هيبة الكتاب فى زمن الإبادة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 18 أكتوبر 2026 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

تصل إلى مكان المعرض الشهير الذى أصابه ما أصاب البلد فى السنوات الأخيرة من حروب وجودية وأخرى عبثية وانفصام داخلى وكثير من المؤامرات، وهى قد تبدو قدره الدائم منذ عقود طويلة. تزداد زحمة العربات مع الاقتراب من المكان الواسع عند الواجهة البحرية فى بيروت. تدهشك الزحمة الخارجية قبل أن تصل إلى المكان، بل ربما هرولة الكثيرين وكأنهم على موعد مع شخص حميم جدًّا أو جلسة دافئة فى عالم مغمّس ببرودة اللحظة التى طالت وعُمِّدت بالدم والدمار.

     •••

تهرول ربما بشكل لا شعورى لتتماهى مع الآخرين، نساءً ورجالًا وأطفالًا وكبار سنٍّ وشبابًا بوشم وآخرين بربطة عنق، وأخريات توشّحن بالسواد وألصقن صورًا لأحبّة استشهدوا على مرّ هذه الحرب التى لم تنتهِ بعد، رغم أن كثيرًا من الإعلام الرسمى فى لبنان و«الوطن العربى» لا يزال يردّد أن هناك هدنة، رغم أنهم لم يسألوا أهل الجنوب كما لم يسألوا قبلها أهل غزة!

     •••

يشتدّ الازدحام كلما اقتربت من واجهة المعرض العريضة، وما إن تدخل حتى تتفاجأ بالازدحام والإعلان عن ندوة هنا وتوقيع كتاب فى هذا الجناح أو ذاك. تقف للحظة لتُمعن النظر، ولا تستطيع سوى أن تتفاجأ بحجم محبّى الكتاب فى زمن الحرب فى هذا البلد الملىء بالمتناقضات، وكثير منها لا يشير إلا لمزيدٍ من الحب والتمسّك بالحياة الحرّة. لا تستطيع التقدّم سريعًا لكثرة الوجوه التى تكون مضطرًّا أو تحبّ أن تلقى عليها التحية، ربما بعضها حىٌّ يرزق ويتجوّل معك ويتصفّح الكتب، وآخرون فى صور كبيرة تزيّن المعرض وتزيده ربما هيبة.

     •••

إنها هيبة الكتاب عندما تحتفى به المدينة التى كانت أو عُرفت على أنها «مطبعة العرب»، ورغم كل ما أصابها ويصيبها لا تزال تجد مساحة لتجمع دور النشر بكل اللغات. فالملفت كمّ الكتب باللغة الإنجليزية، ولا تزال الفرنسية تصارع البقاء فى مستعمراتها القديمة، وخاصة هنا! تصاب ببعض الإحباط عندما تدرك ما تعرفه، وأن الجيل الشاب أو جيل الإنستغرام وتويتر والتيك توك وكل وسائل التواصل قد هجر أو طلّق اللغة العربية ذات السحر الخاص.

     •••

تتعثّر فى طريقك ببعض السياسيين الحاليين والسابقين، ربما فى محاولة منهم للتقرب من الجمهور أو لبس ثوب «السياسى المثقف» أو حتى فقط معرفة كم مسافة تفصلهم عن الناس، وخاصة البسطاء منهم. تشاهد صورهم على مواقع التواصل وهم يزورون «كُتَّابًا» بعينهم لتواقيع خاصة لكتب ودواوين شعر وروايات فى مجملها تبدو باهتة. نعم، فمعارض الكتب هى انعكاس للوضع الثقافى العام فى لبنان والعالم العربى؛ حيث تسلّق كثيرون على كتف الكتاب أو أوراقه ليحجزوا حيزًا. بعضهم يحاول التشبّه بكتّاب وكاتبات راحلات تركن أثرًا وكانت لهن كثيرٌ من المواقف، ونحتن الحرف والكلمة بقلوبهن، بل نقشنهن، ولم تكن مجرد صفٍّ لمفردات. تواقيع بكثير من الورود والملابس المنمّقة وكأنها أعراس؛ ألا يستحق الكتاب أن يُحتفى به؟ بالطبع، ولكن بعض الاحتفاء المبالغ فيه يبدو وكأنه تغطية لكتاب لا يُقرأ، أو هو مجرد تجميع هنا وهناك، أو لا علاقة له بالإبداع المبهِر. ولوحظ غزو الذكاء الاصطناعي، على الأقل فى صور الأغلفة التى تبدو مصطنعة جدًّا، فيما تتلاشى تلك الواجهات التى رسمها أو خطّها مبدعون يشبهون كتّابها.

     •••

ولا يمكن أن يُحتفى بالكتاب فى بلد مثل لبنان تتجاذبه الروايات والسرديات المتناقضة، إلا أن تكثر الكتب التى قام كتّابها بتقديم روايتهم لتاريخ ليس ببعيد، وكأنهم بذلك إما يتطهّرون أو يتمادون فى تزوير ما حدث، ليس من زمن بعيد، بل قريب جدًّا وحاضر فى الذاكرة حتى خارج الحدود الجغرافية.

     •••

وبقى الجنوب حاضرًا رغم كثرة المحاولات لتشويه معاناته، وطمس صموده وشيطنة رواياته وسرديته. حضر بدور نشر هنا وبكثير من الكتب والروايات والصور والبشر القادمين حاملين وجعهم وصور أحبّتهم الذين سُلبت أرواحهم ومزارعهم وبيوتهم وكل ما يملكون، حتى المكتبات والصور هى الأخرى لم تكن بعيدة عن وحشية الصهاينة. هناك إحصائيات لكمّ المكتبات التى دُمّرت فى الجنوب والضاحية، منها الخاصة والعامة، وكمّ المطابع التى طاردتها القذيفة التى يعرف مسيّرها أن الكلمة أبقى من أن تُزال رغم كل الموت والدمار.

     •••

يبقى المعرض صورة مصغّرة للبنان، بعيدًا عن كثير من المشاهد التى يروّجها «الإنفلونسرز» الخليجيون والعرب، والتى لا تشمل سوى المطاعم والمقاهى والفنادق الصغيرة، أو ربما كما يحبون تسميتها «بوتيك هوتيل» لتبدو أكثر شياكة، وهى بالطبع جزء من لبنان الذى يصارع الموت والتفتّت، ولكنها ليست كل الصورة. هنا فى معرض كتاب بيروت الدولى كثير من لبنان بكل جماله وتعقيداته وتناقضاته وخوفه أو تمسّكه بالأمل الواقعى، وليس ذاك المرسوم فوق ظهر غيمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved