ما معنى أن يبكى إدجار موران على غزة؟

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: السبت 18 يوليه 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

خلال مشاركته كضيف شرف فى «الدورة الثانية لمهرجان الكتاب الإفريقى فى مراكش» (FLAM) فى فبراير 2024، لم يكن بكاء الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسى إدجار موران (1921 - 2026) بكاء عاديا..
فهذا الرجل الذى نيف على المائة عام (ناهز عمره آنذاك 103 سنوات)، لم يبك غزة فحسب، بل بكى ظلم عالم ولاعدالته، هو الذى طالما دعانا إلى أن نكون واعين بتراجيديته وبتراجيدية مصائرنا فيه؛ كيف لا وهو الذى، بحسب كاتب سيرته الذاتية إيمانويل لوميو Emmanuel Lemieux بعنوان: «أكثر من مائة عام ليصبح إدجار موران»، تكونت حياته «من حيوات متعددة، متشابكة مع مآس وأحداث غير مسبوقة، وشعر غير متوقع، ولقاءات حاسمة. معالم، وإشارات، وتفاصيل مسيرة استثنائية».
بكى صاحب الفكر الحر و«المركب» وهو يحدس بالتقدم العلمى والتكنولوجى الهائل وبالكارثة البشرية الشاملة: «نحن نسبح فى عصر غامض، ومشتبه به بحيث لن يكون بإمكاننا أن نتوقع ما سيحدث»؛ «نعيش مغامرة مجهولة كالسائرين نياما…» (من حوار «المجلة الفلسفية» الفرنسية، العدد رقم 151 - أغسطس 2021).
فمع استشرافه عتبات الألفية الثالثة، وما رافق ذلك من تصاعد لحمى التسلح، ومن صواريخ تخترق الكوكب، ونجاح العقل البشرى فى مد بصره إلى أقاصى الكون السحيق وصولا إلى أعمق نقاط الزمان والمكان، بما يشى بتقدم علمى وتكنولوجى غير مسبوق، توالت دعواته إلى تأمل هذا التغول المتعدد الأوجه، اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا..إلخ، فى زمن صار يشهد ميلا أكبر لدى المثقفين نحو التقوقع داخل مجالاتهم المعرفية والنأى «عن أفكار ذات قيمة مدنية أو اجتماعية أو سياسية» أو حولوا بالتزاماتهم الحزبية «الأفكار إلى بارود للمدافع» أو غدوا نجوما إعلامية يبيعون «الأفكار الرائجة فى الاستهلاك» (إدجار موران، مقدمات للخروج من القرن العشرين).
إدجار موران الفرنسى اليهودى الذى عايش النازية والشيوعية وأشكالا من التعصب والاضطهاد الدينيين، وامتدت مسيرته كسلسلة من المقاومات، بدءا من مقاومته السرية للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، مرورا بالشيوعية كخلاص، من خلال انتسابه إلى الحزب الشيوعى الفرنسى لعشرة أعوام (1941 - 1951)، رفض أن يكون الحزب مقصلة لفكره النقدى؛ إذ حافظ على فكره الحر، وجاهر به مناهضا النهج الستالينى وانحراف ديكتاتورية البروليتاريا إلى ديكتاتورية الحزب الواحد قبل أن يصار إلى طرده، وهو ما وثقه لاحقا فى كتابه الشهير «النقد الذاتى (1959) Autocritique »، مستكملا ثورته، حتى لحظة وفاته، على مختلف أشكال الاستبداد والدوغمائية والتعصب انطلاقا من فكره «المركب» الذى خصص له كتابه الشهير «مدخل إلى الفكر المركب (1990) Introduction à la pensée complexe ». هذا الفكر الذى شكل عماد مشروعه الفكرى الموسوعى الفذ «المنهج La Méthode 1977 - 2004"، الرافض للتفكير التبسيطى والاختزالى، أو للرؤى أحادية الجانب، الطامح إلى معرفة غير منقطعة عن الحياة الاجتماعية، لا ترسم حدودا صارمة ونهائية بين التاريخى والميتافيزيقى، بين الفرد والمجتمع، بين العلم والدين، بين الخطأ والصواب.. إيمانا منه بالثنائيات المكونة للتجربة الإنسانية. وعن الخطأ والصواب ذكر أنه كوريث لهيجل وماركس طالما ساوره اعتقاد بأنه يتوجب عليه مواجهة التناقضات وتجاوزها، إلى أن ساعده هيراقليطس على إدراك أنه ليس من الضرورى تجاوز التناقض للخروج منه، بل بإمكاننا أن نعيش التوترات المتواصلة من دون أن نكون فى الخطأ أو فى الصواب.
بفكره المركب هذا قارب إدجار موران ظواهر العصر كلها بموسوعية فذة، لأن تفكيك هذه الظواهر وقراءتها لا يستقيمان برأيه من دون تمازج المعارف وتكامل الحقول المعرفية؛ بذلك، أخرج أطروحته الفلسفية حول «الفكر المركب» من إطارها النظرى المجرد إلى أداة عملية لتشريح أزمات العصر (السياسية، الاقتصادية، البيئية، النفسية) غير المعزولة عن بعضها البعض، بعيدا عن التبسيط والسببية الخطية؛ وبين أن العالم لا يواجه أزمة واحدة، بل «أزمة مركبة» نابعة من مجموعة من الأزمات المتشابكة التى تتغذى من بعضها بعضا، رابطا بين المحلى والكونى، أى «الكل فى الجزء، والجزء فى الكل» فى عالم بات فيه مصير الفرد فى أى بقعة من العالم مرتبطا بما يجرى على مستوى الكوكب وبمصير الإنسانية جمعاء.
الفكر المركب يواصل قراءاته
بفكره المركب أيضا، قرأ إدجار موران العالم الجديد، خصوصا فى كتابه «إلى أين يسير العالم؟ Où va le monde? (2007)»، وبه أيضا قارب جائحة كوفيد-19، وذلك فى كتابه Changeons de voie 2020) الصادر فى خضم تلك الأزمة والذى ألحقه بعنوان فرعى هو: «دروس من فيروس كورونا». قارب الجائحة فلسفيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، متسائلا مثلا «هل سنتمكن من تنظيم الاقتصاد العالمى، والحد من قوة الرأسمالية المفرطة، وإصلاح الأنظمة المصرفية، والسيطرة على المضاربة فى الأسهم، ومنع التهرب الضريبى؟ هل سنجد مبادئ اقتصاد يقوم على صفقة جديدة من الانتعاش البيئى والإصلاح الاجتماعى من شأنها أن تفضى إلى تراجع الرأسمالية المفرطة والحد من عدم المساواة؟».
فكره المركب هذا دعمته ثقافته الموسوعية التى خولته الخوض فى مختلف النواحى الحياتية والاجتماعية بتميز. فالدروس التى استخلصها من قراءته لوضعية جائحة كوفيد-19 جعلته يدق ناقوس الخطر إن لم يلجم جماح العولمة الاقتصادية والتقنية التى ولدت فى رأيه الكثير من الترابطات بين الدول والشعوب، لكن من دون أن تولد ترابطا بينها. قراءته الجزء انطلاقا من الكل (المجتمعى المحلى أو الإقليمى أو العالمى) والعكس صحيح، قادته على الدوام إلى تبيان المسار المقلق للنظام العالمى الجديد وتداعياته منذ أواخر الألفية الثانية على وجه التحديد، ولاسيما حين يبتعد العلم والتقدم العلمى أو يفترقان عن الأخلاق والإنسانية؛ وهو ما كان قد نبه إليه منذ بداية ثمانينيات القرن الماضى فى كتابه «العلم بالوعى (1982) Science avec conscience، (الذى أضاف إليه فصولا جديدة فى الطبعة الثانية 1990).
كتابه «المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل Les Sept savoirs nécessaires à l'éducation du futur (1999)» أيضا، بدا كثورة فلسفية وفكرية واجتماعية فى النظرة إلى التعليم بدلا من أن يقتصر على ميدان التربية والتعليم فقط؛ إذ تمثلت إحدى أبرز هذه المعارف السبع فى «تعليم الوضع الإنسانى Enseigner la condition humaine»، أى تدريس معنى أن نكون بشرا قبل أى شىء آخر، وهو الأمر الذى لا يستوى مع النزوع الراديكالى نحو تجزىء المعارف (Le morcellement des savoirs)، والتخصصات المفرطة فى الدقة (L'hyperspécialisation)، والفكر التجزيئى (La pensée disjonctive)؛ كما لا يستوى مع أزمات كوكبنا وما يشهده من تلوث مناخى وبيئي، لأن المطلوب هو تعليم التضامن البشرى بما يتجاوز حدود الدول (أى نحو المواطنة الكوكبية La citoyenneté planétaire)، وما تحتاج إليه من وعى كوكبى (Conscience planétaire). لذا اعتبر إدجار موران، إلى جانب فلاسفة آخرين مثل إيفان إليتش، وهانس جوناس وسواهم من الداعمين والمؤثرين فى مجال الأخلاقيات البيئية الحديثة.
لا غرابة إذا إن بكى الملقب بـ «ضمير الإنسانية» و«ضمير العالم الحى» على ما كان يجرى فى غزة، واصفا إياه بالـ «المأساة المروعة» وبــ «مجزرة تشهدها الإنسانية». فقد عرت دموعه بشاعة ما يحصل، ولم تكن البتة ضعفا أو استسلاما. كيف تكون كذلك وهو الرجل الذى بذل، على مدى قرن، كل جهوده الفكرية وطاقاته للذود عن كينونة الإنسان.. من دون ملل أو كلل، وحتى الرمق الأخير.
البكاء مع إدجار موران يعنى مواجهة عالم قاس يفترق العلم والتكنولوجيا فيه أكثر فأكثر عن دورهما ومآلاتهما الاجتماعية والسياسية؛ عالم يتجه نحو ذاك الـ «مجهول» الذى دأب على التنبيه من خطورته على البشرية جمعاء.
بكى «ضمير الإنسانية» واقعا يرفضه العقل والضمير. بكى انحرافا عن قيم العدالة والمواطنة العالمية الحقة وعن قيم الثورة الفرنسية (حرية، أخوة، مساواة). بكى صمت العالم، ولاسيما الغربى، حيال ذبح الفلسطينيين وإبادتهم. لكن بكاءه هذا الذى اختلط بصراخ إدانته للكراهية والتعصب وقوى التدمير، إنما جاء تتويجا لإيمانه العميق بالإمكانات الخلاقة التى تولد من رحم الأزمات.
إنه إدجار موران الذى ناقض، ذات حوار فى جريدة «لوموند» Le Monde الفرنسية (10/01/2010)، مقولة المفكر السياسى الأمريكى فرنسيس فوكويامافى أن القدرات الخلاقة للتطور البشرى قد استنفدت مع الديمقراطية التمثيلية والاقتصاد الليبرالى، معلقا بالقول إن «التاريخ هو الذى استنفد وليس القدرات الخلاقة للإنسانية».
إنه إدجار موران الفيلسوف وعالم الاجتماع الذى لم ينحرف عن مبادئه الكونية ذات النزعة الإنسانية؛ فهو حين ناصر غزة لم ينظر إلى الضحية بناء على انتمائها العرقى أو الدينى أو الجهوى، بل ناصر شعبا مظلوما سلبته دولة إسرائيل أرضه وصادرت حياته، متجاوزا بذلك ازدواجية المعايير والمنطق التبريرى لجرائم هذه الدولة اللذين انزلق فى شراكهما فلاسفة آخرون، فتداعت لديهم الكونية الأخلاقية، أمثال يورجن هابرماس، ولوك فيرى، وميشال أونفراى، وراينر فورست وسواهم؛ هؤلاء الذين كشفت «إنسانويتهم» عن امتياز حصرى للغرب وعن انحياز تاريخى للمركزية الغربية ومنطق القوة.
إنه إدجار موران الذى أبى إلا أن يكون «ضمير الإنسانية»، انسجاما مع إيمانه الراسخ بالقدرات والطاقات القمينة بإعادة تصويب التاريخ والعمل على «أنسنة» تحولاته.


رفيف رضا صيداوى
مؤسسة الفكر العربي
النص الأصلي:
https://bitly.cx/mlMgQ

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved