مُساءلة حول الغلاء!

محمد يوسف
محمد يوسف

آخر تحديث: الجمعة 19 يناير 2018 - 10:55 م بتوقيت القاهرة

قُل ما شئت عن المشكلات التى تواجه أى اقتصاد، ولكن عند ذكرك لمشكلة الغلاء، فاعلم أنك تتحدث عن أكثر المشكلات الاقتصادية تعقيدا، وأشدها وطأة على العدالة الاجتماعية. ذلك لأن التحليل الاقتصادى، بكل أدواته الحديثة والمتطورة، يعجز عن التفسير الكامل لمسبباتها، ويُخفق فى التنبؤ الدقيق بنتائجها. فالغلاء، أو الارتفاع المستمر فى الأسعار، لا يحدث لعوامل داخلية فى الاقتصاد الوطنى فقط، ولا ينتج عن غياب التوازن بين العرض والطلب المحلى فحسب، بل إن العالم الخارجى، بقنواته المختلفة، يمارس دورا مهما فى نشوئه وتفاقمه.

وعندما يحدث الغلاء، وعندما يُمعن فى التهام القوة الشرائية للعملة الوطنية، يُصيب مؤشرات العدالة الاجتماعية فى مقتل، ويعيد توزيع الدخل والثروة الوطنية بطريقة عشوائية ظالمة. ففى غمار موجات الغلاء المتتابعة، تتحسن المراكز الاقتصادية لأصحاب الأصول والثروات العينية، وتحديدا حائزى الأراضى والعقارات والسيارات والذهب والعملات الأجنبية، على حساب تراجع مراكز أصحاب الثروات والدخول النقدية، وخصوصا من كاسبى الأجور والرواتب.

فإذا كان الغلاء به كل هذه الصفات المقيتة، وله كل تلك التبعات السلبية، فيحق للمرء إذن أن يتساءل عن المُتسبب فى تسارع معدلاته فى الاقتصاد المصرى أخيرا، للدرجة التى جعلت أسعار ضروريات الحياة وكمالياتها ترتفع بصورة شبه يومية. وللمرء أن يتساءل كذلك حول حدود المسئولية الحكومية فى تفاقمه، وعما إذا كانت تتحمل تلك المسئولية بمفردها، أم أن هذا الغلاء يتقاسمه عدد معتبر من الأطراف. وفى سبيل تقديم إجابة دقيقة ووافية عن هذه التساؤلات، تحاول الفقرات القادمة أن تقدم للقارئ كشف حساب مفصل للغلاء المصرى.

****

يجب، بادئ ذى بدء، أن نُحرر الخلاف بين الغلاء وبين «تعويم» الجنيه فى سوق الصرف الأجنبى. فالبعض يخطئ الظن بأن هذا التعويم هو المتسبب الوحيد فى تفاقم مشكلة الغلاء الراهنة. والصحيح أن الغلاء الذى تفشى أخيرا فى الأسواق المختلفة له روافد متعددة ومتشابكة. وكل ما فعله «التعويم» أنه أضاف لتلك الروافد رافدا جديدا، وإن كان ذا أثر كبير. فالتعويم إذن لم ينشئ الغلاء من العدم، هو فقط ساعده على التفاقم والانتشار فى جسد الاقتصاد المصرى.

على أن الغلاء الذى حاصر الأسواق المصرية من كل جهة يُسأل عنه أطراف أربعة، ترتبها النقاط التالية تنازليا من حيث المسئولية:

أولها، مسئولية الحكومة فى اشتعال نيران الغلاء. وبالرغم من وجاهة الادعاء بأن الحكومة تتحمل وزر الغلاء، إلا أن تحليل هذا الادعاء كفيل بمعرفة حدود مسئوليتها عنه. فقصور سياسات الحكومة المطلوبة لتشجيع الادخار الوطنى، ومحدودية دورها المالى والفنى المساند لصغار المستثمرين الوطنيين، وانخفاض فاعلية برامج تحفيز الاستثمار الأجنبى، له عظيم الأثر فى نشوء الغلاء بالأسواق. إذ إنه من المعلوم أن الفجوة المتنامية بين العرض والطلب فى هذه الأسواق، لن تضيق إلا بالتوسع فى السلع والخدمات المنتجة. والأخيرة لا تحدث بدون زيادة الاستثمار بنوعيه المحلى والأجنبى.

كما تزيد مشكلات المالية العامة من مسئولية الحكومة عن تفاقم الغلاء فى مصر. فتردى كفاءة الإنفاق الحكومى الحالى والاستثمارى، يرفع أسعار الخدمات العامة مثلما يقلل من جودتها. وبالمثل، فإن التشوهات المتعددة بالنظام الضريبى المصرى، وتركيزه على زيادة الضرائب على السلع والخدمات (لاحظ أن هذا النوع من الضرائب يشكل وحده أكثر من نصف هيكل الإيرادات الضريبية)، تزيد مباشرة من أسعار السلع والخدمات فى الأسواق.

على أن مسئولية الحكومة عن الغلاء لا تقف عند هذا الحد. فبتراجع دورها الرقابى على حركة الأسواق، وبعجزها أمام قوى الاحتكار التى تنهش فى جسد الاقتصاد، يُعربد الغلاء فى منظومة الأسعار دون خوف من رادع أو من حساب.

ثانيها، مسئولية البنك المركزى والجهاز المصرفى. فاستقلالية البنك المركزى عن الحكومة تجعله أحد الأطراف المسئولة عن الغلاء فى مصر. وبينما تنبع مسئولية الحكومة عن الغلاء بسبب تقصيرها فى تحفيز جانب العرض كما أسلفنا، فإن البنك المركزى يسأل عن دوره فى النمو غير المبرر لجانب الطلب. ويحدث ذلك عندما يُزيد البنك المركزى من طباعة النقود دون أن يكون لذلك علاقة بالنمو الاقتصادى الحقيقى. وعلى عكس ما تدعيه السياسة النقدية الراهنة، فإن كل زيادة يحدثها البنك المركزى فى سعر الفائدة تُزيد، مباشرة، وبنفس المقدار تقريبا، من تكاليف الاستثمار والإنتاج والبيع، وترفع من المستوى العام للأسعار فى الأسواق.

وعندما يُغالى البنك المركزى فى تكوين الاحتياطيات الدولية، سواء من مصادر حقيقية أو من الإفراط فى الاستدانة الخارجية، فإن لذلك أثر غير مباشر قوى فى تعزيز الغلاء فى الأسواق. آية ذلك أن كل دولار من هذه الاحتياطيات يزيد عن الحجم الأمثل (بالاسترشاد بالتجربة الدولية، يتراوح هذا الحجم الأمثل فى حالة مصر بين 24 و 26 مليار دولار)، كان من الممكن استخدامه فى تمويل الواردات الوسطية اللازمة لدوران عجلات الإنتاج فى المصانع، أو فى شراء الآلات والمعدات والتكنولوجيا التى تضيف للطاقات الإنتاجية المصرية، وتضيق الفجوة بين العرض والطلب المُنشئة للغلاء فى الأسواق.

ولسنا فى حاجه لتذكير القارئ بدور البنك المركزى فى تدعيم روافد وتوقعات الغلاء، باتخاذه قرار «تعويم» الجنيه فى أواخر العام 2016، وما أفضى إليه ذلك من حدوث موجات غلاء عنيفة، كانت، ولا تزال، أكبر من قدرة الأسواق الداخلية على الاحتمال.

ثالثها، مسئولية العالم الخارجى عن الغلاء. ففى اقتصاد مفتوح على مصراعيه أمام سيول الواردات، لن يندهش القارئ كثيرا عندما يعلم أن «التضخم المستورد» مسئول عن جانب مهم من الغلاء فى مصر. وبسبب ميلنا المتزايد للاستيراد، وعند كل ارتفاع فى تكاليف الإنتاج فى أسواق الدول المصدرة، لأسباب نفطية أو غير نفطية، فإن استيراد الغلاء منها يكون أمر حتمى، وتتحمل عبئه أسواقنا الداخلية.

ومن عجب أن الاقتصاد المصرى، شأنه شأن أغلب اقتصادات الدول النامية، يستورد الغلاء من أسواق الدول المتقدمة، وفى نفس الوقت لا يستطيع إعادة تصديره إليها. فعندما ترتفع تكاليف الإنتاج المحلية بفعل الغلاء المستورد، تزداد الصعوبات أمام المصدر المصرى فى الولوج لأسواق هذه الدول، وفى تحميل مستهلكها المحلى عبء هذا الارتفاع فى الأسعار.

كما أن العالم الخارجى يُزكى، غير عامد، من ضغوط الغلاء فى الأسواق المصرية، عندما تتسارع وتيرة الابتكارات فى مراكزه المتقدمة. فمن شأن الابتكارات الجديدة أن ترفع آنيا من قيمة تكاليف الاهلاكات الفنية للتكنولوجيا المتقادمة فى الشركات المحلية، وتزيد، من ثم، من تكاليف إنتاجها الإجمالية، وترفع من أسعار منتجاتها النهائية فى الأسواق الداخلية.

رابعها، مسئولية النمو السكانى عن الغلاء. فمن المعلوم بداهة أنه كلما تسارع معدل النمو السكانى، وكلما تركز هذا النمو فى أقاليم جغرافية محدودة، زادت ضغوط الغلاء فى أسواق الخدمات العامة فى هذه الأقاليم. خذ هنا مثلا أسعار الأراضى والوحدات السكنية والإيجارات، و/أو أسعار الخدمات التعليمية والطبية، و/أو أسعار الكهرباء والغاز، و/أو تكاليف الانتقالات والاتصالات. فعندما يضغط الفائض السكانى على هذه الخدمات فى المراكز الحضرية، لا تنخفض كفاءتها فحسب، بل تحدث زيادات ملموسة فى أسعارها كذلك.

والحق، إن مسئولية النمو السكانى عن الغلاء تنشأ فقط عندما يعجز النمو الاقتصادى عن اللحاق بمعدل النمو السكانى المتسارع، أو عندما يفشل التخطيط السكانى التنموى فى التصدى لظاهرة «الاكتظاظ السكانى» فى المدن الرئيسية. وبمنطق آخر، لا يجوز لنا أن نسأل النمو السكانى عن الغلاء إلا عندما تعجز التنمية الاقتصادية عن الإجابة.

****

هكذا رأينا أن كشف حساب الغلاء فى مصر تقف فيه الحكومة متقدمة الصفوف، يليها مباشرة البنك المركزى، ومن ورائهما يقف العالم الخارجى. أما النمو السكانى، فهو على عكس ما يدعى بعض الاقتصاديين، يقع فى ذيل هذه القائمة التى تسببت فى تفاقم الغلاء أخيرا.

وعلى ضوء هذا الترتيب، ووفق المنطق الاقتصادى القويم، فإذا أردنا أن نرسم برنامجا وطنيا كفؤا للتصدى لمشكلة الغلاء فى مصر، يتعين أن يتحمل كل طرف من الأطراف الأربعة مسئولية فى العلاج تكافئ مسئوليته فى التسبب فى المرض!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved