مرة أخرى.. روسيا وإفريقيا معا

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأحد 18 مارس 2018 - 9:46 م بتوقيت القاهرة

نشرت مؤسسة institute for security studies مقالا للكاتب «روناك جوبالدز» يتناول فيه العلاقات التاريخية بين الاتحاد السوفيتى والقارة السمراء، ورغبة روسيا فى استعادة هيمنتها ونفوذها فى القارة مرة أخرى، واستخدام العديد من أدوات القوة المختلفة ــ الصلبة والناعمة ــ لتحقيق التقارب، ويوضح أنه من الضرورى أن يستغل القادة الأفارقة تلك الرغبة الروسية لتحقيق مصالح بلادهم وكتابة فصل جديد من نجاح العلاقات الروسية الإفريقية.

يبدأ الكاتب حديثه بتوضيح أنه أثناء الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفيتى يمارس تأثيرا واسعًا وعميقًا على الدول الإفريقية. وتغيرت الأمور بعد سقوط حائط برلين، وها هى الأمور تتغير مرة أخرى فى عهد الرئيس «فلاديمير بوتين». طموحات روسيا الدولية تتطور وتنمو، وتؤكد زيارة وزير الخارجية «سيرغى لافروف» إلى إفريقيا فى الشهر الحالى على محاولة روسيا إعادة تأكيد نفوذها فى إفريقيا مرة أخرى.

إن حرص روسيا على إعادة توطيد العلاقات مرة أخرى مع القارة السمراء يأتى فى وقت مهم واستراتيجى، حيث إن إفريقيا تبحث عن شركاء استراتيجيين جدد فى ظل هذه التغيرات الديناميكية الجيوسياسية. فى الماضى، قام الاتحاد السوفيتى بتقديم الدعم المالى والأيديولوجى لحركات الاستقلال الإفريقية فى سعيهم للاستقلال والتحرر من الاستعمار الغربى. كما قامت روسيا بتدريب وتعليم العديد من القادة الأفارقة.

ومع تفكك الاتحاد السوفيتى فى عام 1991 وانهياره، تبدد رأس المال السياسى الإفريقى إلى حد كبير. وبينما كان الاتحاد الروسى يسعى إلى الحصول على هوية جديدة فى النظام العالمى الجديد، تحول ناحية الغرب مع قادة روسيا الجدد الذين تخلوا عن الماضى. أصبح الجنوب، وإفريقيا على وجه الخصوص، هم من يدفعون ثمن إخفاقات روسيا.

نقفز سريعا إلى عام 2018 حيث توافرت العديد من الأسباب الهامة والاستراتيجية لإعادة التقارب مرة أخرى.

أولا، لقد حدثت العديد من التغييرات الكبيرة بين الشركاء التقليديين لإفريقيا فى الغرب، حيث اعتمدوا نهجا يميل أكثر إلى الانعزالية فى السياسة الخارجية والشئون الدولية. بالإضافة إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى حدوث تغييرات كبيرة فى العلاقات الدولية.
ومن ثم نجد تحولا واضحا فى علاقات الغرب مع إفريقيا (والتى أصبحت تركز الآن بشكل أساسى على قضايا الهجرة والأمن) وهذا هو الوقت المناسب بالنسبة للشركاء الأجانب الجدد لترك بصماتهم. وبصرف النظر عن الصين، روسيا هى المستفيد الواضح، خاصة بعد فرض عقوبات عليها من قبل الغرب جراء غزوها لشبه جزيرة القرم أو من ثم أصبحت بحاجة إلى إيجاد شركاء تجاريين بديلين. ثم إن هناك بوتين الذى يضع قيمة للعلاقات الجيوسياسية وتأكيد نفوذ روسيا وهيمنتها فى إفريقيا، إذا يمكننا القول إن هناك مجالا لبناء كتلة قوة جديدة يمكن اعتبارها ذات منفعة متبادلة.
***

ويوضح الكاتب أن سعى روسيا إلى خلق توازن قوى على الساحة الدولية وفى العلاقات الدولية، يبدو أنه مغرٍ وجذاب للقادة الأفارقة. علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن روسيا تعتمد إلى حد كبير على نفسها من منظور سلعى تعنى أن علاقتها الاقتصادية مع إفريقيا تختلف عند مقارنتها بأقرانها ــ ما يعطيها ميزة.

إن أسلوب روسيا فى التجارة والاستثمار فى إفريقيا ــ دون وضع شروط وقيود كالتى تضعها القوى الغربية ــ يفتح الطريق أمام التفاعلات الاقتصادية فى القارة. فى الواقع، شهدت التجارة والاستثمار بين روسيا وإفريقيا نموا بنسبة 185٪ بين عامى 2005 و 2015.

بشكل عام، يمكننا القول أنه بالنسبة لإفريقيا تعتبر العلاقة مع روسيا علاقة تكامل أكثر منها علاقة تنافسية.
ومع توافر الظروف المواتية لإعادة الارتباط الروسى الإفريقى مرة أخرى، ما الذى يمكن أن يكون عليه النهج الروسى فى إفريقيا؟ باختصار يمكننا القول إن روسيا ستعتمد على أسلوب القوة الذكية بمعنى الجمع بين استخدام القوة الناعمة والقوة الصلبة.
***

فى هذا السياق، كانت زيارة لافروف إلى إفريقيا، والتى تزامنت مع زيارة وزير الخارجية الأمريكى السابق ريكس تيلرسون مهمة. وكان لها هدف مشترك ومحدد ألا وهو الأهمية الاستراتيجية للدول الإفريقية فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والخلاف بين روسيا والولايات المتحدة فيه. لكن بحسب «أليكس فاينس» من تشاتام هاوس، اختلف هدف كل منهما من تلك الزيارة: «نجد أن الزيارة الروسية تركز بالأساس على الأولويات التجارية، وبدرجة أقل كثيرا الدفاع، فى حين أن زيارة الولايات المتحدة تركز بشكل كبير على قضايا السلم والأمن».

وتشمل مصالح الطاقة الروسية النفط والغاز والطاقة النووية، حيث تستثمر الشركات المملوكة للدولة فى كل من شمال وجنوب إفريقيا. كما أن التأثير الأمنى لروسيا يأتى فى صورة المشاركة بأعداد كبيرة فى قوات حفظ السلام وتزويد القارة بالأسلحة والتدريبات العسكرية. وتمارس روسيا قوتها الناعمة من خلال تقديم الدعم بطرق مختلفة عن نظيرتها الغربية.

تتمتع روسيا بنفوذ عسكرى ملحوظ فى إفريقيا، ويظهر ذلك سواء فى القوات الموجودة على الأرض أو فى التعاملات فى المجالات العسكرية مع دول القارة. روسيا هى ثانى أكبر مصدر للأسلحة على مستوى العالم ومورد رئيسى لإفريقيا. على الرغم من الجدل الأخلاقى حول هذا (حيث إن غالبية الأسلحة الروسية تظهر فى البلدان المفروض عليها حظر سلاح)، ومن المرجح أن تظل هذه إحدى ميزاتها النسبية.

من الجدير بالذكر أن العديد من الدول الإفريقية تحضر «المناورات العسكرية» التى تستضيفها روسيا إما للمشاركة أو المراقبة. ومن المثير للاهتمام أن هناك علاقة واضحة بين الشركاء التجاريين الرئيسيين والبلدان التى تحضر المناورات. علاوة على ذلك، تشارك روسيا بأعداد كبيرة فى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. فى الواقع يفوق عدد جنود حفظ السلام الروس فى إفريقيا عدد أولئك القادمين من فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

من الناحية الاقتصادية، هناك تركيز بشكل أساسى على ما يعرف بـ«دبلوماسية الطاقة». فالاستثمارات الرئيسية نجدها فى النفط والغاز والطاقة النووية. وتقود هذه الاستثمارات شركات مثل جازبروم ووكويل وروستيك وروساتوم التى لها استثمارات فى الجزائر ومصر وجنوب إفريقيا وأوغندا وأنغولا.

ولأن معظم الشركات الروسية الكبيرة مملوكة للدولة بشكل كلى أو جزئى، فإن معظم الاهتمام الاقتصادى الروسى فى إفريقيا يأخذ شكل شراكات بين القطاعين العام والخاص. ويغلب على الاستثمارات الروسية سمتان وهما: أن معظمها تقوده الدولة، وأنها ترتبط فى الغالب بالمصالح العسكرية والدبلوماسية.

وكما ذكرنا من قبل تثير أنشطة روسيا فى إفريقيا جدلا كبيرا، فمن الناحية العسكرية تتهم روسيا بأنها فاقمت الصراعات فى إفريقيا من خلال توفير السلاح والتدريب للمنطقة، وتجاريا مشاركة بنك الاستثمار الروسى جنبا إلى جنب مع tuna bond saga والتى قوضت بشدة الحكم والشفافية، كان يُنظر إليه على أنه المثال الأول على مأزق الدبلوماسية الاقتصادية «غير الأخلاقية» لروسيا فى إفريقيا.

أما من الناحية الدبلوماسية، تعتبر أفريقيا ذات أهمية استراتيجية لروسيا من حيث الدعم الجيوسياسى الذى تقدمه فالدول الإفريقية تشكل أكبر كتلة تصويت جغرافية داخل العديد من المؤسسات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية العالمية، وبشكل خاص مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبالتالى فإن الدعم الإفريقى مغرٍ وجذاب لروسيا فى طريقها لتأكيد أهميتها وهيمنتها على العالم.

وبالرغم من خسارة موسكو العديد من أدوات «قوتها الناعمة» مع سقوط حائط برلين، بما فى ذلك الخدمة الإفريقية لراديو موسكو، فإن روسيا اليوم لا تزال تقدم تغطية إيجابية لإفريقيا. علاوة على ذلك، أنشأت روسيا إلى وكالة بديلة «للتصنيف الائتمانى» فى عام 2015 لموازنة تأثير الوكالات الغربية على وصول دول العالم النامى إلى التمويل والتى قوبلت بحماس واهتمام من القادة الأفارقة. تعتبر التحركات الأخيرة مثل دخول مواطنى جنوب إفريقيا بدون تأشيرة وتوفير منح دراسية لمواطنين من العالم النامى دليلا آخر على تفعيلها لاستراتيجية القوة الناعمة.
***

ختاما، يوضح الكاتب أن هناك تحولا فى ديناميكيات السلطة السياسية فى العالم من حيث النفوذ والمصالح. على الرغم من أن روسيا تتجه نحو الدول الإفريقية، إلا أن التأثير الملموس لهذا الأمر قابل للنقاش. وعلى الرغم من الاستعداد للعب دور أكثر أهمية فى إفريقيا فإن قدرتها محدودة. حيث تفتقر روسيا إلى القوة المالية والحجم لتكرار نجاح الاتحاد السوفيتى فى هذا المجال.

ومع ذلك، من خلال دبلوماسية الطاقة الاستراتيجية والقوة العسكرية والقوة الناعمة ستزيد روسيا تدريجيا من نفوذها فى إفريقيا. ومن جانبها، يجب أن تستغل الدول الإفريقية وصانعى السياسة الأفارقة هذا الاهتمام المتجدد بطريقة مفيدة، وسيكون هذا أساسيا فى تحديد نجاح الفصل التالى فى العلاقات الروسية الأفريقية.

إعداد: ريهام عبدالرحمن العباسى
النص الأصلي

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved