‏اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:50 م بتوقيت القاهرة

 

‏وقعت السعودية وباكستان وتركيا فى ٧ أغسطس ٢٠٢٦، اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك بينهم. وكانت مفاجأة للرأى العام حيث لم تسبق الإشارة بأن مفاوضات تجرى بين الدول الثلاث لعقد تحالف عسكرى، وأن ما كان معروفًا هو الرباعية التنسيقية السياسية والمكونة من مصر وباكستان والسعودية وتركيا والتى أكد وزيرا خارجية مصر والسعودية أنها ما تزال مستمرة بعد الاتفاقية الثلاثية التى لم تشمل مصر وهو الأمر الذى أثار جدلًا حوله ما يزال قائمًا. وجدل أوسع حول الاتفاقية وأهدافها.

وقد صدر بيان مشترك من الدول الثلاث عقب توقيع الاتفاقية لتوضيح أن أهدافها تتمثل فى التزام الدول الثلاث بتعزيز الأمن الجماعى، ورفع مستوى الردع المشترك فى مواجهة أى عمل عدوانى، وأن الاتفاقية تنطلق من الروابط التاريخية الراسخة بين الدول الثلاث وبناء على روابط الأخوة والتضامن الإسلامى التى تجمعها، والمصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعى الوثيق بينهم، والحرص على تعزيز الأمن المشترك والمساهمة فى تحقيق الأمن والسلام والاستقرار الإقليمى والدولى بما يخدم مستقبلًا أكثر أمنًا. وتطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعى بين الدول الثلاث وتعزيز القدرات المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية. وأن أى عدوان على أى من الدول الثلاث يعد عدوانًا عليها جميعًا، وهذا يشبه المادة الخامسة فى اتفاقية حلف شمال الأطلنطى (الناتو).

• • •

بالنظر إلى كل دولة من الدول الثلاث الموقعة على الاتفاقية، فإن السعودية، وهى المبادرة بالدعوة لعقد الاتفاقية، تعد قوة ذات ثقل كبير فى مجال الطاقة سواء البترول أو الغاز، وفائض رءوس الأموال والاستثمارات فى الداخل والخارج وقوة شرائية تتيح لها شراء أحدث أنواع الأسلحة. بينما لا يتجاوز عدد سكانها نحو ٣٦ مليون نسمة، ولها علاقات وثيقة مع باكستان منذ استقلال الأخيرة، وعلاقات تعاون مع تركيا. والسعودية أكبر دول مجلس التعاون الخليجى، وما تزال تعتمد فى معظم تسليحها وضمان أمنها، حتى الآن، على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وإن كانت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران أحدثت تراجعًا ملحوظًا فى ثقة السعودية ودول الخليج العربية الأخرى فى ضمان التأمين الأمريكى لها لما أصابها من هذه الحرب من أضرار كبيرة عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، وفتح المجال لحوار حول ضمانات أخرى موازية. 

‏قال وزير الدفاع السعودى الأمير خالد بن سلمان: إن الاتفاقية ترسخ إطارًا لشراكة دفاعية طويلة المدى، وتعزيز الردع والتنسيق والتكامل بين الدول الثلاث الشقيقة، وتسهم فى دعم أمن واستقرار المنطقة والعالم. وقال وزير الخارجية السعودى إن الاتفاقية تتويج لرغبة مشتركة لتوحيد الجهود فى مواجهة التحديات وتأمين المستقبل وتعزيز فرص التنمية والازدهار. وقال وكيل وزارة الخارجية السعودية إن الاتفاقية تتويج لسنوات من المفاوضات، وأنها لا تمثل أى توجه لبناء محور عسكرى أو تكتل طائفى/ مذهبى، وهى ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، ولا تأتى على حساب علاقات السعودية الاستراتيجية القوية خليجيًا وعربيًا ودوليًا، وليست تهديدًا لأمن أى دولة فى المنطقة، ولا تصعيدًا فى التوتر بين أى دولتين، أو تحل محل أى اتفاقات ثنائية، أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات. 

والواضح أن تصريح وكيل الخارجية السعودية يكاد يرد على كل التساؤلات، خاصة ما قد يقال عن احتمال تعاون فى مجال الطاقة النووية للأغراض السلمية مع باكستان على ضوء شروط الرئيس ترامب للتعاون مع السعودية فى هذا المجال وربطه بالتطبيع مع إسرائيل. أو ما قد يثار حول بدائل أمنية موازية للتأمين الأمريكى للسعودية، أو ما يقال من أن الاتفاق موجه ضد إيران أو إسرائيل، وتظهر هذه التصريحات أن اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية، وفقا لذلك، هى تحالف مثالى من أجل التحالف لحماية أمن واستقرار الدول الثلاث.

• • •

‏أما باكستان، فقد سبق أن وقعت فى ١٧ سبتمبر ٢٠٢٥ اتفاقية الدفاع الاستراتيجى المشترك بينها والسعودية. كما أنها دولة قوية عسكريًا تقليديًا ونوويًا، وتربطها بالسعودية علاقات تعاون وثيقة، كما أن لباكستان علاقات قوية ومتشعبة مع إيران منحتها ثقة القيام بدور الوساطة مع مصر وتركيا، بين الطرفين المتحاربين الأمريكى والإيرانى. ويبلغ عدد سكان باكستان نحو ٢٤٥ مليون نسمة، وسمة التوتر هى الغالبة على العلاقات الهندية الباكستانية، وهو ما يثير تساؤلا فى حال نشوب حرب بينهما هل يمكن أن تنضم السعودية وتركيا لباكستان، أم أن هذا افتراض غير قائم. وهل من الممكن أن تنضم باكستان مع السعودية وتركيا فى حرب ضد إيران.

‏وقال رئيس وزراء باكستان إن الاتفاق يمثل محطة مفصلية فى مسار التعاون بين دول ثلاث شقيقة يرتكز على علاقات الثقة المتبادلة، ووحدة المصير، والإيمان بأهمية ترسيخ الأمن والاستقرار وصون السلم الإقليمى واستقرار العالم الإسلامي. واعتبر الرئيس السابق للجنة الدفاع بمجلس الشيوخ الباكستانى أن الاتفاق يمثل ضربة قوية لإسرائيل. وهذا القول يتعارض مع الترحيب الأمريكى بالاتفاق. وإن كانت باحثة يهودية أمريكية ترى أن الاتفاق تطور مقلق لإسرائيل ويقلل من احتمالات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية.

• • •

‏أما تركيا، فهى عضو فى حلف شمال الأطلنطى (الناتو)، ولديها ثانى أقوى جيش تقليدى فى الحلف، وتمتلك صناعات عسكرية متقدمة، وتقع تحت حماية مظلة الأسلحة النووية الأمريكية، وتعد واحدة من أهم أعضاء الناتو المطلة على شرق أوروبا والشرق الأوسط. ولتركيا نفوذ عسكرى اقتصادى وسياسى فى سوريا وليبيا ودول أخرى، وتربطها علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع إيران. وتركيا ليست فى حاجة إلى حماية تحالف دفاعى جديد بما لديها من قوات وأسلحة، وبما يوفره لها حلف الناتو من مظلة حماية أمنية تقليدية ونووية. والحقيقة أن الاتفاقية تخدم تركيا بزيادة توثيق علاقتها مع كل من السعودية وباكستان أكثر من أى شىء آخر.

‏وقال الرئيس التركى أردوغان إن الاتفاقية الثلاثية قائمة على مبدأ الردع الجماعى وتسهم فى تعزيز التعاون الأمنى والدفاعى، وتطور مشروعات مشتركة فى الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب، والاتفاقية مفتوحة لمشاركة جميع الدول الشقيقة التى تسعى إلى تحقيق السلام والازدهار والاستقرار فى المنطقة، وأن الاتفاقية تؤكد حق الدفاع عن النفس وفقا للمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، ولا تستهدف أى دولة، وأن تركيا تواصل بحزم موقفها المبدئى فى حل المنازعات والأزمات عبر الحوار والدبلوماسية، واستنادا لاحترام القانون الدولى.

• • •

‏وقد كان رد فعل إيران على الاتفاق فى اتجاهين، أحدهما مباشر عقب توقيع الاتفاق، حيث قال إبراهيم رضائى المتحدث باسم لجنة الأمن القومى والسياسة الخارجية فى البرلمان الإيرانى، «أنه ينبغى على السعودية أن يعلموا أن اتفاقا ورقيا مع تركيا وباكستان لن يجلب لهم الأمن، كما لم توفره سنوات الارتهان الأحادى لأمريكا، وطالبهم بتصحيح سياساتهم حتى لا يضطروا إلى استجداء الأمن من الآخرين». وثانيهما يرى أن الاتفاقية تعبر عن تحول فى النظر داخل المنطقة تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه لا يوجد أى نوع من القلق الإيرانى من هذه الاتفاقية كما ترى الخارجية الإيرانية. وقد يرجع موقف الخارجية الإيرانية إلى عدة أمور منها علاقات إيران المتنوعة مع كل من باكستان وتركيا، وعلاقاتها مع جميع دول الخليج العربية، قبل وبعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، وأن الحقائق الجيوسياسية والديمغرافية والثقافية والمصالح الاقتصادية والتجارية مع هذه الدول، من الصعب للغاية تجاهلها أو العمل ضدها على المدى المتوسط والطويل.

وبينما يرى أحد أعضاء الكونجرس الأمريكى أن الاتفاقية الثلاثية تعد إنجازًا يحسب للرئيس الأمريكى ترامب، على حد تعبيره، فى سبيل تعزيز الاستقرار والسلام والازدهار فى الشرق الأوسط، يرى السفير الأمريكى السابق كريستوفر هيل، أن هذه الاتفاقية تعبر عن تراجع الثقة فى الضمانات الأمنية الأمريكية فى المنطقة، وأن الوجود الأمريكى لن يكون لدعم هذه الدول.

• • •

يلاحظ أن اتفاقية مكة تضم دولة عربية واحدة هى السعودية ولم ينضم إليها بعد أى من دول مجلس التعاون الخليجى الأخرى ولا مصر، وهو ما يشير بوضوح إلى أن لم الشمل وتوحيد الصف العربى فى مواجهة التحديات الخطيرة ما يزال أمرًا بعيد المنال فى ظل الظروف العربية السائدة. كما أن باكستان ليست من دول الشرق الأوسط وإن كانت علاقاتها وثيقة مع دول الخليج العربية وإيران. وتركيا دولة شرق أوسطية آسيوية وأوروبية وعضو مهم فى حلف الناتو. كما أن توقيع الاتفاقية وسط طبول الحرب الأمريكية الإيرانية وشظاياها التى تصيب دول الخليج العربية، مؤشر على أن الأمر كان يتطلب المزيد من الدراسة والوقت لضمان الديمومة والشمول. 

وترسل اتفاقية مكة للدفاع المشترك عدة رسائل سياسية، رسالة لواشنطن بأن الثقة فى ضماناتكم الأمنية لدول الخليج اهتزت وتراجعت، ورسالة سعودية لدول الخليج العربية أنه إذا لم نتفق على إجراءات ومفهوم حماية الأمن فسأمضى فى طريقى الذى أختاره، ورسالة لإيران بأن السعودية لن تكون وحدها، ورسالة للدول العربية بأن الفرقة والخلافات تدفع إلى الاستعانة بدول الجوار القريب والبعيد. ولا ينتظر أن تخرج الاتفاقية عن الأهداف السياسية مع تفعيل التعاون العسكرى المشترك لتعزيز قوات الدول الثلاث وليس من أجل الدخول فى حرب.

مساعد وزير الخارجية الأسبق 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved