تفجير لبنان.. الأفخاخ المنصوبة!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 19 أبريل 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

هذه واحدة من أخطر اللحظات التى مرّت على لبنان منذ تأسيسه فى عشرينيات القرن الماضى.

الانقسام الداخلى فادح، والبلد مهدد فى وجوده وسلمه الأهلى.

تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنوانى نزع سلاح المقاومة والسلام القسرى مع إسرائيل.

تبدّت مفارقة كبرى فى دعوة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لوقف الحرب لعشرة أيام، بين حاجة لبنان الماسة إلى هدنة، ولو مؤقتة، يلتقط فيها أنفاسه ويضمد جراحه وينظر فى مستقبله، وبين الأفخاخ المنصوبة، وأخطرها أولوية نزع سلاح حزب الله، كأن السلام لا يتحقق إلا بتجريد لبنان من أية قدرة على الردع.

وفق المبادرة الأمريكية: «تحتفظ إسرائيل بحقها فى اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، فى أى وقت، ضد أى هجمات مخططة، أو وشيكة، أو جارية، ولا يعيق وقف إطلاق النار هذا الحق».

إنه تفويض شبه مطلق بضرب لبنان فى أى وقت، بذريعة أو بغير ذريعة.

قبل أن يبدأ سريان وقف إطلاق النار، أطلق «ترامب» تغريدة معاكسة: «كفى يعنى كفى»، طالبًا من إسرائيل، بصيغة أمر، أن تكف يدها عن ضرب لبنان، أو استهداف منشآته ومبانيه.

وفق موقع «أكسيوس» الأمريكى، أُصيب رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» ومن حوله بصدمة مفزعة، استدعت أن يطلب توضيحًا من إدارة «ترامب».

أى «ترامب» نصدق؟!

لا يوجد تناقض جوهرى.

المرة الأولى تعبر عن التوجهات الأمريكية المعتادة فى إطلاق يد إسرائيل بحجة الدفاع عن نفسها، فيما الثانية تعكس قلقه البالغ من أن تفضى أية ضربات إسرائيلية إلى تقويض عقد اتفاق سلام وشيك مع إيران، يتخلص بمقتضاه من الأضرار الوخيمة التى لحقت بصورته وشعبيته، وتكاد تكلفه عزله من منصبه إذا خسر الجمهوريون الانتخابات النصفية مطلع الخريف المقبل.

بقوة الحقائق- أولًا، فإن «نتنياهو» هو الذى ورّطه فى الحرب الكارثية على إيران، وهو غير مستعد أن يفسد اتفاقًا مع الإيرانيين فى مراحله الأخيرة.

بقوة الحقائق- ثانيًا، فإن المفاوض الإيرانى استخدم كل ما لديه من أوراق ضغط، خاصة مضيق هرمز، حتى يوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية بالتزامن مع وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية.

كانت تلك إحدى النقاط الرئيسية فى مذكرة العشر نقاط، التى نقلها الوسيط الباكستانى إلى البيت الأبيض.

غير أن «نتنياهو» ارتكب، فى اليوم التالى، واحدة من أبشع المجازر فى العاصمة اللبنانية بيروت، نالت من جميع مناطقها وطوائفها، لا الضاحية الجنوبية وحدها ــ معقل حزب الله والطائفة الشيعية ــ.

استهدف «نتنياهو» الفصل بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، والانفراد بالأخيرة، حتى يمضى قدمًا فى إنشاء منطقة أمنية بعمق عشرة كيلومترات داخل الجنوب اللبنانى، بذريعة حماية الشمال الإسرائيلى.

المعضلة الإيرانية ــ هنا ــ أنها إذا صمتت عن الاستفراد بلبنان، الذى دفع فواتير سياسية وإنسانية باهظة فى إسنادها، فإنها تفقد أى احترام وصدقية فى العالم العربى كله.

بقوة الحقائق ــ ثالثًا، فإن المقاومة اللبنانية نجحت بدرجة كبيرة، رغم فوارق السلاح، فى إلحاق خسائر فادحة بالقوات الإسرائيلية، خاصة فى المعارك البرية وجهًا لوجه فى بنت جبيل.

كان ذلك دافعًا إضافيًا لمبادرة «ترامب» لوقف الحرب على لبنان.

لم تهبط الحكمة فجأة على البيت الأبيض، لكنه حاول توظيف الحقائق المزعجة إلى انتصارات مجانية، تساعد فى إعادة بناء صورة الرئيس كواحد من أبطال السلام، الذين يستحقون الحصول على جائزة «نوبل»!

لم يتردد هو نفسه فى التصريح بأن هذه المرة العاشرة التى يوقف فيها حربًا!

 «البلد لم يعد فى جيب أحد، ولا ساحة لأحد».

كان ذلك تصريحًا مضادًا للرئيس اللبنانى «جوزيف عون»، ينزع عن إيران أى دور فى وقف الحرب، أو أى حق فى التفاوض بالنيابة أو بالتنسيق.

 «التفاوض تعبير عن قوتنا».

كان ذلك تزيدًا فى غير محله، فالقوة تصنعها التوافقات الوطنية الواسعة، وعدم تعريض البلد لانفجارات داخلية هو فى غنى عنها، لا التماهى مع الطلب الإسرائيلى بنزع سلاح حزب الله، كأنه تعبير وحيد عن السيادة!

لا يمكن قياس ما هو طبيعى على ما هو غير طبيعى.

حصرية السلاح فى يد الدولة حق أصيل لكل الدول، كما احتكار قرارى الحرب والسلام.

ذلك مما لا يصح النقاش فيه، لكن كيف؟.. وبأية مقاربة؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

يحتاج لبنان أن يحاور نفسه أولًا، ويضع الأمور فى نصابها.

هذه ضرورة أولى.

إذا لم تكن هناك استراتيجية دفاعية قوية وفعّالة، فإن نزع سلاح المقاومة هدية مجانية للإسرائيليين، حتى يكون لبنان مستباحًا بالكامل.

هذه ضرورة ثانية.

حسب حزب الله، فإنه «ملتزم بوقف إطلاق النار بطريقة حذرة ومشروطة».

بصياغة أخرى: «أيدينا على الزناد».

الالتزام قضية وحدة وطنية لا يصح خرقها فى أحوال حرب وتخريب لمقدرات البلد، أو ما تبقى به من مقدرات.

التأهب واجب، وإلا فإنه تسليم على بياض بكل ما يريده الإسرائيليون.

يلفت النظر ــ هنا ــ أن طلب نزع سلاح حزب الله يترافق مع طلب مشابه لنزع سلاح «حماس».

تجريد المقاومة من سلاحها يستهدف، إسرائيليًا، إفساح المجال كاملًا أمام قوات الاحتلال للتمدد والتوسع على حساب كل ما هو عربى وإنسانى.

حسب تصريح لافت آخر، أكد «نبيه برى»، رئيس مجلس النواب، أن: «الوحدة الوطنية والسلم الأهلى خطان أحمران».

رغم شبه التوافق الشعبى على إبعاد سيناريو الحرب الأهلية، التى أهلكت لبنان على مدى خمسة عشر عامًا بين (1975 ــ 1990)، إلا أن التحريض عليه لا يتوقف من بعض جماعات الداخل، متحالفة علنًا أو ضمنيًا مع المطلب الإسرائيلى بنزع سلاح المقاومة فورًا.

وفق «نتنياهو» نفسه، فإن «إزالة سلاح حزب الله يتطلب وقتًا وعملًا سياسيًا وعسكريًا معًا».

بمعنى آخر، إنها حرب طويلة وصعبة على جبهتى السياسة والسلاح.

إذا ما استجاب الرئيس اللبنانى لدعوة «ترامب» أن يلتقى «نتنياهو» فى البيت الأبيض، فإن هذا الاجتماع سوف تتولد عنه هزات عنيفة داخل البيت اللبنانى، تقوض أى استقرار وتنسف كل وحدة أو قدرة على التفاهم الوطنى.

فى خطابه للشعب اللبنانى، استعار الرئيس «جوزيف عون» من قاموس الرئيس المصرى الراحل «أنور السادات»، قبل ذهابه إلى الكنيست، عبارة مثقلة بمخاوفها، أبدى فيها استعداده للذهاب إلى أى مكان من أجل اللبنانيين.

إنه فخ منصوب، أيها الرئيس!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved