الكتابة فى أيام الحرب

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 18 مارس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

فكرت وفكرت ثم فكرت فى تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتاب الصحفيين نوعا من المحرمات. كان من بين المحرمات فى زمن ولى كتابة عبارة محو إسرائيل وقد زالت بفعل فاعلين. حل محلها ولكن عند مسئولين وكتاب آخرين عبارة محو إيران. هذه استجدت مؤخرا على لسان رئيس حكومة إسرائيل، راح يرددها بعد قوله إن هدفه الأول من الحرب على إيران هو قتل مرشدها الأعلى تمهيدا لمحو الدولة من الوجود.
تعلمت فى مطلع حياتى الصحفية أن التهديد فى مقال بمحو دولة، أو حتى التحريض على إشعال حرب، إنما هو سلوك مرفوض فى منظومة أخلاقيات مهنة الصحافة المحترمة. علمنى أيضا صحفى كبير أن «محو دولة» لا تخرج عن كونها عبارة تخفى نية أو محاولة الهروب من «زنقة» فى مسيرة البحث عن مخرج، وما أكثر الزنقات والمآزق التى تعترض جهود ومحاولات التعبير عن رأى!
من هنا يسود اعتقاد فى المؤسسات الصحفية العتيدة مفاده أن الكتابة الصريحة جدا تعتبرها بعض القيادات السياسية ضربا من الخيال الصحفى، وفى حالات كثيرة تعتبرها أحد أهم عناصر التخريب أو الإحراج. أما إذا صدرت عن مسئول سياسى فهى ضرب فى الغيب، بمعنى أنها تحمل معنى تمنى وقوعه وليس بالضرورة القدرة على تحقيقه.
• • •
نعيش، هذه الأيام، أجواء حرب من نوع خاص تختلط فيها الرومانسية، الفارس على ظهر حصان شاهرا سيفه ومهددا القاصى والدانى بشرا كانوا أو مؤسسات أو حتى طواحين هواء، بحرب، حرب نشبت فعلا، واقع الحال أن لا أحد أبلغنا حتى ساعة كتابة هذه السطور بأهداف هذه الحرب ولم نطلع على خطتها ومسالكها وتعقيداتها.
المدهش فيما نحن بصدده أن الفارس الهمام ما أن طرح فكرته عن محو دولة العدو إلا وخرج الجنرالات منددين بغباء الفكرة ومعددين مخاطر تنفيذها. حدث بالفعل فى تاريخ الأزمات والنزاعات أن وقع اختيار هذا المشهد وانتهى باتخاذ القيادة السياسية قرار الحرب. كانت النتائج فى معظم هذه الحالات كارثية، لا أقل. أذكر كمثال فى هذا الصدد اللوم الذى وجهه الرئيس عبدالناصر فى خريف 67 للصحفيين، وبخاصة العاملين فى صحف عربية خارج مصر، الذين تحمسوا لرأى يضغط من أجل اتخاذ قرار حرب فى ظل ظروف غير مواتية.
غريب شكل الحرب الناشبة حاليا، ومسارها بالمناسبة أشد غرابة. إيران دولة بحجم متوسط وموقع حساس استطاعت أن تصمد فى وجه قطب دولى أعظم فى المساحة وتعداد السكان والموقع الفريد وفى القوة المادية والعسكرية والاستخباراتية وكفاءة الأجهزة العاملة فى مجالات التكنولوجيا المتقدمة وفى تنوع الحلفاء، هنا كان ولا يزال موطن الخطأ الجسيم. يبدو الآن واضحا أن الطرف الأقوى بين الطرفين اللذين توافقا على شن الحرب لم يبذل جهدا يذكر لتعبئة وحشد الطاقات اللازمة للدفاع عن أراضى وشعوب الحكومات الحليفة. عدنا نسأل مع السائلين. نسأل هل صحيح، وهو فى غالبه صحيح، أن دولة صغيرة جدا، وهى بالفعل أصغر بألفى كيلومتر مربع عن مساحة ولاية نيوجرسى الأمريكية، هى التي، مع اعتذارى عن فجاجة الكلمة، «جرجرت» الدولة الأعظم حجما وقوة نحو حرب فى الإقليم متعددة الأبعاد والأهداف.
إن صح هذا الأمر وتحققت الجرجرة فلماذا لم ننتبه، وإذا انتبه البعض منا، لماذا لم يبذل جهدًا حقيقيًا وقويًا فى سبيل تعطيل نشوب هذه الحرب أو منع نشوبها نهائيًا. نسأل هنا لماذا لم تتقدم، حتى الآن، دولة عربية أو مجموعة دول فى الإقليم بخطة جديدة تعوض العرب عن سنوات عديدة من رفض فكرة إقامة منظومة أمن جماعى عربى، أم أن هناك من فكر وهناك من رفض الفكرة؟ أليس هذا هو حالنا منذ أن توافقنا على أن نكون عربا، وقد حدث، ثم على أن نتكامل اقتصاديا، ثم على أن نتكامل أمنيًا. ولم يحدث؟
نعود لنسأل مع السائلين، وأكثرهم من الشباب، هل صحيح أن أحدًا مجهول الاسم والصفة، بحث واستقصى فاكتشف أن عبارات مثل العروبة، والقومية العربية، والوحدة العربية، قد خلت منها فى السنوات الأخيرة أغلب الكتابات الصحفية والخطابات السياسية فى عالمنا «العربى». البعض منا راح يحمل هذا الوضع مسئولية حالات الانفراط فى أغلب دولنا، ومسئولية تجميد الجامعة العربية أو شل ما تبقى لها من أنشطة. آخرون بيننا ألقوا باللوم على بعض الحكومات العربية التى برفضها أو تلكؤها أو عجزها عن تقديم بديل شجعت إسرائيل على الاستمرار فى تحدى كل العرب وصولا إلى إعلان خطتها توسيع مساحة الدولة العبرية وتثبيت دعائم هيمنة جديدة فى الإقليم.
• • •
ألح نتنياهو وجماعته «الإرهابية» على ضرورة شن حرب «مشتركة» لتحقيق هذا الهدف، وكنا على علم بما يجرى. بلغنا أيضا أن عديد جنرالات البنتاجون والصحفيين وبعض صانعى الرأى من الذين انتقلوا من علاقة الولاء لإسرائيل إلى حال الدفع للتخلص من هيمنة إسرائيل على عملية صنع القرار الأمريكى، واحتلالها مكانة الدولة الأحق باستغلال إمكانات أمريكا لتحقيق هدف الهيمنة على المنطقة. لم يغب عن أذهان هؤلاء، وأبرزهم الصحفى الأشهر تاكر كارلسون المسيحى المحافظ، والأكاديمى المرموق جيفرى ساكس وعالم السياسة البارز والمخضرم جون ميرشايمر وكلاهما يهوديان، أن إسرائيل تسعى بكل نفوذها وأموال أثرياء اليهود لتنتهز ما اعتبرته فرصتها الأخيرة فى تجنيد البيت الأبيض لخدمة مصالحها وشن حروبها. لم نفعل شيئا. تابعنا الانقسام داخل حركة «ماجا»، الحركة التى حملت ترامب إلى البيت الأبيض، ولم نفعل شيئا.
كانت فعلا فترة مثيرة تلك التى شهدت ضغوطا قوية لحث الرئيس ترامب على إعلان نيته المشاركة بقوة أمريكا فى حرب حقيقية ومدمرة تقودها إسرائيل ضد إيران. لاحظنا أن أغلب هذه الضغوط لم تكن معلنة، ولعل هذا الغموض هو الذى دفع بكثير من الدبلوماسيين الأجانب والصحفيين المصنفين مؤخرا تحت صفة «الأحرار» يميلون إلى الاعتقاد بأن الرئيس ترامب خضع خلال المرحلة السابقة مباشرة على الحرب لعمليات ابتزاز أو إغراءات أو عقوبات مادية هائلة. للحق وبصراحة دفعنا، أقصد دفع القادرون. وفيما يبدو لم تكن لأموالنا نجاعة أموال أغنى يهود العالم.
قيل من ناحية أخرى إن كثيرين من بين من نصحوا الرئيس بعدم الذهاب إلى حرب أشاروا إلى العواقب السيئة لمثل هذا التدخل فى عام انتخابات وعلى الاقتصاد العالمى، ناهيك عما قد يصيب الاقتصاد الأمريكى ومنطقة الخليج بالذات من أضرار وخسائر جسيمة. كل هذه الاعتبارات يمكن أن تفسر تأخره فى قبول العرض (أو الفرض) الإسرائيلى بشن الحرب. تفسر أيضا مظاهر تسرعه المبالغ فيه لإنهاء الحرب أو الخروج منها بإعلانات انتصار متعددة، ولكن وهمية فى غالب الأحوال.
• • •
نقترب من الأسبوع الخامس للحرب وما زالت الدولة الأقوى تسلحا والأعظم إمكانات ومكانات بعيدة عن الخروج منها منتصرة. عدد أكبر من علماء السياسة والمؤرخين ينضم الآن إلى قائمة طويلة من المؤمنين بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار التى كانت مصيرا لعديد الإمبراطوريات التاريخية.
جدير بنا قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى فى حرب إسرائيل وأمريكا ضد إيران أن ننتهز الفرصة لنعلن فيما تبقى لنا من مساحة عن أهم الآثار التى رأت أوساط متخصصة أن الحرب خلفتها بالفعل أو سوف تخلفها سواء على الدول والشعوب المعنية بها كما على الشعوب والدول غير المعني:
-مرة أخرى تتعرض سمعة أمريكا للضرر الشديد والاحتمال أقوى بأننا سنكون بين شهود على كارثة اقتصادية تصيب الولايات المتحدة فى وقت تحتفل فيه بمرور 250 عاما على استقلالها، وشهود على كوارث متنوعة الجسامة فى مختلف أنحاء العالم.
-أسباب كثيرة ومنها حركة «ماجا» صادفت ظروف الذهاب نحو الحرب لتثير معها واحدة من أهم القضايا السياسية الراهنة فى الولايات المتحدة، وهى قضية نقص فى ولاء قطاع هام من الشعب الأمريكى لوطنه، المقصود هنا هو القطاع الصهيونى داخل الطائفة اليهودية وداخل بعض أتباع الكنيسة الإنجيلية.
-تطرح الحرب وللمرة الأولى نقاشا واسعا فى العالم العربى بشكل عام حول معنى وفعالية نظم التحالفات السياسية التى نشأت فى المنطقة أو ورثتها عن مرحلة تاريخية سابقة على الاستقلال.
-فجرت الحرب وتوابعها بعث تطور «إيمانى» بالغ الخطورة وهو المتعلق بعودة انتشار المعتقد الدينى أو اللا دينى المرتبط بأساطير بعضها موروث عن فلسفات وعقائد دينية والبعض الآخر عائد إلى اجتهادات حديثة. يتصدر هذه التوجهات تطور تحت عنوان «نهاية الزمن» ومعه أو قريب منه «القيامة فى حياتنا» و«ظهور المسيح». تطور يكشف عن جهود لصهينة العقل الشرق أوسطى.
-السؤال المهم هذه الأيام يتعلق باختلاف وجهات النظر حول مستقبل الحرب. إيران ليست العراق المنبسط جغرافيا وطهران ليست بغداد القريبة من كل المرافئ والطرق. معروف أيضا أن إيران أمة بعقيدة وتاريخ وأكثر سكانها ومقاتليها بميول استشهادية. معروف كذلك أن شعوب المنطقة باستثناء شعب إسرائيل تسعى لمحو وصمة الإرهاب التى اختلقتها إسرائيل فى أعقاب تنفيذ جريمة تدمير برجى نيويورك.
-مع استمرار الحرب لأسابيع أخرى وليس لشهور يُحتمل أن نشهد تحولات فى خريطة الحرب فى المنطقة ترسمها «مقاومات» جديدة دفاعا عن حق الشعوب الشرق أوسطية، ومنها العربية، الواقعة تحت حكم الإسرائيليين، فى الحرية، وهذه الشعوب فى تزايد كما توضح لنا خريطة نتنياهو للشرق الأوسط الجديد.
Marina

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved