من يصنع عمالقة النت؟

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الخميس 18 فبراير 2021 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

حكاية فى سطرين. حالة وفاة فى عائلة أحد الأصدقاء الذى يعيش فى الخارج، وتلقى التعازى عبر مواقع التواصل الاجتماعى. والبعض تواصل معه بالهاتف. فإذا به يبوح بإحساسه بالضيق لأن أحد الأصدقاء لم يعزّه. وبالاتصال بذلك الصديق، تبين أن حسابه مجمد على موقع الفيسبوك، منذ ثلاثة أيام، لذلك لم يعرف كيف يرسل تعازيه. وبعد هذه الحكاية التى تبدو هامشية، إليك نماذج لماذا يجمد الفيسبوك حسابا مشتركا لأيام. كتب فلان الفلانى فى مصر، على الفيسبوك نقدا لوزير النقل الأمريكى الجديد، بسبب صورة جمعت وزير النقل بزوجه. الصورة تثير الغثيان، فوزير النقل يقبل زوجه أمام الكاميرا، بطريقة جعلت فلان الفلانى يشعر بالاشمئزاز من ضياع الفطرة الإنسانية، فكتب قائلا، «ربنا يعمل فيهم زى قوم لوط، أصلهم أصحاب قيم عالية ومحترمة». وكانت هذه الكلمات كافية لتجميد حسابه لثلاثة أيام مع إنذار بتطويل المدة فى المرة اللاحقة. وطبعا حذفت إدارة الفيسبوك البوست.
وإليك فلان الفلانى من فلسطين، الذى أنشأ ثلاثة حسابات على الفيسبوك، وفى كل مرة يتفنن فى طريقة كتابة اسمه، ليهتدى إليها أصدقاؤه، ويتوه عنها الفيسبوك. وكل حين، يكتب بوست دعوة على مارك، مؤسس الفيسبوك لأنه «مشحططه» بين حسابات الفيسبوك. فالأخ فلان الفلانى هذا يكتب نقدا لإسرائيل، مما يتبعه أمران. الأول تبليغ كثيف ضد البوست، بحجج مختلفة. والثانى، حذف البوست من الفيسبوك وتجميد الحساب لمدة تصل لشهرين. وإليك ما كتبه عن سبب تجميد حسابه، «بعد تدخل مارك وإزالة البوست فإننى أنصحكم بقراءة كتاب جواسيس فى الرمال، التاريخ السرى للموساد. جدا رائع. ميتبادرش بذهنكم نفس السؤال الذى تبادر بذهنى». فهل تتصور أن فيسبوك يجمد حسابا لمدة شهرين بسبب رأى يتكلم عن علاقة الموساد بالحكام العرب؟ لاحظ أن تجميد الحساب كان قبل اتفاق السلام الأخير بين إسرائيل وكلا من الإمارات والبحرين، الذى إلى الآن لا نعرف السر فى تسميته بالاتفاق الإبراهيمي!
***
كانت ميزة مواقع التواصل الاجتماعى أنها صفحة بلا رقيب، وضياع هذه الميزة، يفقد التواصل معناه. فمجرد الإحساس بأن هناك أمورا يمكن الكتابة عنها وأخرى تتطلب المساءلة فإن الأمر سيتحول إلى سؤال فورى، من الذى يقرر ما هو المحتوى المسموح به؟ ولأن الشركة صاحبة التطبيق هى التى تقرر، طبقا لكتالوج مكتوب لديها ومنشور على التطبيق، فإن المعايير الواردة فى هذا الكتالوج أصبحت أهم من القانون. لاحظ أن صناعة هذا القانون لم يشهد ممثلين عن مجتمع المستخدمين. ثم من الذى كتب المعايير، وبأى موضوعية؟ فمثلا، ماذا لو كانت المعايير المعتمدة من الشركة تصطدم بقيم مجتمعية معينة. هل للشركة الحرية أم للمجتمع الاختيار؟ وهل ينحصر اختيار المجتمع فى الإذعان لمعايير وقيم الشركة صاحبة التطبيق، أو يكون البديل ترك هذه المنصة والبحث عن منصة أخرى؟
الصين مثلا قررت أن تفعل ذلك. فهى لم تسمح للفيسبوك، أو التويتر، أو اليوتيوب، أو حتى جوجل بالعمل داخل الصين منذ عام 2009، وصنعت بديلا لكل تطبيق. فمحرك البحث الرئيسى هو «بوذا» بدلا من «جوجل»، وتطبيق «تودو» بديل لليوتيوب، وتطبيق «ويــشات» بدلا من الماسنجر والواتساب. وبعض التطبيقات الصينية شهدت نجاحا فى الخارج أيضا، مثل تطبيق «تيك توك» الذى حظره الرئيس السابق دونالد ترامب داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بحجة حصوله على بيانات المشتركين. وكان هذا جزءا من المواجهة التكنولوجية بين البلدين. جديرا بالذكر أن أيا من هذه التطبيقات فى الجانب الأمريكى والجانب الصينى ملك للشركات وليس للدول. فلماذا تتدخل الدول فى المواجهة بين الشركات ونشر التطبيقات؟ ألا يعنى ذلك أن الأمر أبعد مما ترصده العين، ويمس الأمن القومى للبلدان. أليس كذلك؟ والسؤال البديهى، لماذا لم تصنع الدول العربية بديلا محليا لهذه التطبيقات؟
***
لقد تطرق الرئيس بوتين منذ أيام فى أثناء لقاء صحفى يعقده سنويا، عن مخاطر السوشيال ميديا، وقال إن الشركات مالكة التطبيقات هذه أصبحت لاعبا سياسيا. هذا والمنطقة العربية تعرف جيدا معنى أن تكون شركة لاعبا سياسيا. فلقد عاش العرب قرنا كاملا تحت وطأة شركات البترول ومصالحها. والآن يبدو أن العالم يستبدل البترول، مما يعنى أن شيئا ما تغير فى أهمية ووضع المنطقة العربية خصوصا الخليج. من ناحية أخرى، الشركات التكنولوجيا الجديدة التى تملك منصات التواصل الاجتماعى، ليست لاعبا محليا يمكن التواصل معه، ولا هو ممثل فى أى منظمة دولية تجمع الدول بالشركات، بحيث تستطيع الدولة أن تتفاهم مع إدارة الشركة. وكل ما بوسع الدولة أن تفعله أن تترك الخدمة تمر إلى الداخل، أو تقفل باب الخدمة. ولقد عطلت دول كثيرة خدمة التواصل الاجتماعى منها إيران التى حظرت الفيسبوك نهائيا، ومنها تركيا أثناء الاحتجاجات، وأقرب مثال منذ أيام دولة روسيا لمنع تأجيج الاحتجاجات. لكن هل هذا يكفي؟
لا توجد خلاصة بعد لموضوع منصات التواصل الاجتماعى هذا، فمن كان يظن أنها أدوات اجتماعية فى يد الناس والشعوب، أدرك مع الوقت أنها أيضا أداة فى يد الحكومات تستطيع عبرها مراقبة المجتمع. وإذا ما كان هذا بوسع الحكومات وهى بدورها مستخدم للخدمة، فماذا بوسع الشركة التى صنعت التطبيق نفسه؟ هل بوسع الشركة مراقبة الشعوب والحكومات معا؟ هل المنصات أداة لتحكم قلة قليلة على أغلبية ساحقة؟ وإليك المثال، إذا كان كتابة نقد لسياسات إسرائيل يستوجب حذف البوست وتجميد حسابك، فهل سيحدث نفس الأمر إذا ما ناقشت أمرا يمس الذات الإلهية؟ أم أن هذه نقرة وتلك أخرى؟ ولذلك المسألة ليست فقط فى المعايير التى تطبقها الشركة صاحبة التطبيق، ولكن أيضا، فيما نعرفه عن مالكى الشركات صاحبة التطبيقات؟ هل بين أصحاب تلك الشركات روابط، مثل تلك التى بين مالكى شركات البترول الكبرى؟ هل تبحث الشركات عن الربح فقط أم للربح وأشياء أخرى؟ وهل لو تحولنا من استخدام تطبيق واتساب إلى تطبيق سيجنال، سنحمى خصوصيتنا أم سنصنع عملاقا آخر ونقع فى شباك تطبيقات نفس الرابطة لكن بأسماء أخرى؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved