ أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، والتى ينبغى مراجعتها من خلال الرسم البيانى الرائع الذى يستند إلى بحث شارك فيه ما يقارب من ٩٠ عالمًا بقيادة العالم السويدى يوهان روكستروم عام ٢٠٠٩ عما أسموه الحدود الكوكبية للحياة على الأرض، وفيه تم تحديد قياسات لتسعة حدود تُقدَّر حالة كل منها، وبالتالى صحة المحيط الحيوى لكوكب الأرض. الرسم البيانى الذى أُطلق فى عام ٢٠١٦ يعيد ترتيب أهداف التنمية المستدامة فى شكل كعكة الزفاف المكونة من ثلاث طبقات. الطبقة السفلية تتكون من الأهداف التى تركز على صحة المحيط الحيوى للأرض، وهى أهداف الماء والعمل المناخى والحفاظ على الحياة فوق الأرض والحفاظ على الحياة تحت الماء. ثم فوقها تأتى الطبقة التى تجمع الأهداف التى تختص بالجوانب الاجتماعية، مثل القضاء على الجوع أو الصحة أو المساواة بين الجنسين أو المدن المستدامة وغيرها، ثم أخيرًا تأتى الطبقة التى تجمع الأهداف التى تختص بالجوانب الاقتصادية. وفى العام الماضى، نشرت مجلة نيتشر بحثًا يخلص فيه إلى أن الأهداف الاقتصادية يجب أن تحل محل الأهداف الاجتماعية فى كعكة الزفاف.


يعنى هذا بوضوح أنه لا يمكن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة بدون العمل أولًا على تحقيق الأهداف التى تختص بالحفاظ على صحة المحيط الحيوى. ولأن الدراسات العلمية أوضحت لنا أن المنظومة النباتية مسئولة عن إنتاج حوالى ٩٣٪ من الكتلة الحيوية التى تشكل طعامنا بصورة مباشرة أم غير مباشرة، كما أنها جزء رئيسى من الحفاظ على جودة الهواء والماء والتربة، فالأشجار ليست ببساطة زينة بصرية، ولكن لها أهمية رئيسية فى دعم الحياة وبقائها على كوكب الأرض.


هناك تبعات واضحة لهذا الفهم المركب للمنظومات الطبيعية على كوكب الأرض والتحديات التى نواجهها حاليًا فى كل مكان حول الكوكب، والتى يجب أن تتجلى فى أى خطة للعمل تتناول الأشجار. فهناك أولًا تبعات للعلاقة الوثيقة المتبادلة بين الأشجار، كجزء رئيسى من العناصر الإحيائية، والعناصر الأخرى الإحيائية، وخاصة ما أثبتته الدراسات من تأثير كبير لتلوث المياه والهواء والتربة على نمو وصحة الكائنات الحية، وبالتالى فإن أى مجهود لزراعة الأشجار يجب أن يسبقه أو يوازيه مجهود جاد لتقليل ثم وقف التلوث فى المياه والهواء والتربة، وهذا ليس بمجهود قليل، ولكنه فى غاية الأهمية، ليس فقط لصحة الأشجار، ولكن لصحة باقى الكائنات، ومنها نحن البشر.


ينبغى لأى مجهود جاد لزراعة الأشجار أيضًا أن يكون مبنيًا على معرفة الأشجار الموجودة بالفعل من حيث أنواعها ومكانها وحالتها. وهذه المعرفة مهمة للغاية لتحديد الفجوات، وأيضًا لتحديد ماهية تلك الأنواع الموجودة، وهى بنت تلك البيئة الطبيعية أم أنها غريبة عليها، وهذه قضية مهمة تمس التنوع البيولوجى الذى أثبت العلم ضرورته لاستمرار حياتنا وحياة باقى الكائنات. كما أننا نعرف الآن أن بعض الأنواع الغريبة ضارة للغاية، ويُطلق عليها الأنواع الدخيلة أو الغازية، وهى تلك التى تنتشر بسرعة كبيرة وتسهم فى تدمير البيئة الطبيعية، بالرغم من أنها يبدو عليها أنها خضراء. ومن المهم معرفة أماكن ومدى انتشار تلك الأنواع بصورة خاصة، وعمل الخطط اللازمة لمقاومتها، وهو ما يتطلب تدخل الخبراء نظرًا لصعوبة وتركيب تلك المقاومة.


تتطلب تلك المعرفة مجهودًا كبيرًا على امتداد بقاع مصر، وهو ما تناولته فى كتابى «خرائط الأشجار فى المدن المصرية»، كما اقترحت سابقًا خطة عمل نشرتها فى مقال سابق هنا بعنوان «عمل من أجل الأشجار»، وهو يدعو لإشراك المواطنين والسكان المحليين لاكتساب المعرفة الخاصة بالأشجار، وهو ما سيكون له أثر حاسم فى الاشتراك فى الخطط المحلية للتشجير وتعظيم فرص استدامتها.
• • •
أخيرًا، وكما أظهرت بوضوح الدراسات والاتفاقات الدولية الخاصة بالتنوع البيولوجى، فإن تبنى وزراعة النباتات المحلية لم يعد خيارًا، وعلينا إعادة زراعتها فى أقرب فرصة وبالصورة التى تسهم فى تحسين حياتنا وحياة جميع الكائنات. ولكن زراعة الأشجار المحلية فى مصر ليس عملًا سهلًا. فهو يتطلب تطوير وتحسين معرفتنا بتلك الأشجار وجوانب حياتها المختلفة. كما أننا بحاجة إلى الاستعانة بالخبراء القلائل الذين لديهم الخبرة العملية فى زراعتها. وأخيرًا، يجب إقامة المشاتل الكافية فى المناطق الجغرافية المختلفة لتنمية الأعداد الكافية والملائمة لتلك المناطق، وهو مجهود كبير يجب أن تشترك فيه قطاعات أهلية مختلفة وليس فقط مؤسسات البحث. وفى هذا الإطار، نقوم حاليًا بمحاولة لإنشاء مشتل للأشجار البرية فى إحدى المدارس الحكومية لكى نسهم فى تعليم التلاميذ عن تلك الأشجار وأيضًا عن الحياة والطبيعة ككل، ونوكل لكل تلميذ مسئولية رعاية شجرة واحدة من وقت كونها بذرة حتى تكبر بالصورة الكافية التى تمكن من نقلها وزراعتها فى أحد مناطق القرية التى هى بحاجة إلى استعادة الأشجار التى تنمو وتوفر الظلال وتحسن درجات الحرارة وتحسن الحياة المحلية وتصبح رمزًا حقيقيًا للأمل فى حياة أفضل.


يمكننا العمل بالتوازى على الخطوات الثلاث السابقة بجدية حتى نتمكن من تحقيق نتائج ونجاحات، حتى لو كانت صغيرة، فهى ستدفع بمزيد من النجاحات وتولد ما يُسمى بمفعول الدينامو. ولكن هذا العمل أيضًا بحاجة إلى أن يكون لا مركزيًا، بحيث تتجمع الموارد المحلية من مواطنين ومواطنات مهتمين مع علماء وخبراء من جامعات ومراكز بحث وممارسين، وبدعم وتشجيع من الإدارة المحلية. وستُمكّن منصات رقمية محلية العاملين والجمهور من تبادل المعلومات والمعرفة فى كل منطقة، وأيضًا بين المناطق المختلفة. وأتمنى أن ننجح قريبًا فى إطلاق نموذج أولى لتلك المنصة يمكن نسخه لكل الأماكن المحلية.


لا يمكننا تبسيط صياغة خططنا لزراعة الأشجار فى صورة غرس أعداد معينة، ولكن يجب أن توضع فى إطار متكامل ضمن تلك المنظومة النباتية المتصلة التى تشكل ما يُسمى المسار الإيكولوجى، وتشكل شبكة من تلك المسارات التى ترتبط بصورة أساسية بالعناصر الطبيعية الكبرى مثل نهر النيل، حتى نضمن التواصل الذى يدعم حياة جميع الكائنات صغيرها وكبيرها. وهو ما أوضحته دراسة سابقة لنا فى خريف ٢٠٢٥ أنه يمكن عمله فى مدينة القاهرة، ونعتقد أن ذلك أيضًا ممكن فى باقى مدن مصر، وإن كنا ما زلنا بحاجة إلى تطوير تلك الدراسات والعمل بصورة أكبر على الجوانب التنفيذية لها وتحديد مساهماتها المختلفة للمواطنات والمواطنين فى المدينة وجودة الحياة بها.
أستاذ العمارة بجامعة القاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved