كينزي وكيرلس

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 18 مارس 2021 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

من وقت لآخر تُصادفنا نماذج من الشباب تبعث لدينا الأمل في غدٍ مختلف وربما أفضل، هي نماذج ليست شائعة بل هي الاستثناء بالتأكيد، لكن القاعدة تقول إن التغيير تصنعه القلة. عندما نقترب من هذه النماذج نجد أنها بالإضافة إلى مهاراتها الخاصة التي لا دَخل فيها لأحد فإن من ورائها يوجد شغل على مستوى عالٍ لولاه ما تألقَت هذه المهارات ولمعت، وكل مهارة لا تُمارس تصدأ. هذا الشغل تشترك فيه أسر تسند وتدعم وتتفهم أن التعلم يتجاوز معنى المجموع والشهادة، ومؤسسات تُدرب وتبث الثقة في النَفس وتنمي مهارات التواصل مع الغير، وقد شاءت الظروف السعيدة أن تجمعني باثنين من هذه النماذج. يوم الأحد الماضي نظّم المجلس القومي لحقوق الإنسان ندوة تحت عنوان "التعليم بين الواقع والمأمول"، وكان من الضروري الاستماع لصوت الطلاب في هذه القضية التي تمسّهم بالأساس، لذلك تم التواصل مع المسؤول عن اتحاد طلاب مدارس مصر لترشيح بعض ممثلي الطلاب للمشاركة في النقاش، ومن هنا تعرفنا على كينزي محمد وكيرلس إيليا. هي في السادسة عشرة من عمرها وطالبة بالصف الثانوي بمدرسة سعد زغلول الحكومية، وهو في السابعة عشرة من عمره وطالب بالصف الثالث الثانوي بمدرسة سانت فاتيما الخاصة. هو اختار تخصُص علمي رياضة، وهي استقرت على اختيار نفس التخصص في العام القادم، والاثنان يريدان أن يُصبحا مهندسَين. تتقاطع مسيرة كينزي وكيرلس في أكثر من محطة، يتولى هو أمانة اتحاد طلاب مدارس القاهرة فتصير هي الأمين المساعد، وعندما يحصل هو على عضوية المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب مدراس الجمهورية تدخل هي مجلس الاتحاد. إن هذا الثنائي المتكامل يغيّر الصورة النمطية عن أشياء كثيرة شاعت واستقرت .
***
دخل علينا الاثنان بنفس المدخل: قبل أن نبدأ نحب أن نحيي المنصة الكريمة، وانطلقا يتكلمان ويعرضان تجربتيهما، ولهما من الحضور كل السمع. ارتديا ثيابًا سوداء لزوم الندوة، وإن تحررت كينزي بعض الشيء من قيود المناسبة الرسمية وارتدت حذاء رياضيًا أبيض استعدادًا لتمرين الكاراتيه بعد انتهاء الندوة مباشرة. عمومًا اعتاد شباب هذه الأيام على أن يرتدي الأحذية الرياضية في المناسبات الرسمية، أكثر من ذلك امتد هذا التقليد إلى الأفراح ورأينا العروس ترقص في ليلة العمر بحذاء الرياضة، إنه جيل مختلف، أو نحن المختلفين ربما. تفتَحَت شخصية كيرلس عندما التحق بفريق الكشافة في كنيسته، وهناك تعلم كيف يحاور ويتفاعل واكتسب ثقة بنفسه. شارك في النشاط الطلابي داخل مدرسته واشترك في انتخابات تلو أخرى وصعد من مستوى لثانٍ، من الفصل للمدرسة ومن المدرسة للإدارة التعليمية، ومن الإدارة التعليمية للمديرية. كثيرًا ما كان يلقي برنامجه الانتخابي أمام أسرته الصغيرة: الوالدين والأختين قبل أن يعلنه للطلاب، لكن النقلة الحقيقية في شخصيته كانت ثمرة دروس التنمية البشرية ومعسكرات التدريب في إطار وزارة الشباب والرياضة. مارس السباحة حتى وصل للسنة الأولى ثانوي ثم توقف، خشي من تأثير الرياضة على مستواه الدراسي، وهو يملك من الشجاعة ما يجعله يقول "أعترف إن كينزي أشطر مني"، يقصد بذلك أنها مازالت تُمارس رياضة الكاراتيه التي حصلت فيها علي الحزام الأزرق.
***
كينزي لا تلعب فقط الكاراتيه بل يمكن القول إنها فعلت ما يتجاوز بكثير سنوات عمرها، دروس في اللغة الإنجليزية وأخرى في التنمية البشرية، برنامج في التلفزيون بعنوان "بكره لينا" وبرنامج في الإذاعة (توقف منذ بدء أزمة كورونا)، عضوية برلمان الطفل العربي ودبلوم عن بعد من الإمارات. لقد قدّم لها المجلس القومي للأمومة والطفولة فرصة البداية وأشركها في مبادراته الخاصة بقضايا الطفل ثم توالت الفرص الأخرى تباعاً وهذا هو المطلوب: الأخذ بيد الموهوبين ليصعدوا أول درجة ثم يكملوا بأنفسهم رحلة الصعود. لكن كله كوم ومشاركتها في صنع "كرتون توعوي" كوم آخر، توعوي يا كينزي؟ ردّت: أيوه، كنت فقط أريدها أن تعيد كلمة توعوي على مسامعي وقد فعلت، إنها ظاهرة. لديها خطان للموبايل لكنها لا تتعامل مع الموبايل إلا كوسيلة اتصال فغير مسموح لها باللعب عليه، وهذا كما تعلمون عجيب. أمها مدرسة اللغة العربية هي مديرة أعمالها، تنظم مواعيدها وتلازمها في تدريباتها وحضرت معها ندوة المجلس. هناك مقولة شائعة هي إن مدرّسي اللغة العربية بالذات - ولا أدري سببًا محددًا لهذا التخصيص -يجيدون تربية أولادهم، وفيما يبدو فإن هذه المقولة مازالت تتمتع بالمصداقية.
***
والآن ماذا تريد كينزي وكيرلس منّا؟ تتلخص مطالب كيرلس في الإسراع بتزويد طلاب الثانوية العامة بنموذج الامتحان فقد صار الامتحان على الأبواب ولا يعرف الطلاب على أي نحو سيكون. أما كينزي فعندها سلّة من المطالب: تريد شبكة قوية للاتصالات منعًا لإهدار الوقت "باقعد أحمّل نص ساعة"، وتريد الاهتمام بممارسة الرياضة في المدارس وربط المدارس بالنوادي الرياضية "مش بيقولوا اللي عنده مناعة حايقاوم". إنها تريد مساعدة الدولة لها هي وزملاءها على تطوير لغتهم الإنجليزية "بدل ما أدفع كتير"، وتريد العناية بتدريس اللغة العربية "في رئاسة البرلمان العربي للطفل باتكلم باللغة العربية فلابد من التدريب"، ونلاحظ هنا أنها ربطت تحسين اللغة العربية بالحديث داخل البرلمان العربي، هذا علمًا بأنها تشارك في حملات إعلانية ولها حضور إعلامي متعدد، وكأن الصغيرة دون أن تدري وضعت يدها علي إحدى مشاكل الإعلام في مصر: اللغة العربية لا تهم. وماذا نريد نحن من كينزي وكيرلس؟ نريد منهما أن يكونا نفسيهما ولا يكونا نسختين متشابهتين من زملائهما وأن يرفضا التنميط وينوعا مصادر التدريب واكتساب المعرفة، فكل تنميط يقتل الموهبة. ونريد منهما أن يتكلما بلسانيهما وليس بألسنة الكبار ويعيشا سنهما، ولذلك فعندما قمتُ بتعريف نفسي لكينزي وهي تراني لأول مرة وبادرتني بالقول: حضرتك غنية عن التعريف، شعرت إنها تتكلم بلسان غيرها.
***
كينزي وكيرلس.. لقد أحببتكما كثيرًا ولست وحدي على كل حال، أتمنى أن تكبرا في مصر وأن تعملا داخلها وأن تصنعا مستقبلًا أجمل لها، وهذا يتطلب أن يكون اهتمام مؤسسات الدولة بكما اهتماماً دائمًا فأنتما تستحقان كل اهتمام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved