نصوص تكتشف الحياة

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: السبت 18 يوليه 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

تمنحنا هذه النصوص، التى كتبتها نهى محمود بعنوان «أيام الغضب والحب»، والصادرة عن دار المحرر، طاقة هائلة من المشاعر الإنسانية العذبة، بقدر ما تعطينا بهجة التفكير والتأمل، وتطرح كذلك بعض الفروض الجمالية حول طريقة التعبير، وبراعة الشكل والقالب اللذين تم اختيارهما للكتابة.
لم تطلق نهى، وهى قاصة وروائية مميزة، على ما كتبته مصطلح «قصص»، مع أن كثيرًا من النصوص تندرج بامتياز تحت لافتة «القصة الحالة»، التى تصف المشاعر والأحوال، وتستبطن أمزجة الروح، بالذات فى أوقات الحيرة والبحث عن شاطئ. والرهافة التى كتبت بها تلك الحالات المتقلّبة تجعلها نماذج ممتازة لتلك القصص الصعبة، التى تنتهى فقط عندما ينتهى الوصف، ويتركز هدفها فى الأثر والمعنى، وليس فى الأحداث ولحظات التنوير.
كان الاختيار الجمالى منذ البداية هو مصطلح «النصوص» الحر، والمناسب تمامًا لذات تريد أن تعود إلى الكتابة، وتتحرر من خلالها. وبينما تلجأ كاتبات القصة والرواية إلى أقنعة بديلة، وإلى أسماء وشخصيات أخرى، فإن مصطلح «النصوص» منح نهى رخصة أن تحكى عن نفسها باسمها، وأن تظهر معها فى نصوص كثيرة ابنتها «يسر» باسمها الحقيقى، بل إن النصوص تنقل أسماء أمكنة حقيقية كثيرة، فتسقط تلك المسافة بين الكاتبة ونصوصها.
ورغم ذلك، لن نفتقد أبدًا فنية السرد، سواء من حيث لغة شعرية مجازية تلامس حدود الخيال فى أحيانٍ كثيرة، أو عبر بناء قصصى متماسك يعيد تشكيل واقع الساردة، التى تستخدم دومًا ضمير المتكلم بصورة متكررة؛ أى إن تلك النصوص تضرب عصفورين بحجرٍ واحد: تحقق للكاتبة فضفضة مباشرة وحرة للتعافى بالكتابة، ولا تتخلى فى الوقت نفسه عن جماليات السرد الشاعرى والقصصى وفنياته، ويتم هذا المزيج بصورة سلسة ورفيعة ومؤثرة أيضًا.
والمدهش أيضًا أن هذا الاختيار الجمالى، وأظنه حدث بعفوية، وبدافع طاقة هائلة للعودة إلى الكتابة، أفرز لوحات ونصوصًا ممتازة مستقلة، وحقق أيضًا تكاملًا استثنائيًا بين اللوحات؛ بمعنى أن هذه الذات المنطلقة، وتلك الحالات التى عاشتها، وهذا العالم الداخلى والخارجى، كل ذلك جعلنا أمام حكاية واحدة متعددة الفصول، وليست مجرد لوحات منفصلة لا رابط بينها.
الكتاب قرأته فى جلسةٍ واحدة، ومنذ السطور الأولى أُخذتُ بتلك البساطة العميقة، وبهذه التفاصيل النابضة بالحياة، وعشت تقلبات المزاج والواقع والخيال، ولكن ما إن انتهيت من الكتاب حتى بدت أمامى معالم شخصية روائية واضحة، تتأمل حياتها وماضيها وحاضرها، وتحاول أن تستجمع ذاتها المعلّقة بين الوحدة والونس، وأن تتعافى بالكتابة، وأن تتأمل خيارات التجمد والطيران.
لا أظن أن النصوص كُتبت منذ البداية لكى تحقق هذا التأثير المتكامل، ولكن قوة وصدق العاطفة، وتحويل بذور الذاكرة إلى أشجار ممتدة الفروع، واتساع الرؤية رغم محدودية عالم الساردة، هذه العناصر هى التى منحت الكتاب تكامله وتأثيره الواضح.
هى - إذن - كتابة ذاتية بالمعنى المباشر، «نهى» تكتب عن «نهى»، وعن ابنتها، وعن والدها، وعن أزماتها ومشاعرها وأحلامها، وتكتب عن عناصر متكررة مثل الألعاب التى تحبها، والأفلام التى تأثرت بها، وعن تفاصيل اليومى والعادى جدًا، ولكن كل ذلك يأخذنا إلى كتابة ذاتية بالمعنى الفنى غير المباشر؛ لأن الشخصية الواقعية قد صنعت من حياتها فنّا وحالة أجادت التعبير عنها، فصارت نموذجًا قصصيًا مأخوذًا مباشرة من الواقع، نراه من الداخل والخارج، وعبر تقنيات فنية تأخذ بالضبط ما تحتاجه من مادة الحياة الاجتماعية والنفسية، دون زيادة أو نقصان.
أما الصراع فى الكتاب فيمتد تلقائيًا فى كل نص، وعبر النصوص كلها، ومصدر هذا الصراع تأرجح الكاتبة بين مشاعر متناقضة، تشدها حينًا إلى الحزن والوحدة والاغتراب، وتأخذها أحيانًا إلى الحلم وبهجة الطعام والأمومة والفن، وبالذات عالم الأفلام الساحر؛ أى إننا أمام محاولة لاسترداد طاقة الحياة الكاملة، ولتحويل أيام الغضب إلى حالات حب متجددة.
لم يكن ذلك ممكنًا إلا عبر الوصف واللغة الشاعرية، فليس صحيحًا أن كل نص قصصى يتطلب شاعرية ومجازات لا تنتهى؛ لأن الأمر يرتبط بما تحتاج إليه ككاتب، بل إنك أحيانًا تحتاج إلى الوصف الواقعى المباشر، وهو ما نراه أيضًا فى كثيرٍ من النصوص، ولكن الشاعرية فى «أيام الغضب والحب» تختار مكانها بدقة، وتبرز ألوانًا مختلفة للتعبير الذاتى، مختلفة عن ألوان الواقع وتفاصيله.
وليس ثمة تناقض بين التعبيرين، وإنما هما عالمان تتحرك فيهما بطلة الحكايات، ومثلما تجد فى الألعاب والآيس كريم وجلسات مشاهدة الأفلام بهجة حياتية، فإنها أيضًا تعود إلى عالم الأحلام، وإلى ذاكرة الطفولة، لتجد بعض ما يستحق الحياة.
يمكن النظر إلى النصوص كلها باعتبارها محاولة لاكتشاف الذات والحياة، بعد أن أنضجت التجربة كاتبتها، وبعد أن تأكدت أنها لا تريد أن تتحول إلى ديناصور ينفث غضبه، ويدمر العالم، ولكنها تريد أن تواصل صنع الحياة، واكتشافها، سواء عبر المباهج الصغيرة، أو عبر نار التجربة وآلامها.
لدى أمثلة كثيرة للكتابة المرهفة، التى تترجم ما ذكرته لك عن دقة التعبير الشاعرى المناسب. تكتب نهى مثلًا: «كثيرًا ما أشعر أن روحى تقف على أطراف أصابعها تنتظر لحظة مناسبة لتفرّ من الواقع، ألمحها تقف متململة بينما أعد الطعام وأنظف المطبخ والصحون التى لا تنتهى».
وتكتب أيضًا: «يتآكل قلبى من الحنين والحزن والفوضى، لكننى سأعرف أننى سأنجو هذه المرة أيضًا».
وتكتب: «تتأبط أمومتى يدى، وتنقذنى من الضعف والتداعى، بينما تمسك الكتابة يدى الأخرى، تغلق عليها جيدًا، وتحرص ألا تفلتنى وتمضى».
حتى «الوحدة» تتذوقها الكاتبة، فتقول: «الوحدة الجميلة، أن أسأل نفسى هذا الصباح، عما أنوى طهيه للغداء. تفضّل الوحدة فى معظم الوقت، سلطة التونة مع خبز توست أسمر».
«الوحدة فى الليل، تعنى أن أصبح أكثر حساسية لأصوات المحبين والمعذبين، وغمزات النجوم وألعاب القمر».
لم تنشغل نهى محمود بالشكل، وإنما بالتعبير الذى وجد شكله ببساطة وصدق وعمق، فكانت هذه النصوص الرائقة والممتعة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved