الثقة الاجتماعية فى خطر
سامح فوزي
آخر تحديث:
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
زادت فى الأسابيع الأخيرة وتيرة التحذير من العلاقات الاجتماعية، المتداخلة، والتى لا تقف عند حدود احترام خصوصيات أعضائها، وقد لفت انتباهى أن عددًا من الفيديوهات القصيرة ظهرت على الفضاء الرقمى تحذر من غياب المسافات فى العلاقات الإنسانية، وبعضها بالغ فى حديثه إلى حد غياب التفرقة بين القريب والبعيد، الصديق والغريب. قد يمثل ذلك انعكاسًا مباشرة لحدوث جرائم فى المجتمع، كان أطرافها أصدقاء أو أقارب أو جيران أو شخصيات صنع الضحايا معها إحسانًا ومعروفًا، مما أشاع أجواء من الخوف وعدم الثقة. ذكرنى ذلك بمقولة شوبنهاور «لا تقل لصديقك ما لا يجب أن تقوله لعدوك». بالتأكيد العدو المكشوف أفضل من الصديق المزيف أو العدو المستتر، المتدثر برداء الصداقة الزائفة، ومعظم الشخصيات «السامة» فى الحياة يقتربون من ضحاياهم باللطف المصطنع، وحلو الكلام، قبل أن ينفثوا سمومهم، وتكون الصدمة فى العلاقة معهم مضاعفة.
الحذر مطلوب، وحفظ المسافات فى العلاقات الاجتماعية ضرورة، لأن الإنسان قد لا يدرك نفسية من يتعامل معهم، ولا يستطيع التفرقة بين الصديق الحقيقى والعدو المستتر، وتتبدل الأحوال، ويجد نفسه فى مواجهة شخص معاد له عرف عنه الكثير من الخصوصيات والأسرار بحكم قربه منه. قد يكون ذلك على المستوى الشخصى، ولكن ما يلفت انتباهى، ويبعث على القلق، هو الهبوط المتزايد لمعدلات الثقة العامة، بينما كان يشار إلى المجتمع المصرى بوصفه من المجتمعات التى يرتبط فيها الناس فى أعمالهم التجارية بوعد الكلمة، أى بدون معاملات ورقية كثيفة، وهو ما أشار إليه عالم الاجتماع جيمس كولمن حين تناول تجربة حى خان الخليلى قبل أكثر من خمسة عقود، الذى يرتبط فيها الناس بوعد الكلمة فى معاملاتهم التجارية، ولا أحد يدعى شيئًا خلاف الحقيقة أو يسعى لتحقيق مكاسب لا يستحقها بالتحايل والغش. هذا المجتمع الذى ارتبط يوما بثقافة الشهامة، تحيط به دعوات السلبية، والخوف من العلاقات الإنسانية، والحذر فى شئون الحياة. حدثنى سائق منذ وقت قريب أنه لم يعد يقف بسيارته فى الطريق لمساعدة أى شخص، سواء كانت سيارته متعطلة أو فى حاجة إلى من يصطحبه فى السيارة إلى مكان قريب، لأنه يخشى من عواقب الأمور، نفس الأمر نسمعه فى أجواء العديد من الأسر لأولادها وبناتها، يرافق ذلك تراجع الأشكال التضامنية فى الحياة بدعوى الخوف من أن تجلب على المرء متاعب فى غنى عنها، ولعل فى الحادثة الأخيرة التى واجهها الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد المعروف، والوزير السابق، من قيام إحدى العاملات فى منزله بسرقة قلادة النيل، وبيعها لشخص، قام بتسييحها، وحولها لذهب يُعاد تشكيله، وعادة تتجه أنظار الشرطة أولا فى حالات السرقة إلى الأشخاص القريبين، سواء كان حارس العقار، أو العاملين فى المنزل، أو المترددين عليه، أو الأصدقاء، مما يعنى أن دوائر العلاقات التى من المفترض أن يكون فيها تضامن وتعاضد، هى ذاتها التى تتجه إليها الشبهات فى حالة حدوث جرائم.
يمثل انخفاض معدلات الثقة فى المجتمع إحدى الإشكاليات الكبرى التى تواجه المجتمع، والتى قد تزداد فى الفترة المقبلة، مع ظواهر أخرى مثل العنف، سواء المادى أو اللفظى، خاصة العنف الأسرى، وهذا يتطلب دراسات جادة من الباحثين فى مجال العلوم الاجتماعية، بعيدا عن التوهمات النظرية، لأن المجتمع يتحول بوتيرة أسرع من متابعة، وتقصى، وتحليل الدراسات الاجتماعية له، مما يجعل هناك فجوة بين الدراسة والواقع، ولعل ذلك هو من دفع إلى التشكيك فى جدوى العلوم الاجتماعية، وهو تشكيك نابع عن نقص الإفادة بتلك العلوم، وليس من ضعف فائدتها فى المجتمع.