ترامب يهبط بإعلام أمريكا للعالم الثالث!!
عماد الدين حسين
آخر تحديث:
السبت 18 يوليه 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
العديد من الصحف والصحفيين ووسائل الإعلام فى العديد من بلدان العالم حلموا كثيرا قبل سنوات بأن يصلوا إلى ما وصلت إليه وسائل الإعلام الأمريكية من حريات، لكنهم الآن يستيقظون على كابوس كبير، وهو أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يحاول بكل السبل الهبوط بإعلام وصحافة وحريات بلاده إلى العالم الثالث والرابع والخامس والمتخلف!!
لم يكن أحد يتخيل أن يتجرأ الرئيس الأمريكى ويتجبر ويمارس الضرب المنهجى غير المسبوق للحريات الصحفية والإعلامية، ترامب يفعل ذلك بشكل متكرر بما ينزع أهم أعمدة التفوق الأمريكى وهو حرية التعبير. خلال اليومين الماضيين كان هناك حدثان بارزان يتعلقان بالمطاردة الشريرة للرئيس الأمريكى لإعلام بلاده ومحاولة إسكاته بطرق شتى.
الحدث الأول هو مطالبة ترامب بسحب تراخيص البث من بعض الشبكات التليفزيونية التى رفضت بث خطابه يوم الخميس الماضى فى البيت الأبيض.
ترامب اتهم الصين بالتورط فى محاولات التأثير فى العملية الانتخابية، خصوصا التى لم يفز فيها ضد الرئيس السابق جو بايدن فى الفترة من ٢٠١٨ إلى ٢٠٢٠، ترامب وجه اتهامات لبعض المحطات ومنها «إيه بى سى» و«إن بى سى» بممارسات احتيالية، والتورط فى التهم السابقة تستوجب سحب التراخيص وأنها تستفيد من استخدام موجات الأثير العامة دون أن تدفع أى مقابل.
الحدث الثانى: هو إصدار وزارة العدل الأمريكية مذكرة استدعاء لخمسة صحفيين فى صحيفة «النيويورك تايمز» لأنهم نشروا تحقيقا يقول إن الطائرة الرئاسية التى أهدتها قطر إلى ترامب تفتقر إلى الأنظمة الدفاعية المتطورة، خصوصا منظومة الدفاع الصاروخى القياسية والتحصينات المضادة للصواريخ الحرارية.
وتستهدف إدارة ترامب من مذكرة الاستدعاء إجبار الصحيفة والصحفيين على الكشف عن مصادرهم لملاحقة المسئولين عن هذا التسريب المصنف «أمنى وحساس».
فيما يتعلق بالحدث الأول فإن ترامب لا يملك قانونا معاقبة أى مؤسسة صحفية بسبب سياستها التحريرية لأنها ببساطة تصطدم بحرية التعبير والصحافة الموجودة فى التعديل الأول للدستور الأمريكى الذى يوفر ضمانات كبيرة جدا لوسائل الإعلام فيما يتعلق بحرية التعبير، كما أن القانون لا يلزم شبكات التلفزة ببث خطابات الرئيس فى أوقات الذروة، فالشبكات المحافظة المؤيدة لترامب لم تكن تبث بعض خطابات بايدن.
كما أن صلاحيات رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية محدودة فى إلغاء تراخيص شبكات البث بشكل منفرد لوجود قيود قانونية كثيرة تمنع ذلك.
وفيما يتعلق بالحدث الثانى فإن صحيفة النيويورك تايمز قررت اللجوء إلى القضاء وتقدمت بالتماس إلى المحكمة لإلغاء أوامر استدعاء صحفييها باعتبار أنها صدرت بسوء نية لمعاقبة الصحيفة على تغطيتها.
كما أنها تنتهك الحقوق الدستورية للصحيفة والصحفيين، وأكدت أنها مستمرة فى تغطية أخبار الرئاسة بحرية وتقدم قصصا تهم الرأى العام.
وكان لافتا للنظر قول المستشار القانونى للصحفية ديفيد مكرو أن الاستدعاء «عمل وقح يهدد حرية الصحافة وحق الجمهور فى المعرفة».
هذان هما الحدثان المهمان إعلاميا الآن فى الولايات المتحدة، بل وفى العالم أجمع، باعتبار أن غالبية إعلاميى العالم كانوا يحسدون أمريكا وصحفييها على الحريات التى يتمتعون بها، وفجأة ومنذ مجىء ترامب، فقد بدأت الحريات تتراجع حتى وصلنا إلى درجة أن الرئيس يطلب سحب تراخيص البث من الشبكات ويطارد الصحفيين بصورة ممنهجة بفاحش القول أحيانا، ولا يفوّت فرصة إلا ويهاجم فيها كل وسائل الإعلام التى تعارضه.
لكن الجديد أنه بدأ فى اتخاذ إجراءات سياسية وإدارية وقضائية ضد الإعلام، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة على مستقبل الإعلام فى أمريكا والعالم.
لماذا العالم؟ ببساطة لأن كل الأنظمة والحكومات التى تحارب حريات الإعلام فى بلدانها ستقول لمعارضيها: «انظروا هذا ما يحدث فى أكثر البلدان تمتعا بالحريات. احمدوا ربكم أننا نترككم تتكلمون!!».
من المهم القول إن الحريات فى أمريكا ليست مثالية لكن من حسن الحظ أن المؤسسات فى الولايات المتحدة ما تزال قوية، فالدستور يكفل حرية التعبير، والقضاء ما يزال يتمتع بالاستقلال، والدليل أنه ألغى معظم قرارات وإجراءات ترامب العجيبة والغريبة من أول طرد المعارضين وصولا إلى الرسوم الجمركية المرتفعة. لكن الخطر أن ترامب ليس فردا، بل هو تيار واسع يحاول تغيير عقلية كثير من الأمريكيين بحيث يمكّنه مثلا من تعديل الدستور. هو أمر صعب جدا بطبيعة الحال، لكن ما فعله ترامب منذ عودته فى ولايته الثانية يجعل الجميع يضع يده على قلبه. ليس فقط على حريات الصحافة، بل على استخدام الأسلحة النووية ضد أى دولة أو منطقة تتصدى لشطحاته وأفكاره وسياساته.