البحث عن وزير
الأب رفيق جريش
آخر تحديث:
السبت 18 يوليه 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
وزارة الثقافة من أكبر الوزارات فى مصر، وليست كبيرة بالمعنى الهيراركى للكلمة، ولكنها كبيرة بالعرض، أى أن تحت أجنحتها، وفى إطار مسئولياتها، الكثير من التخصصات التى تندرج تحت شعار الثقافة. وعلى سبيل المثال، وزارة الثقافة مسئولة عن هيئة الكتاب، ومعرض الكتاب السنوى، والأوبرا التى أصبحت منتشرة فى ربوع مصر، أى الموسيقى الكلاسيكية والعربية، والباليه، وفرق الفنون الشعبية، والتبادلات الثقافية مع دول العالم، وهى عديدة، وأيضًا مراكز الترجمة والنشر، والمسارح بأنواعها، والمراكز الثقافية فى المحافظات والأحياء، والمجلس الأعلى للثقافة، والجوائز المختلفة، وعلاقتها بالكُتّاب والمفكرين، وتقاطع ذلك مع الصحفيين أيضًا، وغيرها من المؤسسات، وكانت لوقت قريب مسئولة عن الآثار كلها فى مصر. فمن من الأشخاص قادر أن يكون وزيرًا للثقافة، مستوعبًا لكل تلك المسئوليات والتخصصات، وأولها تثقيف الشعب المصرى وجعل الثقافة فى متناول كل مصرى رغم التنوع الكبير؟ هناك ثقافة تخاطب الشباب، وأخرى لمعتادى القراءة، ومريدى المسارح والأوبرات، وما إلى ذلك. فالتنوع الثقافى كبير، ومن الصعب إيجاد وزير موسوعى يستطيع أن يُلم بكل هذه الأشياء، وغيرها، مثل حضور جلسات مجلس الوزراء، أو جلسات مجلسى النواب والشيوخ، وعشرات اللجان التى من واجب الوزير حضورها لأنها ضمن مسئولياته الوزارية.
تعلو أصوات تطالب بوزير شاب أو شابة حتى يستطيع أن يركض وراء كل هذه المسئوليات، وأصوات أخرى تطالب بوزير مخضرم موسوعى مثل وزراء سابقين، على سبيل المثال، ثروت عكاشة أو الفنان فاروق حسنى. ومما هو غريب أيضًا أن وزير الصحة طبيب متخصص خريج كليات الطب، ووزير الزراعة خريج كلية الزراعة، ووزير الإعلام خريج كليات الصحافة والإعلام، وما إلى ذلك. ولكن لا توجد كلية لتخريج وزير للثقافة، وذلك لتنوع الثقافة، فمنها الآداب، ومنها الفنون المختلفة، ومنها الموسيقى، وما إلى ذلك. فأمام الدولة اختيار صعب لترشيح وتعيين وزير يكون ملمًا بكل هذا الكم الهائل من التخصصات الثقافية المختلفة.
سنجد مسئولين لوزارة الثقافة، ولكن ليس فى كل التخصصات، وهذا ما يجب أن يكون أمام المسئول عن الاختيار نصب عينيه، فقد يجد وزيرًا يكون فاهمًا فى الفنون، ولكن ليس فى الموسيقى، أو يفهم فى السينما، وعلاقاته محدودة مع الكُتّاب، وما إلى ذلك. فهل يجب أن نقبل بذلك؟
فى السنوات الأخيرة غابت الخطط والأهداف، ولم تَعُد هناك سياسات تطوير، ولا مشروع «القراءة للجميع»، مع غياب عن الأقاليم، أما المهرجانات والمنتديات والاجتماعات فشكلية، والتأثير محدود على المواطن ووعيه. صحيح أن هناك مبدعين ومثقفين، ولكنهم مشتتون، ويدورون فى طواحين هواء، تشغل بعضهم معارك عبثية، ويتقوقع آخرون على حكايات ماضية، ويتملك الباقين يأس عام، لأن الدولة ما زالت تنظر إلى الثقافة باعتبارها ترفًا، وليس باعتبارها قوة ناعمة مهمة فى تكوين المواطن.
فقد مضت فترة طويلة تعانى فيها ثقافة مصر حالة تراجع دون أن يلتفت أحد إلى ذلك، وقد حان الوقت من أجل اختيارات أفضل، وسياسات أكثر فهمًا ووعيًا، وحرصًا من مؤسسات الدولة على هذا الركن الحصين من عقل الأمة.
إن تهميش الثقافة لا يليق أبدًا بحضارة مصر تاريخًا وقيمة وإبداعًا، ولا بد أن نراجع أنفسنا. والمراجعة تبدأ بالشفافية فى الاختيارات، ووضع البرامج التى تعكس قيمة المثقف الحقيقى، ودور الثقافة، وزيادة الوعى، وتأكيد دور مصر الثقافى عربيًا، وأن العقل المصرى هو أغلى ثروات مصر.
وقبل البحث عن وزير للثقافة، على الدولة أن تضع رؤية واضحة لاستغلال هذا التنوع الثقافى، والارتقاء بثقافة الشعب، وجعلها فى متناول الجميع. ولا بأس أن تقوم الدولة باستشارة بعض المهمومين بالشأن الثقافى. وبعد رسم الرؤية توضع خطة لتنفيذها، ومن ثم اختيار شخص يحقق هذه الرؤية ويطبقها، ويكون معيار نجاحه هو ما حققه وطبقه من هذه الرؤية. أعتقد أن وزارة الثقافة لا تحتاج إلى مثقف يعيش فى برج عاجى بقدر ما تحتاج إلى شخص إدارى يستطيع أن يقود هذا التنوع، إضافة إلى إلمامه بفروع الثقافة المتنوعة، ولكن إدارى فى المقام الأول، يستطيع أن يعمل ويكوّن فريقًا أو عدة فرق تساعده على إدارة هذا التنوع. إن الثقافة فى مصر مهمة أهمية التعليم والصحة، لأنها تُكوّن عقلية المواطن المصرى بعد أن تلاطمت أفكار دخيلة كثيرة عليه، وهى شعاع يشع على المنطقة العربية، بل العالم كله. لنتذكر، على سبيل المثال، نجيب محفوظ.