هدنة مؤقتة

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 18 مايو 2018 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

تنفس المصريون الصعداء بعد مرور يوم الخميس الماضى، الذى وافق الأول من شهر رمضان، من دون ان تصعقهم الحكومة بقرار جديد يزيد عليهم الأسعار وأعباء الحياة، كما اعتادت فعل ذلك خلال الشهور الأخيرة، وبالتحديد فى يوم الخميس، تحت مبررات لم تجد قبولا شعبيا، بل أثارت السخرية، مثل حديث بعض المسئولين عن أن رفع أسعار هذه السلعة أو تلك الخدمة «يصب فى مصلحة المواطن»!

هذا المرور الهادئ ليوم الخميس الماضى، لا يعنى أن الحكومة اكتفت من نوعية تلك القرارات التى «تصب فى مصلحة المواطن»، لكنها مجرد «هدنة مؤقتة» بعد تطبيق قرار زيادة أسعار تذاكر المترو بنسبة تبدأ من 50% وتصل إلى 250%، وهو القرار الذى مثل صدمة كبيرة للشرائح الفقيرة التى اكتوت بنار الغلاء على مدى العامين الأخيرين.

نقول هدنة مؤقتة لأن بعثة صندوق النقد الدولى، التى انتهت من المراجعة الثالثة لبرنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى، تمهيدا لحصول القاهرة على الشريحة الرابعة من قرض الصندوق، بقيمة مليارى دولار خلال يوليو المقبل، لديها شروط كثيرة ينبغى على الحكومة الالتزام بها لكى تحصل على تلك الشريحة، أهمها مواصلة رفع الدعم عن الكثير من السلع والخدمات التى تقدمها الدولة للمواطنين.

لذلك فإنه فى الفترة المقبلة، ينبغى على المواطنين الاستعداد لقرارات صعبة وشديدة التأثير عليهم، مثل زيادة أسعار تذاكر النقل العام والوقود والكهرباء والمياه، ليس هذا فقط، بل إن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالى الجديد، والذى يتم مناقشته حاليا فى مجلس النواب، تمهيدا لاقراره قبل 30 يونيو المقبل، يشير إلى زيادة حصيلة ضريبة القيمة المضافة من التبغ والدخان والسجائر والاتصالات، وهو ما يعنى زيادات جديدة فى أسعار تلك السلع والخدمات.

السؤال الآن.. هل كان هناك بديل آخر غير تجرع المواطنين هذه الكأس المرة؟ الرئيس السيسى فى حديثه خلال جلسة «اسأل الرئيس» التى عقدت على هامش المؤتمر الخامس للشباب الأسبوع الماضى قال إن: «الدولة كان لا بد عليها من اتخاذ قرارات الإصلاح الاقتصادى،‏ وأنه لولا تلك الإصلاحات لزادت البطالة وزادت التحديات التى تواجهها الدولة»، مشيرا إلى أنه «قرر تحمل مسئولية الإصلاحات الاقتصادية حتى تكون الأمور أسهل على من يأتى بعده حتى يقود البلد بشكل أسهل وتتحقق النتائج بشكل أعظم».‏

وتابع أنه «من الأفضل أن نعانى قليلا لكن لن نبقى فى هذه الحال المتردية.. لا بد من كسر الفقر والضعف الذى نعيشه، وغدا سترون مصر»، مشيرا إلى ان «البطل فى هذا الأمر ليس متخذ القرار، إنما البطل الحقيقى هو الشعب المصرى».

لا يختلف أحد على حتمية قرارات الإصلاح التى تم اتخاذها خلال الفترة الأخيرة، وأنها كانت مطلوبة وضرورية لعلاج التشوهات الكثيرة فى جسد الاقتصاد المصرى، والتى ترسخت على مدى نصف قرن، لكن فى الوقت نفسه، كان مطلوبا من الحكومة العمل على توزيع فواتير وأعباء خطة إصلاح الاقتصاد على جميع طبقات المجتمع، تحقيقا لمبدأ العدالة والمساواة بين الجميع.

ما شهدناه من ممارسات وسياسات وقرارات من جانب الحكومة خلال الفترة الماضية، افتقد تماما لمبدأ «العدالة فى توزيع الأعباء»، وتحملت الطبقات الفقيرة وحدها، دفع أغلب فواتير برنامج الإصلاح الاقتصادى، حتى أصبح أنينها مسموعا فى كل وقت ومكان!.

المطلوب الآن وقبل ان تفكر الحكومة من جديد فى «خميس المصلحة»، ارسال رسائل واضحة عن انحيازها للعدالة الاجتماعية، عبر اقرار حزمة جديدة وحقيقية من الاجراءات لدعم ــ ليس فقط الطبقة الفقيرة ــ وإنما ايضا الطبقة المتوسطة التى دهسها قطار الإصلاح، وأوشكت بالفعل على الاندثار، وهو أمر غاية فى الخطورة على أى مجتمع يتطلع إلى البناء والاستقرار والتطور.

على الحكومة أيضا الابتعاد عن اتخاذ قرارات تصب فى مصلحتها فقط، مثل رفع رواتب ومعاشات الوزراء والمحافظين ونوابهم، واتباع سياسات اقتصادية رشيدة واتخاذ اجراءات تقشف حقيقة، حتى لا تفقد ثقة المواطنين فيها للأبد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved