سجاد عجمى

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 18 أبريل 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

عاش لسنوات وهو يراقب جدته لأبيه تعيد ترتيب السجاد الإيرانى الثمين الذى كانت تتعامل معه على أنه «كنز العائلة»، تضع الأبسطة المتنوعة طبقات فوق بعضها البعض، ومن حين لآخر تغير ترتيبها حرصا على حصول كل منها على التهوية المناسبة، وبالتالى كان الصالون عبارة عن معرض متجدد دائما، يكتشف كل من يزوره سجاجيد مختلفة فى كل مرة. تربى الطفل على حب هذه القطع الفنية المبهرة وعلمته الست الكبيرة الفروقات بين النقوش التى تميز كل مدينة، فشغل السجادة يتبع بلد المنشأ، وكانت هى خبيرة بالموضوع، تشرح له لساعات طوال ما درسه إياها أبوها وجدها اللذان طالما افتخرا بأسلافهما من تجار السجاجيد «العجمى» أى الفارسية.


كان يجلس إلى جانبها وحين ينجح فى الاختبار ويعرف لأى مدينة تنتمى هذه السجادة أو تلك تعطيه قطعة صغيرة من السكاكر التى تحتفظ بها فى جيوبها، وتعتريه فرحة عارمة. سجاد تبريز يشتهر برسوماته التى تعنى بالتفاصيل المستلهمة من الأساطير والأشعار الفارسية القديمة، وشغل أصفهان يعتمد على استخدام الحرير وثراء الألوان، أما القطع التى يتم نسجها فى قُم، ثانى أقدس مدينة فى إيران بعد مشهد والتى تعتبر الحوزة العلمية، فقد عُرف بدقته ورقة الزخارف النباتية. هذه مجرد أمثلة لما حفظه عن غيب فى صغره وظل محفورا فى ذاكرته، ومع الزمن نمت معلوماته بفضل قراءاته المتعددة.. غاص فى تفاصيل هذا العالم الساحر مثلما كانت تغوص أقدام الزائرين فى عبق تاريخ طبقات السجاد المرصوصة بعناية فى غرفة الضيوف. تاريخ يرجع إلى حوالى ألفى عام، بدأ حين أراد أبناء القبائل محاكاة الحيوانات وصنع قطع وأغطية من الصوف لتدفئة أجسامهم، وهو نوع من السجاد ذو طبيعة مختلفة ولا يزال موجودا، ثم انتقل الأمر إلى المدن مع التطور العمرانى والحضارى للبلاد، فصار لكل مدينة فارسية سجاد يميزها، وهناك نماذج توضح الفروقات بينها فى متحف السجاد القائم فى العاصمة طهران منذ العام 1976 على مساحة 3400 متر مربع.


• • •
حلم كثيرا بزيارته بعد أن قرأ عنه ما قرأ، إذ يحتوى على قطع نادرة من القرن الخامس عشر الميلادى إلى وقتنا الحالى، بالإضافة إلى مكتبة تضم أكثر من 7000 مؤلف وعمل موسوعى. وتساءل عن مصيره بعد التدمير الذى تعرضت له المتاحف والمواقع الأثرية الإيرانية أخيرا من جراء القصف الذى تسبب فى خسائر مادية بعضها لا يقدر بثمن، لم يستطع أن يعرف إذا كان ضمن الأماكن التى تضررت، فالتعتيم الإعلامى لم يسمح له بذلك، لكنه يرفض أن يتم التعامل مع تراث للبشرية على هذا النحو الهمجى، وفى هذه الحالة تحديدا الأمر يتعلق بحب حياته ألا وهى السجاجيد القديمة التى قرر منذ أن صار شابا يافعا أن يرسم لوحاته على قطعها الممزقة فيعيد إحياءها مع الحفاظ على شخصيتها. وتدريجيا تحولت الهواية إلى مهنة يكسب بها عيشه وتدر الكثير من المال. أصبحت أعماله تُعرض فى الفنادق الفخمة والقاعات الفنية، وازداد ولعه بالسجاد الإيرانى الذى يعتبر رمزا لدبلوماسية بلاده عبر العصور وتحديدا منذ أيام الصفويين الذين حكموا بلاد فارس ما بين 1501 و 1736.


خامس ملوك الدولة الصفوية كان الشاه عباس الأكبر الذى اهتم اهتماما بالغا بالفنون الجميلة وازدهرت فى عهده صناعة السجاد. أراد أن تكون أصفهان أجمل مدن العالم، وألحق ببلاطه مركزا للنساجين وأمهر فنانى السجاد، وصارت أبسطة أصفهان هدايا ملكية فاخرة تبعثها بلاد الفرس لكسب ود الجيران ونسج علاقات دبلوماسية، وبمرور الزمن ارتبطت الثقافة السياسية الإيرانية برمزية السجاد المصنوع بدقة وصبر وحنكة، حتى أن الدبلوماسية الإيرانية صار يطلق عليها «دبلوماسية السجاد». عرف صاحبنا كل ذلك من الكتب، جمع عددا هائلا منها، وأخذ يتابع مسارات أهم القطع المهداة للملوك والرؤساء والشخصيات العامة. اكتشف مثلا قصة البساط الفارسى الموجود فى مبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالدور الثانى، والذى أهدته إياها الحكومة الإيرانية فى ديسمبر 1952. السجادة تتميز بظلال من الأحمر والأزرق، وتحيط الأشكال الصغيرة التقليدية بصُرة مستديرة ، وفى كل سنتيمتر هناك من 95 إلى 100 عقدة بالطول والعدد نفسه بالعرض، تم تصميمها من قبل حرفى مجهول من أصفهان مستلهما نمط سجاد الشاه عباس الصفوى واستغرق العمل بها ما يقرب من أربع سنوات. لاحظ أيضا استخدام سجاد إيرانى عتيق خلال مراسم وداع البابا فرنسيس، وكان هذا الأخير قد تلقى من الرئيس الإيرانى السابق حسن روحانى سجادة فارسية صغيرة كهدية عام 2016، وقدم له سفير طهران سجادة من مدينة كرمان عام 2018، فالسجاد فى الفاتيكان لا يستعمل للزينة فقط، بل يرمز إلى المساحة المقدسة التى يوضع عليها التابوت، وهى عادة موثقة منذ قرون فى الفن المسيحى. لذا تُعد السجادة الفارسية فى الفاتيكان، تحديدا فى مراسم تأبين البابا، تقليدا عريقا يمتد لأكثر من 600 عام، حيث يُفرش السجاد الإيرانى اليدوى الفاخر تحت توابيت البابوات الكاثوليك وداخل القاعات من باب القدسية والتبجيل.


• • •
اكتشف أيضا صاحبنا وجود سجادة فارسية فى مقر إقامة الرئيس الأمريكى بالبيت الأبيض، وفى قصر بكنجهام الملكى ببريطانيا، وفى البلاط الإمبراطورى باليابان وداخل بعض القصور الصينية، لكن على ما يبدو لم تنجح «دبلوماسية السجاد» فى احتواء الأزمات المتلاحقة فى الآونة الأخيرة، رغم أن إيران استطاعت لسنوات طويلة الاعتماد على سياسة الردع وعلى صبرها الاستراتيجى المعهود القائم على حسابات دقيقة وتحالفات إقليمية وطائفية. سمح لها ذلك النهج بأن تحمى أراضيها وأن تتفادى إراقة الدماء فى الداخل، مفضلة أن تحارب خارج حدودها ومن خلال الوكلاء. ارتكزت سياستها الخارجية على المعلومات الاستخباراتية وعلى شبكة من العلاقات المعقدة فى المنطقة وعلى عنصر المفاجأة الاستراتيجية، لكن منذ حرب الاثنى عشر يوما فى يونيو الماضى دخلت فى مواجهة عسكرية مباشرة وغير مسبوقة مع إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية. تغيرت المعطيات وانقلبت الأوضاع.. وجلس صاحبنا الفنان أمام قطعة السجاد العجمى مترددا بين أن يرسم «بورتريه» لفتاة جميلة كعادته أو خيول مارقة أو ربما عليه أن يغير هو الآخر ويتجه لأشكال أكثر تجريدية مستوحاة من المنمنمات الفارسية القديمة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved