ثورة الصين الاقتصادية الهادئة
رانيا مكاريوس
آخر تحديث:
السبت 18 أبريل 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
جلستُ فى غرفةٍ تجمع بين أرجائها أناس من مختلف مجالات الحياة، يربط بينهم خيطٌ رفيع، لكنه فى الوقت ذاته عتيدٌ ومُحكَم، وهو شغف التعلّم. دخل رجلٌ متوسط القامة، حادُّ النظر، تفيضُ تقاسيمُ وجهِه بالهدوء والثقة. بعد توجيه التحية، عرّف عن ذاته أنه مخترع نظام الدفع عن طريق الهاتف فى الصين. اعتدل الجميع فى مقاعدهم، واستهل حديثه بطرح سؤال: تتوقعون كم يستغرق من الوقت الحصول على كوب قهوة دافئ عن طريق التجارة الإلكترونية فى الصين؟ ساد الصمت أرجاء المكان، ثم قرر فى التو واللحظة شراء القهوة بنقرة واحدة عبر هاتفه الجوال، وبينما هو يسترسل فى الحديث عن الصين والتجارة الإلكترونية، وبعد 12 دقيقة تحديدًا، طرق مندوب التوصيل باب الغرفة، ودلف حاملا بين يديه كوب القهوة، وهو لا يزال دافئًا.
• • •
تتغلغل التجارة الإلكترونية فى جميع مناحى الحياة فى الصين. ووفقًا لبيانات شركة الاستشارات العالمية «ماكينزى»، تستحوذ الصين حاليًا على أكثر من 40 بالمائة من قيمة التجارة الإلكترونية عالميًا. يرجع نجاح الصين فى الوصول إلى مؤشرات نمو اقتصادى غير مسبوقة، وتقليل الفجوة بين الشرائح المجتمعية المختلفة، إلى تحويل بوصلة التقدم الاقتصادى نحو القرى الريفية، وإقامة اقتصاد كامل مبنى على التجارة الإلكترونية الريفية. وقد أثمر هذا التحول عن استحداث 20 مليون وظيفة إضافية فى المناطق الريفية. كما انتشلت منصات التجارة الإلكترونية مئات الملايين من براثن الفقر المدقع؛ إذ بات 89% من المقاطعات الأكثر فقرًا فى الصين ضمن نطاق تغطية التجارة الإلكترونية حاليًا. وبالنظر إلى ضعف مقومات النجاح الاقتصادى فى بيئة يسودها ندرة الموارد والفقر المادى، كما هو حال المجتمعات الريفية بشكل عام، يمكن تفسير تلك الطفرة الاقتصادية التى غمرت الريف الصينى علميًا من خلال نظريات الاقتصاد السلوكى.
تطلّب التحول نحو التجارة الإلكترونية فى الريف إقناع المزارعين بتغيير نمط البيع والشراء، والتعامل مع التكنولوجيا كنافذة أساسية للأسواق. تشير بعض التقارير إلى عودة الكثير من المهاجرين فى الصين إلى منازلهم فى الريف الصينى للعمل بالتجارة الإلكترونية، بعد نجاح جيرانهم وأقاربهم فى النفاذ إلى الأسواق وتضاعف قدرتهم الشرائية، ما يمكن تفسيره فى الاقتصاد السلوكى بـ«الإثبات الاجتماعى»، وتعتمد هذه النظرية على المؤثرات الاجتماعية لتبنى سلوك اقتصادى جديد.
بدأت الصين تلتفت إلى التجارة الإلكترونية وفق أسسٍ ممنهجة فى أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتى أدت إلى اضطراب واسع النطاق فى اقتصادها، وخاصة التجارة الصغيرة والمتناهية الصغر. فى هذا السياق، بدأت قرية «تشينج يان ليو» بمدينة «ييوو»، التى تقع فى مقاطعة «تشجيانج»، باكتشاف الفوائد المحتملة لاستخدام منصة التجارة الإلكترونية التابعة لشركة «على بابا» كأداة فاعلة فى تطوير نماذج أعمال مبتكرة. شُجِّع سكان الريف على المشاركة فيها، ومع تزايد أعداد البائعين والمشترين عبر الإنترنت، تم إنشاء أول منصة خاصة بالتجارة الإلكترونية الريفية فى عام 2009. ومن هنا برز ما يُعرف بـ«قرية تاوباو»، ويُطلق هذا المصطلح على القرى التى تصل إلى مؤشرات أداء اقتصادية محددة، أهمها مستوى مبيعات عبر الإنترنت بقيمة 10 ملايين يوان، أو حوالى 1.4 مليون دولار أمريكى سنويًا، وأن تحوى القرية ما لا يقل عن 100 متجر إلكترونى نشط، أو أن تمثل نسبة الأسر المنخرطة فى التجارة الإلكترونية 10% على الأقل من إجمالى سكان القرية. ساهمت منصة التجارة الإلكترونية فى تمكين مزارعى الريف من بيع منتجاتهم مباشرةً للمستهلكين؛ مما وفر فرص عمل ومشاريع ريادية شملت حتى أولئك المزارعين الذين لا يملكون أراضى. إذ ساهمت التجارة الإلكترونية فى تجاوز الحواجز التقليدية للنفاذ إلى الأسواق، وبالتالى مكّنت جميع المزارعين من الولوج إلى منافذ البيع الإلكترونية المباشرة على قدم المساواة. ومنذ عام 2014، أصبحت التجارة الإلكترونية من أهم أدوات التنمية الريفية فى الصين.
إن قصة التجارة الإلكترونية فى الصين هى واحدة من أهم دراسات الحالة فى الاقتصاد السلوكى وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة. فعلى الرغم من الثبات الراسخ لنظريات الاقتصاد التقليدية كنواة أساسية للعلم الاقتصادى، شهدت الآونة الأخيرة استحداث فرع الاقتصاد السلوكى، والذى يثرى بدوره علم الاقتصاد التقليدى من خلال دمجه بحقول جديدة كعلم النفس والاجتماع، ليخرج بتحليلات أكثر واقعية من خلال مقاربة الواقع الفعلى لسلوك المنظمات والأفراد. فى علم الاقتصاد التقليدى، على سبيل المثال، يقوم الاقتصاد الكلاسيكى على مبدأ توازن الأسعار بالأسواق وفقًا للعرض والطلب دون تدخل حكومى، وهو ما أطلق عليه آدم سميث «اليد الخفية». لم يُلغِ الاقتصاد السلوكى الاعتماد على اليد الخفية لضبط الأسواق، ولكنه يضيف رؤية جديدة مفادها أن اليد الخفية ليست بالضرورة خفية؛ فهناك تأثير للإدراكات السلوكية مثل المحاسبة العقلية، والخوف من الخسارة، وسلوك القطيع على القرارات الاقتصادية للأفراد والمؤسسات.
• • •
وفقًا لسياسات الاقتصاد السلوكى، فإن تلقّى المعرفة عبر شخص ينتمى إلى ذات البيئة يعزز الثقة بالمعلومات، حيث يميل الأفراد إلى تبنّى تصرفات وأفكار أو عادات الأشخاص المحيطين بهم، ويحد كذلك من «تحيز تجنب الغموض»، إذ يميل الأشخاص بشكل عام إلى خيارٍ معروف - حتى لو كان أداؤه أقل كفاءة - على خيار جديد أو مجهول. نجحت الصين فى تطبيق تلك النظرية من خلال صبّ اهتمامها على أهم عوامل الإنتاج فى الاقتصاد الحديث، أى رأس المال البشرى. تكاتفت الأيدى من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص لصقل المشاركين فى سلاسل التوريد والإنتاج بالمهارات والتدريب التكنولوجى، مع نقل تلك المعرفة من خلال أقران المتدربين فى الريف، وهو ما أدى بدوره إلى خلق بيئة تجارية تتسم بالثقة والمعرفة، يشعر فيها الأطراف الفاعلة فى العملية الإنتاجية بأنهم قادرون على استيعاب وفهم تبعات خوض غمار التجارة الإلكترونية.إضافة إلى ما سبق، تم إتاحة قروض منخفضة التكلفة، موجهة خاصة بالمناطق الريفية، لتوسيع قاعدة المشاركين فى التجارة الإلكترونية من خلال شركة «انت فاينانشيال» الصينية للخدمات المالية الرقمية، حيث تم إنشاؤها خصيصًا لتوفير قروض متناهية الصغر، وتقدم منح تأمين اجتماعى خاصة بالسيدات للتخفيف من الأعباء المالية. تكمن الميزة الرئيسية فى ذلك النوع من القروض والتعاملات المالية، التى تدعمها الشركات الصينية فى المناطق الريفية، فى تبسيط الإجراءات وسرعة معالجة المطالبات. ووفقًا للاقتصاد السلوكى، فإن أبرز العوائق التى تحول دون أن ينخرط المرء فى حقل الاستثمار هى الإجراءات المعقدة، والشعور بعدم وجود معلومات كافية، وكذلك شعور الشخص بضبابية الخطوات التى يتعين اتخاذها للبدء.
وبالتالى، فإن سياسات تبسيط الإجراءات ساهمت بشكل أساسى فى الامتثال للقوانين، وفى دعم روح المبادرة فى الريف الصينى.
• • •
يمثل النمو الاقتصادى فى الصين الناتج عن التجارة الإلكترونية ثورة هادئة، بدأت بشكل تدريجى منذ نحو خمسة عشر عامًا، واستمرت على نحو متوازن، متسمةً بالاستقرار والخطى الثابتة. تتناول مجموعة كبيرة ومتنامية من الدراسات الروابط بين كل من التجارة الإلكترونية وخلق فرص العمل، والنمو الاقتصادى، وتحسين الرفاه الاجتماعى للفرد والمجتمع ككل. ويُظهر نجاح التجارة الإلكترونية فى الصين أن فوائد التكنولوجيا الرقمية لا تقتصر بالضرورة على الدول ذات الدخل المرتفع والمناطق الحضرية. وعلى الرغم من أن عوامل نجاح التجارة الإلكترونية قد تكون فريدة من نوعها فى الصين، فإن تجربتها تقدم دروسًا حول سبل تطوير التجارة الإلكترونية فى أماكن أخرى. أحدثت التكنولوجيا الرقمية تغييرًا فى طريقة إنتاجنا واستهلاكنا، وفى نهاية المطاف أصبح لا بديل عن تبديل نمط تفكيرنا إن أردنا حقًا أن نلحق بركب قطار التنمية الاقتصادية.
باحثة دكتوراه