فخ مفاوضات السد

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الأربعاء 19 فبراير 2020 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

فى غمرة انشغالنا بالمعركة الدائرة بين حمو بيكا وحسن شاكوش وفيجو الدخلاوى من ناحية و«أمير الغناء العربى» هانى شاكر «رائد» الموسيقيين من ناحية أخرى حول مستقبل أغانى المهرجانات، خرج وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ليقول إن مفاوضات سد النهضة الإثيوبى الذى يهدد مصر بالعطش ما زالت تحتاج إلى شهور من العمل، بعد أن كانت وزارة الخارجية المصرية قد بشرتنا فى ختام الجولة الأخيرة من المحادثات فى واشنطن بأنه سيتم توقيع اتفاق ملء وتشغيل السد بنهاية الشهر الحالى.
ما بين بيان الخارجية المصرية الذى بشّر بتوقيع اتفاق السد بنهاية فبراير الحالى وبيان الخارجية الأمريكية الذى يتحدث عن الحاجة إلى شهور من العمل من أجل حل الخلافات، يصبح الشعور بالقلق وربما الهلع أمرا مقبولا، ويصبح التشكيك فى جدوى مسار المفاوضات الحالى وآلياتها حقا مشروعا.
ولعل نظرة سريعة على التسلسل الزمنى للمفاوضات بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، منذ لقاء رئيس وزراء مصر الأسبق عصام شرف ونظيره الإثيوبى ميليس زيناوى فى سبتمبر 2011 وحتى الجولة الأخيرة من المحادثات فى واشنطن يومى 12 و13 فبراير الحالى، تؤكد أنه تم استدراج مصر إلى مسار تفاوضى يعطى إثيوبيا الوقت الذى تحتاج إليه لفرض واقع جديد على الأرض يستحيل تغييره، لينخفض سقف التفاوض إلى أدنى مستوى ممكن بالنسبة لمصر.
فعندما اجتمع شرف وزيناوى اتفقا على تشكيل لجنة دولية تضم 10 خبراء، مصريين وإثيوبيين وسودانيين و4 خبراء دوليين محايدين، لفحص ومراجعة الدراسات الإثيوبية الهندسية ومدى مراعاتها للمواصفات العالمية، وتأثير السد على دولتى المصب السودان ومصر، أى إننا كنا نتفاوض فى ذلك الوقت على تصميم السد وعوامل الأمان فيه وسعته التخزينية وآثاره البيئية والاجتماعية، ليصل بنا الأمر الآن إلى محاولة الوصول إلى اتفاق بشأن آليات ملء وتشغيل السد، لأننا وببساطة بينما كنا غارقين فى مستنقع المفاوضات والتفاصيل النظرية، كانت أعمال بناء السد تجرى على قدم وساق، حتى أصبح ما يفصلنا عن بدء تشغيل المرحلة الأولى منه لا يزيد عن شهور بحسب تصريحات المسئولين فى إثيوبيا.
وإذا كان الزميل عماد حسين رئيس تحرير «الشروق» قد كتب مقالا تحت عنوان «حان وقت العين الحمراء لإثيوبيا»، تحدث فيه عن مماطلة إثيوبيا فى المفاوضات لكسب الوقت وفرض واقع جديد على كل الأطراف، فإن الواجب أيضا إعادة النظر فى أداء المسئولين عن إدارة ملف سد النهضة على مدى السنوات الست الماضية التى لم يحقق فيها الجانب المصرى سوى الخسائر. فبدون تقييم الذات والاعتراف بأوجه القصور فى الأداء، سنظل نتحرك فى نفس الدائرة المغلقة.
فعلى مدى السنوات الماضية ظل المسئولون المصريون على جميع المستويات يؤكدون خوض المفاوضات برصيد هائل من حسن النوايا والرغبة فى الوصول إلى حلول تحقق مصالح الجميع، فى حين كان الطرف الآخر فى المفاوضات يخلق واقعا جديدا كل يوم، ليخصم من رصيد أوراق مصر التفاوضية من ناحية، ويخصم من رصيد جدوى المفاوضات من ناحية أخرى.
ليس هذا فحسب بل استمرار هذه المفاوضات والاتصالات والتصريحات الودية الصادرة من القاهرة، تحولت إلى أوراق فى يد الجانب الإثيوبى أمام مؤسسات التمويل الدولية التى امتنعت فى البداية عن تمويل السد باعتباره يقام بدون موافقة دولة المصب وهى مصر وبالتالى يمثل انتهاكا للقوانين الدولية.
أخيرا إذا انتهى فبراير دون توقيع اتفاق، وصدقت تصريحات بومبيو بشأن الحاجة إلى شهور إضافية من المفاوضات، فعلى مصر إعلان فشل المسار التفاوضى والبحث عن وسائل أخرى لحماية مصالحها الحيوية فى مياه النيل بما يتفق مع حقيقة أن تهديد تدفق مياه النيل إلى مصر، هو تهديد لوجودها وبقائها ذاته، وبالتالى تصبح كل وسائل حماية هذه المصالح مشروعة ومطروحة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved