علل: لماذا رفض محمد على حفر قناة السويس؟

خالد أبو بكر
خالد أبو بكر

آخر تحديث: الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

سؤال متكرر صادفناه فى امتحانات التاريخ، بداية من الابتدائية وحتى الثانوية العامة: «علل: لماذا رفض محمد على حفر قناة السويس؟». كانت الإجابة طويلة، وفيها تفاصيل كثيرة، لكن ما علق فى ذهنى منذ سنوات الدراسة البعيدة ارتبط بالحكمة الاستراتيجية التى أتاها الله لمحمد على؛ فقد أدرك الرجل أن شق قناة تربط البحرين المتوسط والأحمر سيجعل مصر أكثر أهمية على الطريق بين أوروبا والهند وآسيا، وأن هذه الأهمية نفسها ستجذب إليها التنافس البريطانى والفرنسى والأطماع الأجنبية.

كان محمد على يخشى أيضًا أن تقع القناة فى قبضة شركة أجنبية، وأن يتحول الامتياز الاقتصادى بمرور الوقت إلى نفوذ سياسى، ثم إلى تدخل فى شئون مصر. ولعل عبارته الشهيرة: «لا أريد بوسفورًا جديدًا فى مصر» تختصر مخاوفه؛ فقد رأى كيف جعل البوسفور الدولة العثمانية موضع تنافس القوى الأوروبية، وخشى أن تجلب قناة السويس لمصر تدخلًا غربيًا مماثلًا.

• • •

تذكرت سؤال التاريخ القديم وأنا أتابع ما يجرى الآن فى مضيق هرمز؛ فالحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران اندلعت تحت عنوان البرنامج النووى الإيرانى، والاتهامات الغربية لطهران بالسعى إلى امتلاك سلاح نووى.. هذا ما يقوله ترامب أيضا حتى اليوم، ويكرره كلما سئل عن سبب استمرار الحرب، غير أن هرمز أخذ الحرب إلى مكان آخر؛ فالصراع أصبح يمس واحدًا من أعصاب التجارة الدولية، بعد أن تحولت السيطرة على المضيق وقواعد مرور السفن فيه إلى قضية قائمة بذاتها.

قبل الحرب، كان نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعى المسال فى العالم تمر عبر هرمز، بحسب «رويترز». أما الآن، فقد أصبحت حركة السفن قريبة من الشلل؛ ووفقًا لبيانات تتبع السفن التى أوردتها «سى إن بى سى»، عبرت ثلاث سفن فقط المضيق يوم الأحد الماضى. ارتفع خام برنت فوق 90 دولارًا للبرميل، وأصبح مصير هذا الشريط البحرى الضيق جزءًا من حسابات التضخم والوقود والمصانع والناخبين، على بعد آلاف الكيلومترات من الخليج.

• • •

الأخطر أن إيران تسعى إلى تثبيت وضع جديد للمضيق بعد الحرب؛ المفاوضات الجارية بينها وبين سلطنة عمان تبحث ترتيبات الملاحة ومسارات عبور السفن، وسط حديث عن قواعد جديدة وحقوق ورسوم مرتبطة بالمرور.. فالاتفاق الإطارى الذى تفاوضت عليه واشنطن وطهران كان قد ترك لعمان وإيران مهمة البحث عن صيغة للملاحة، بالتشاور مع الدول المطلة ومراعاة القانون الدولى، لكن الاتفاق النهائى لم يولد حتى الآن.

هنا أفهم سر غضب واشنطن، بعد أن هدد ترامب عمان، الدولة التى اشتهرت طوال عقود بوساطتها الهادئة بين الخصوم، بالقصف إذا «عرقلت» التحركات الأمريكية فى هرمز.. لكن فجاجة العبارة تكشف مقدار القلق الأمريكى؛ فالمسألة لم تعد سفينة تعبر أو ناقلة تنتظر، وإنما القواعد التى سيعمل بها واحد من أهم الممرات البحرية فى العالم.

إذا استطاعت إيران فرض واقع يمنحها قدرة دائمة على تحديد من يمر فى هرمز، وتحت أى شروط، ولقاء أى مقابل، فسنكون أمام سابقة تتجاوز نتائج الحرب الحالية.. مؤداها أن دولة إقليمية استخدمت موقعها وقوتها العسكرية لتغيير قواعد مستقرة فى شريان دولى تمر عبره خمس إمدادات الطاقة العالمية تقريبًا.

• • •

أظن أن الولايات المتحدة وأوروبا لن تقبلا بذلك، مهما كانت خلافاتهما مع ترامب، ومهما بلغت كلفة فتح جولة عسكرية جديدة؛ يعزز فرضيتى هذه أنه فى الجهة الأخرى من شبه الجزيرة العربية، يطل النفوذ الإيرانى عبر الحوثيين على ممر لا يقل حساسية هو باب المندب، وبعد إعلان الحوثيين حصارا بحريا على السعودية فى يوليو، تراجعت حركة سفن السلع العابرة لهذا المضيق.

ضع هرمز وباب المندب على الخريطة، وانظر إلى المسافة بينهما، وستفهم لماذا تتجاوز المسألة كثيرا حدود المواجهة الأمريكية – الإيرانية؛ لهذا أخشى أن يكون ما بعد انتخابات التجديد النصفى الأمريكية أكثر خطورة مما قبلها.. فمهلة الستين يوما التى نص عليها تفاهم يونيو للوصول إلى اتفاق نهائى انتهت، وترامب رفض تمديدها، وطهران من جهتها، هددت بالانتقال إلى الهجوم وكسر الحصار البحرى الأمريكى عسكريًا إذا فشلت الدبلوماسية. 

بعد كل هذه السنوات، عدت إلى سؤال الامتحان القديم وفهمته بطريقة مختلفة.. محمد على لم يكن يخشى حفر القناة.. كان يخاف مما سيأتى وراء السفن عندما تبدأ فى العبور؛ الأساطيل، والمصالح، والقوى الكبرى التى لا تترك شرايين تجارتها تحت رحمة أحد. ويبدو أن الإيرانيين يختبرون اليوم الحكمة القديمة نفسها فى هرمز.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved