أُمة تعمل وأُخرى تتمنى

عمرو خفاجى
عمرو خفاجى

آخر تحديث: الإثنين 18 مارس 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

قبل عشرين عاما تقريبا قررت مصر إنشاء مشروع ضخم يحمل اسم وادى التكنولوجيا، فى مدينة الإسماعيلية، ليكون أقرب إلى مدينة صناعية تهتم وتعمل على صناعات تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، ولأنه مشروع ضخم فتم تخصيص ١٦ ألف فدان لإقامته، ووقتها (١٩٩٤) ابتهج أهالى الاسماعيلية باعتبار ان الخير سيعم على المحافظة وان ابناءها سيودعون البطالة للأبد، وانها ستكون أكبر من «عروس القناة» ولن تقف شهرتها عند السمسمية والمانجو ودراويش كرة القدم، وحتى الآن لم يحدث شىء سوى تخصيص مبالغ هزيلة سنويا لهذا المشروع، من الواضح انها للأجور والمرتبات، لكن الذى يغضب فى هذه القصة، كما قال لى الناشط الاسماعيلاوى الكابتن مجدى رزق، أن الصين بدأت مشروعا مشابها بعد خمس سنوات من انطلاق وادى التكنولوجيا (يعنى عام ١٩٩٩) والآن تتفاخر الصين بمشروعها الذى ساعد كثيرا فى خطط تنميتها، ومنحها مكانة متميزة فى العالم الصناعى، كانت الاسماعيلية ومصر فى حاجة إليه، وبالطبع لم يختلف تعامل الحكومات المتعاقبة، سواء قبل الثورة او بعدها، مع المشروع، فالتجاهل مازال سيد الموقف.

 

والقصة برمتها تذكرنى بمشروع تنمية قناة السويس، والذى كانت بداياته ايضا من قبل الثورة، ثم استيقظ وانتعش بعدها، وتم الاجماع على انه مشروع مستقبل نهوض مصر، وبعد الانتعاش دارت معارك لم تنته حتى الان، معارك فى كل الاتجاهات.. معارك حول صاحب فكرة المشروع، ومعارك عمن يقوم بتنفيذه، إلى معارك أخرى مجنونة بأن المشروع يعنى بيع قناة السويس نفسها، إلى ان جاءت قضية الاولتراس لتغلق بورسعيد الباب على نفسها وايضا لتغلق الباب على هذا المشروع، وبالمرة تدوس على أى إحياء لمشروع شرق التفريعة، والذى كانت بداياته من ١٦ عاما، ومات بعد رحيل الجنزورى من رئاسة الوزارة، وحينما عاد إليها بعد الثورة، أعاد الحياة للمشروع، وكالعادة ظهر سبب لتوقفه، أو للدقة اسباب أعادته إلى درجة التجميد المعتادة لكل مشروعاتنا القومية.

 

والمشكلة تبدو امامنا واضحة لا تحتاج إلى شرح او تفسير، فباختصار هناك أمم تعمل، مثل الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا، فتنجز وتتقدم وتعلن للعالم عن نفسها، وأمم أخرى، مثلنا تتمنى من حين لآخر، فتدعو العالم للاشفاق علينا ومحاولة دعمنا وإقراضنا، وكنا نعتقد ان الثورة ستضعنا من بين الامم التى تعمل (مثلما فعلت ثورة يوليو) ولكن اتضح اننا فى مقدمة الأمم التى تتمنى بعض الوقت، وتتشاجر معظم الوقت.

 

لماذا لا نعيد اختبار انفسنا، فربما مازال بيننا من هو قادر على تحقيق الامنيات إلى أعمال، ولماذا لا يأخذ رئيس الوزراء مشروعا مثل وادى التكنولوجيا، نموذجا لفهمه واتخاذ قرار بشأنه، اما انه مشروع حقيقى، فيبدأ بدعمه وتنتعش الاسماعيلية، او ان المشروع كان وهما ومن باب الاستعمال السياسى وقتها، فيطلق عليه رصاصة الرحمة، ويبحث عن بديل لأهالى الاسماعيلية، وادعو السيد رئيس الوزراء لمراجعة كل المشروعات واتخاذ قرارات بشأنها، حتى نعرف (راسنا من رجلينا) كما يقولون، وتعرف كل محافظة دورها فى نهضة لازمة بعد ثورة مثل ثورة يناير.

 

الذى أعرفه أننا كنا أمة تعمل، وحينما دخلنا اختبارات جدية، نجحنا، فهل العيب فى الامة أم أن العيب ــ فقط ــ فى من يقود الأمة؟ والذى أعرفه أيضا أن الذى يحفر قناة السويس ويبنى السد العالى ويحطم خط بارليف، قادر على بناء المصانع وزراعة الارض وشق الطرق، فقط يحتاج إلى دعوات صادقة وتأكيدات شريفة أن هذا سيكون من أجله وأجل أبنائه من بعده. فهيا يا سيادة رئيس الوزراء أخبرنا بما لديك.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved