واقعية الكم.. فن جديد لعصر جديد
العالم يفكر
آخر تحديث:
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
فى معرضه فى براغ فى العام 1971، أعلن محمود صبرى، أحد أبرز الفنانين التشكيليين العراقيين من جيل الرواد، قطيعته الكاملة مع الواقعية التقليدية حين أطلق نظريته الفريدة «واقعية الكم» Quantum Realism، التى كان قد توصل إليها بعد دراسات وأبحاث وتجريبات فى ستينيات القرن المنصرم، وجوهرها يقوم على الدعوة إلى فن يستلهم قوانين العلم الحديث فى إطار فلسفة خاصة.
ويرى الفيلسوف الفرنسى غاستون باشلار، وهو أستاذ فيزياء وكيمياء أيضا، أن العلم الحديث يغير تصورنا للواقع، وأن المعرفة العلمية تقطع الإدراك الحسى المباشر، رابطا بين العقل العلمى والمخيلة الشعرية. أما محمود صبرى فقد ذهب إلى تأسيس لغة تشكيلية جديدة تجعل اللون والخط والشكل معادلات بصرية للطاقة والحركة.
فى العام 1972، قدر لى أن أحاور محمود صبرى وأن أقدمه إلى الجمهور، وذلك فى مبنى «نادى الصداقة» فى براغ، الواقع فى الشارع الوطنى، وبحضور عربى لافت، حيث كنت رئيسا لجمعية الطلبة العراقيين فى فترة دراستى للدكتوراه، فى ندوة حملت عنوان المقالة فى أعلاه، وهو العنوان الذى أصبح لاحقا عنوانا لكتاب أصدره يشرح فيه نظريته، وألحقه بكتاب آخر بعنوان: «الفن والإنسان.. دراسة فى شكل جديد من الفن».
اعتمدت نظرية محمود صبرى على أن الواقع الذى ينبغى للفنان أن يصوره لم يعد هو الواقع المرئى بالعين فقط، وخصوصا أن فيزياء الذرة والكم تكشف عن مستوى أعمق للوجود، وما على الفنان والفن سوى التعبير عن هذا الواقع الكمى «الذرى» وقوانين الطاقة والحركة، وليس التعبير عن المظاهر الخارجية للأشياء. فالعالم ليس مجموعة أشياء، بل هو شبكة معقدة من التحولات والطاقة.
اللوحة وواقعية الكم
حاول محمود صبرى تحويل الأطياف الذرية والأمواج الكهرومغناطيسية إلى تراكيب لونية بدلا من رسم الإنسان أو الطبيعة، وهكذا ظهرت لوحاته كخطوط لونية وهندسية فى غاية التناسق، حيث كان يرى أن لكل عنصر ولكل ذرة خصائص طاقية يمكن التعبير عنها بصريا بالألوان والأشكال. ويبدو للوهلة الأولى أن تلك الرسومات واللوحات تعطى انطباعا بأنها تجريدية Abstract Paintings، لكنه كان يرفض إطلاق هذه الصفة عليها، ويصر على تسميتها بالواقعية، وهى واقعية تختلف عن الواقعية التقليدية. ويعتبر أن واقعيته هى أكثر واقعية من الواقعيات الأخرى، لأنها تستند إلى حقيقة علمية غير مرئية، فى حين أن الواقعية الكلاسيكية تكتفى بما تراه العين، فهو يرى أن الفن ينبغى أن يحاكى الطبيعة بوصفها عمليات متحركة ومتغيرة وليست أشياء جامدة.
وفى حوار خاص معه فى براغ فى أواخر الثمانينيات من القرن الماضى، ومن ثم فى محاضرة له فى «الكوفة غاليرى» فى لندن فى العام 1992، أشار إلى أنها واقعية تختلف عن «الواقعية الاشتراكية الجدانوفية» أيضا، تلك التى سادت فى الدول الاشتراكية خلال الفترة الستالينية بشكل خاص، حيث أخضع الأدب والفن والثقافة والموسيقى إلى معايير بيروقراطية صارمة، كانت تنظر إليها، لا بوصفها نشاطا جماليا حرا، بل يجب تجييرها لمصلحة الحزب، وما عدا ذلك، فستكون هذه الحقول فى خدمة البورجوازية أو ينظر إليها كفنون شكلانية وفردانية لا تخدم أهداف المجتمع الاشتراكى.
إن «واقعية الكم» هى مشروع فلسفى يقوم على العلم، وهى ليست مجرد تجربة تشكيلية، فالفن مثل العلم والفلسفة ينبغى أن يواكب تطور المعرفة الإنسانية الحديثة، وأن الثورة العلمية التى أحدثتها فيزياء الكم تتطلب ثورة موازية فى الفن، وبشكل خاص فى اللغة البصرية. فالفيزياء الحديثة أثبتت أن المادة ليست كتلة صلبة، بل هى شبكة من الطاقات والعلاقات والاحتمالات، وأن الفن مطالب بأن يعكس هذا الفهم الجديد للعالم، كما يرى صبرى.
ويبقى سؤال الحداثة قائما ويواجه الفنان، وهو ما كان يشغل محمود صبرى، فما هى وظيفة الفن؟ هل هى تقليد للطبيعة أم الكشف عن حقيقتها؟ وهو يرى أن الفن ليس كاميرا تقوم بالتقاط صور الإنسان والطبيعة، وإنما هو حالة تتولى الكشف عما لا يرى، حيث تصصبح اللوحة وسيلة معرفة، لا مجرد موضوع للمتعة الجمالية.
تفرد صبرى عن مجايليه من الرواد العراقيين بتأسيس نظريته على العلم الحديث ودمجه بالفن، فى حين اتجه جواد سليم إلى استلهام التراث الحضارى للعراق وتاريخه القديم. أما شاكر حسن آل سعيد فقد اتخذ من الصوفية مصدرا لفنه يستلهم منه جماليته، ومنح فائق حسن الريشة هوية بجعل اللون مرآة لروح العراق.
مدرسة جديدة
لم يكن محمود صبرى مجرد فنان تشكيلى يريد تقديم شكل جديد للرسم، بل كان يفتش عن الإنسان الجديد الذى يرى العالم بعين العلم والمعرفة العلمية، ولا يستكين لما هو قائم ومنظور، بل يبحث عما خلفه وما لا يرى فى إعادة تأصيل العلاقة بين العقل والجمال؛ وكان يعتقد أن الفن ينبغى ألا يبقى أسير النظرة التقليدية، ولا بد من ردم الهوة أو تجسير الفجوة بين المحترف الفنى والمختبر العلمى، بين اللون والذرة وبين الحقيقة والجمال، فالإبداع هو محاولة اكتشاف العالم، أو الأصح المشاركة فى اكتشافه وليس انعكاسا له.
صحيح أن «واقعية الكم» لم تحظ عربيا أو عالميا بالشهرة، وبقى تأثيرها محدودا لاعتبارات تتعلق بالسرديات الغربية المهيمنة وضعف الحضور العربى، فلم تصبح نظرية لها أتباعها ومؤيدوها كالتكعيبية والسريالية مثلا، إلا أنها كانت محاولة أصيلة وجادة، فلم تكن تقليدا لمدرسة سبقتها، بل يمكننى القول إن جدتها وصعوبتها ربما حالا دون انتشارها، وخصوصا ربط الفيزياء بالفن، وتحويل قوانين فيزياء الكم إلى لغة تشكيلية فى تأويل إبداعى. وقد بدأ الاهتمام بها فى السنوات الأخيرة، وخصوصا عشية الألفية الثالثة وما بعدها، فأعادت مؤسسات مثل «المتحف العربى للفن الحديث» دراسة تجربة واقعية الكم بوصفها من أكثر المحاولات الفكرية أصالة، وهو ما يمكن اعتباره محاولة جريئة ورؤية استشرافية وجهدا نادرا، يبقى مفتوحا وبحاجة إلى استكمال وتطوير.
ويعتبر محمود صبرى مفكرا مجتهدا وليس فنانا فحسب، وعليه فإن مشروعه الذى نتناوله فى مقالتنا هذه جدير بالدراسة، وقد أدرج بيانه «واقعية الكم» من ضمن أهم الوثائق المؤسسة للفن العربى الحديث فى كتاب Modern Art in the Arab World: Primary Documents، وفى «متحف الفن العربى الحديث».
وبعد وفاته فى العام 2012، تناول نظريته عدد من النقاد بينهم «روكسان زند» المؤرخة الفنية والباحثة البريطانية فى فنون الشرق الأوسط، وعملت فى دار سوذبيز Sotheby’s، وكتبت تقول إن محمود صبرى حاول توحيد الفن والعلم، وإن أعماله امتازت ببعد فلسفى وكونى يتجاوز الواقعية الاجتماعية، وهو ما سبق أن أشارت إليه الباحثة ندى الشبوط، وذهب عبد الله حبه إلى القول عن تطور فن محمود صبري: إنه انتقل إلى واقعية الكم عبر تطور داخلى فى رؤيته للفن والإنسان والطبيعة فى محاولة التعبير عن الواقع اللامرئى، أى عالم الذرات والطاقة والجسيمات.
أخلص إلى القول إن محاولة محمود صبرى رائدة ومثيرة للاهتمام وقد يكون سابقا لزمانه، حتى وإن ظلت محصورة فى بيئة محدودة، فقد انطلق صبرى من الفلسفة إلى بنية الواقع نفسه، منشغلا بشبكة التحولات والطاقة، وحاول الإجابة عن سؤال: هل يستطيع الفن أن يكون معرفة وليس تعبيرا فقط؟ متزامنا مع نظريات اهتمت بالحركة والطاقة وأخرى بتيارات الفن الحركى وثالثة بالزمن والحركة ورابعة بالرياضيات والهندسة.
وإن كان ثمة نقد يوجه إلى نظرية «واقعية الكم» باعتبارها استعارة أكثر منها علاقة علمية قابلة للإثبات بين الفن والعلم، فإن قوة دفاعات صبرى تنطلق من فكرة الحداثة ذاتها؛ فهل توجد حداثة واحدة؟ وهل نكتفى كعالم ثالث فى استيراد الحداثة؟ أم يمكن أن نشترك فى صنعها؟ وإذا كانت هناك حداثات متعددة، فلا ينبغى للغرب، والحالة هذه، احتكار المعرفة والثقافة بحسب إدوارد سعيد، ولا بد للانتقال من موقع التلقى إلى موقع الإنتاج المعرفى، وهو السؤال الذى ظل معلقا: عن علاقة المركز بالأطراف والمتن بالهامش.
إن محاولة محمود صبرى هى دعوة إلى قراءة العالم من مواقع متعددة، لا من مركز واحد، لأنه كفنان لم يكتف بالقبول باستيراد الحداثة الغربية، بل حاول بناء حداثة جديدة عبر نظرية خاصة. ويمكننى القول إن الحداثة ليست ملكا جغرافيا لأمة أو شعب أو لغة أو حضارة، إنها تفاعل حضارات وثقافات متعددة فى السابق والحاضر أنتجت أسئلة مختلفة عن الكون والطبيعة والإنسان، وقد اعتبر محمد أركون أن الحداثة التى يسعى إليها تقوم على تحرير العقل من الجمود، والانفتاح على مفاهيم العلوم الحديثة.
أما محمود صبرى فقد سعى إلى تحرير العين من أسر الظاهر لترى العالم فى حركته العميقة، وبذلك يكتمل مشروع النهضة الحديثة ليشمل الفكر والسياسة والأدب بشكل عام، والشعر بشكل خاص، مثلما يرى أنه ينبغى أن يشمل الفن.
وبمفهوم المفكر الإيطالى أنطونيو غرامشى، يعد محمود صبرى مثقفا عضويا، فهو يرى أن الفنان جزء من حركة الوعى الاجتماعى وليس منتج جماليات فحسب، الأمر الذى ينبغى ألا يظل مشروعه منسيا أو خارج دائرة الضوء.
عبد الحسين شعبان
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/3xtffkvh