الاتحاد الأوروبى وتحديات أزمة كورونا المستجدة

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الأحد 19 أبريل 2020 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

أحدثت أزمة كورونا المستجدة آثارا كبيرة على الاتحاد الأوروبى، شأن كل الدول والتجمعات الإقليمية الأخرى فى العالم، حيث أجبرت الأزمة كل الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى على اتخاذ العديد من الإجراءات التى لم تكن فى حساباتها، والتى لا تتخذ إلا فى أشد أوقات الحروب والكوارث، وذلك لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد غير المسبوقة، فتم وقف العديد من المواصلات، وفرض قيود وحظر أحيانا على حركة السكان إلا للضرورة، وتوقف الأنشطة السياحية التى تعد من مصادر الموارد الهامة لعدة دول، وبدأت حالة من الركود الاقتصادى والدخول فى أزمة اقتصادية كبيرة قد تمتد آثارها حتى عام 2022.
وظهرت آراء تنذر بأن تحديات أزمة فيروس كورونا المستجد قد تؤدى إلى التهديد بتفكك الاتحاد الأوروبى، وإقدام عدة دول على الخروج منه متبعة بريطانيا ويرون أن إيطاليا بما فيها من اتجاهات يمينية شعبوية قوية فى الشمال، وكذلك اليونان بما تعانيه من أزمة اقتصادية استمرت لعدة سنوات ولم تبرأ منها، وبعض دول شرق أوروبا، قد يكونون فى مقدمة المطالبين بالخروج من الاتحاد، خاصة وأن إيطاليا قد سادتها حالة من الاستياء العام لما رأت أنه عدم تضامن الدول الأوروبية الأخرى معها لمواجهة أزمة كورونا المستجدة، بل إن هذه الدول أغلقت حدودها على نفسها بدلا من المسارعة بتقديم المساعدات، وأوقفت حرية السفر بين دول الاتحاد إلا للضرورة وبقيود مشددة.
وقد استغل اليمين الإيطالى المتطرف مشاعر الغضب والاستياء لدى الرأى العام الإيطالى، وقام بعضهم بإنزال علم الاتحاد الأوروبى ورفع العلم الإيطالى مكانه، وجددوا الدعوة إلى الخروج من الاتحاد ومنطقة اليورو والعودة إلى الليرة الإيطالية رمز الاستقلال الوطنى كما يعتقدون.
***
وإن نظرة عن قرب وتمعن لمواقف معظم الدول الأوروبية فى مواجهة ظهور ثم انتشار فيروس كورونا المستجد فيها، يتضح أنها عملت بنظرية عدوى القطيع ــ أى ترك الفيروس ينتشر بين الناس ــ مثل سائر فيروسات الإنفلونزاــ وينجو منه من لديهم مناعة قوية أو من يستعينون بمساعدة العلاج المتاح، أما الضعفاء وكبار السن، خاصة من لديهم أمراض فى الجهاز التنفسى أو أمراض قلبية، فكل وقدرته على البقاء وقدره المحتوم.
ويفسر البعض هذا الموقف برغبة هذه الدول فى التخلص من أكبر عدد ممكن من كبار السن الذين تتزايد نسبتهم بين السكان كل عام وأصبحوا يمثلون عبئا اقتصاديا كبيرا، فهم شرائح غير منتجة، وفى حاجة إلى رعاية صحية واجتماعية مكلفة للغاية. ولم يخف رئيس وزراء بريطانيا هذا الموقف عندما قال علنا للبريطانيين لقد آن لهم أن يودعوا أحباءهم، وهو ما أثار استياءً كبيرا، وقد حاول أن يظهر بالتراجع عن العمل بنظرية عدوى القطيع خاصة بعد أن اكتشف إصابته هو نفسه بفيروس كورونا المستجد، ومع ذلك فقد مضى مستشاره العلمى وطالب من جديد بالسماح للناس بالعودة إلى أعمالهم وممارسة حياتهم وأن ذلك يكسبهم مناعة ومن يصاب منهم يتم علاجه.
ومن ناحية أخرى فإن معارضى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى نشطوا من جديد ويطالبون الحكومة بمد فترة مفاوضات شروط الخروج والتى تنتهى فى 31 ديسمبر 2020 خاصة وأنهم كانوا يرون من البداية أن مدة عام للتفاوض غير كافية، كما أن أزمة كورونا قد أوقفت المفاوضات، بل أكثر من ذلك فقد عادوا يطالبون بإجراء استفتاء جديد فى بريطانيا على الخروج من الاتحاد ويرون أن ما ظهر من صعوبات وخسائر سيتكبدها الاقتصاد البريطانى تدعو إلى إعادة النظر فى الخروج خاصة وأن العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة لن تكون على نفس مستوى العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبى. كما وجهت المعارضة انتقادات شديدة للحكومة البريطانية لعدم قبولها عرض المساعدة من الاتحاد الأوروبى فى مواجهة أزمة كورونا، على أساس أنها لم تعد عضوا فيه ومن ثم لا تقع ضمن ترتيباته.
***
وأما فيما يتعلق بإغلاق الحدود بين دول الاتحاد وتقييد حرية السفر والتنقل فإن معظم الدول الأوروبية فرضت قيودا وحظر سفر بين أقاليمها ومدنها الداخلية، ومن ثم فلا لوم إن هى أغلقت حدودها مع جيرانها خاصة الدول التى أصبحت بؤرا لجائحة فيروس كورونا المستجد.
ولا شك أن الاتحاد الأوروبى بنى على فكرة تحقيق الاندماج والتكامل الاقتصادى وحرية التجارة ليكون بمثابة حصانة ضد الحروب والصراعات التى عانت منها أوروبا على مدى قرون وكان أكثرها تدميرا الحرب العالمية الثانية. واستطاع الاتحاد الأوروبى على مدى نحو 70 عاما أن يحقق درجة عالية من الاندماج الاقتصادى والاستثمارات وحرية التجارة والعمالة، وأرسى قواعد عملة موحدة هى اليورو التى أصبحت واحدة من العملات الدولية القوية، كما أرسى قواعد إصدار جواز سفر أوروبى موحد لكل من يرغب من مواطنى جميع الدول الأعضاء، ووضع على الطريق برلمانا أوروبيا للاتحاد يرسى نواة لسلطة تشريعية قد تكون فى بدايتها، وقد تكون عليها تحفظات من عدة دول خاصة الدول جديدة العضوية فى الاتحاد، ووضع قواعد لرئاسة الاتحاد ولجنة أشبه بالحكومة وممثل للسياسة الخارجية والأمنية ليعبر عن المواقف الجماعية لدول الاتحاد تجاه القضايا الإقليمية والدولية مع ترك هامش من الحرية لتفاوت نسبى فى مواقف الدول الأعضاء من كل قضية وفقا لظروفها ومقتضيات مصالحها على أن يكون تفاوتا فى المدى وليس فى الجوهر وفى إطار ما اتفقت عليه أغلبية الدول الأعضاء.
ولا شك أن هناك تحفظات لعدد من الدول الأعضاء على سلطات الاتحاد الأوروبى فى بروكسل وترى فيها تجاوزا على سلطات الدولة الوطنية وسيادتها. كما أن بعض الدول، وخاصة دول شمال أوروبا، وبعض دول شرق أوروبا، تتخوف، بل إنها لا تخفى حساسيتها من نفوذ الدول الكبيرة فى الاتحاد الأوروبى وخاصة ألمانيا التى لديها أقوى اقتصاد وأقوى جيش تقليدى بين دول الاتحاد. ولكن تبقى كفة مزايا البقاء فى عضوية الاتحاد هى الأعلى لعدة اعتبارات منها:
• إن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فى إطار حلف الناتو، شهدت تغيرات ملحوظة منذ فترة حكم الرئيس بوش الابن حيث وصف وزير دفاعه دونالد رامزفيلد أوروبا بأنها القارة العجوز وسعى إلى التفرقة بين دول غرب أوروبا وشرقها والعمل على استقطاب دول شرق أوروبا نحو السياسة الأمريكية. وقد تطور الموقف الأمريكى ليصبح أكثر وضوحا فى ظل رئاسة الرئيس دونالد ترامب ومواقفه العلنية التى وصف فيها حلف الناتو بأنه أصبح لا وظيفة له، وفرض رسوما جمركية على صادرات عدة دول أوروبية بما فيها أقرب حلفائه سواء ألمانيا أو غيرها وأعلن أنه يتعين على الدول الأوروبية أن تتكفل بنفقات الدفاع عنها أو أن تتولى الدفاع عن نفسها.
وقد بدأت منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين دراسة محاولة تنفيذ فكرة إنشاء قوات أوروبية خاصة، رغم معارضة بعض الدول الأوروبية خاصة الدول الصغيرة، وقد عادت هذه الفكرة من جديد وبقوة بطرح من كل من ألمانيا وفرنسا.
إن الولايات المتحدة أصبحت منافسا أكثر منها شريكا للاتحاد الأوروبى، وهو ما اتضح فى الخلاف حول الملف النووى الإيرانى، والمنافسة التجارية، والاختلاف بشأن عدة قضايا أمنية ودولية والصراع العربى الإسرائيلى.
• صعود كل من روسيا والصين وتجمعهما فى عدة تكتلات سواء البريكس أو غيرها والمنافسة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية القوية وأن التباعد الأمريكى عن الاتحاد الأوروبى يدفع الأخير إلى مزيد من التماسك خاصة دول شرق أوروبا وتحسبها من عودة الهيمنة الروسية، هذا إلى جانب الدول أعمدة الاتحاد الأوروبى، وهما ألمانيا وفرنسا واللتان ستظلان حريصتان على بقاء وقوة الاتحاد من أجل مصالحهما ومصالح الدول الأوروبية الأخرى.
• إن صيغة الاتحاد الأوروبى تسمح بمساحة عريضة من التنوع الثقافى والعرقى وتترك باب حرية الاختيار مفتوحا إدراكا لحقيقة أن المسافات الجغرافية بين الدول الأوروبية ضيقة وهو ما يؤدى بالضرورة إلى رغبة شعب كل دولة أن يحتفظ بتميزه عن غيره مع وجود فرصة الاندماج مفتوحة أمامه.
• إن ما أدت إليه أزمة فيروس كورونا المستجد من حالة ركود اقتصادى والدخول فى مرحلة أزمة اقتصادية قد تمتد عامين أو أكثر، وما اتضح من أهمية وضرورة التعاون الدولى فى مواجهة الأزمات، لا شك سيكون دافعا قويا لبقاء وتعاون دول الاتحاد الأوروبى فيما بينها ومع المجموعات الاقتصادية الإقليمية والدولية الأخرى من أجل اجتياز هذه الأزمات والخروج منها بأقل الخسائر. وإن ما هو متوقع حدوثه هو تغييرات سياسية فى كل دولة على حدة ومحاسبة الحكومات القائمة حاليا على ما قد تكون قصرت فيه، أو أهملته فى مواجهة جائحة أزمة كورونا المستجدة وتبعاتها الاقتصادية. هذا مع إعطاء اهتمام خاص بالبحوث الطبية خاصة فى مجال البكتريا والميكروبات والفيروسات وصناعة الأجهزة والمعدات الطبية والاهتمام بتجهيز المستشفيات وذلك على ضوء أوجه القصور التى كشفتها جائحة فيروس كورونا المستجد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved