أمريكا بين سياسة العزلة والاندماج

ماجدة شاهين
ماجدة شاهين

آخر تحديث: الخميس 19 مايو 2016 - 10:05 م بتوقيت القاهرة

على الرغم من أن الأمر لم يحسم بعد، ترجح أغلب الشواهد ــ إن لم يكن جميعها ــ إلى أن الانتخابات الأمريكية العامة فى نوفمبر ستكون بين كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطى والبليونير ترامب عن الحزب الجمهورى، ويبدو أنهما المرشحان اللذان يحظيان بأقل ثقة بين الناخبين. ومن المتوقع أن تكون الحرب بينهما طاحنة، ولذا يكون من المناسب أن نبدأ فى تناول بعض نقاط الخلاف بينهما والتعمق فى فهم هذه الخلافات، بما يؤهل دولنا التعامل معها بشكل عملى دون انفعال أو مبالغة.

بدأت الخطوط العريضة للجدل بين المرشحين تتبلور وتتضح أكثر فأكثر. وتتركز ثقل حجج البليونير ترامب على حالة الاقتصاد الأمريكى وتدهوره بشكل ملحوظ ومشكلة الهجرة غير الشرعية واعدا بإعادة الولايات المتحدة إلى مجدها السابق، حتى وإن تطلب ذلك العودة مرة أخرى إلى سياسة العزلة حماية للمصالح الأمريكية أولا ضاربا عرض الحائط باهتمامات المجتمع الدولى ككل. بيد أن كلينتون تميل إلى اتباع مسلك مخالف تماما، والمضى قدما فيما حققته الولايات المتحدة من نجاحات من خلال الاندماج فى النظام الدولى، بما يضمن لها الاستمرار فى قيادة العالم، وهو ما تعتبره حق الولايات المتحدة وحكرا عليها.

وتأرجحت الولايات المتحدة بين هذين النهجين، العزلة والاندماج، طوال فترة تاريخها ومنذ حربها ضد الاستعمار البريطانى فى نهاية القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا. ويميل ترامب من خلال شعاره «أمريكا أولا» إلى إعادة سياسة العزلة إلى الأذهان، والتى أرسى قواعدها جورج واشنطن، الرئيس الأول للولايات المتحدة وطالب أعضاء الكونجرس حينئذ بعدم الانخراط فى الحروب الأوروبية التى لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وظلت الولايات المتحدة تتبع سياسة العزلة طوال أكثر من مائة وخمسين عاما حتى بعد طرح الرئيس وودرو ويلسون فكرة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى والتى رفضها الكونجرس محجما عن الاندماج فى المجتمع الدولى مفضلا العودة مرة أخرى إلى حالة البيات الشتوى.

وما فشل وودرو ويلسون فى تحقيقه، نجح فيه روزفلت من خلال إقناع الكونجرس الأمريكى بعد الحرب العالمية الثانية بضرورة الاندماج فى المجتمع الدولى، وأنشأت الولايات المتحدة الأمم المتحدة على غرار عصبة الأمم وأصبحت أكبر مساهم فيها. وليس المجال هنا لسرد نجاحات الولايات المتحدة من خلال اندماجها فى المجتمع الدولى، وتربعها على قمة النظام الاقتصادى والتجارى الدولى دون منافس من خلال جعل عملتها الاحتياطى العالمى وإرساء قواعد النظام ومؤسساته فى أعقاب الحرب العالمية الثانية. ولكن السؤال الذى يطرح نفسه هو كيف يتأتى للولايات المتحدة – على نحو ما يطالب به ترامب – أن تتراجع عن هذا النظام التى ما زالت تتحكم فيه من خلال مؤسسات بريتون وودز التى عفا عليها الزمن.

 

***

ما يرفضه ترامب هو مبادلة الولايات المتحدة المصالح مع سائر دول العالم، لا سيما الصاعدة منها، وعلى رأسها الصين، مهددا أنه إن لم تنصاع الصين لمطالب الولايات المتحدة، فستوقع الأخيرة عليها العقوبات. ولا يؤمن ترامب بإقامة نظام دولى أكثر ديمقراطية وأكثر توازنا، فيرفض العولمة التى ابتدعتها الولايات المتحدة ويرفض نظاما دوليا يكون الحكم فيه أكثر رشدا وعدالة بحجة أن مثل هذا النظام لا يخدم المصالح الأمريكية. أما كلينتون، فهى على يقين من أنه لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عن العالم ولا يمكنها العودة إلى سياسة العزلة. وتعطى كلينتون الانطباع – وإن كان ظاهريا – بأنها أكثر انفتاحا لإعادة التفاوض حول قواعد جديدة أكثر ملاءمة للتغييرات الجذرية التى طرأت على عالمنا اليوم. أى بعبارة أخرى، تقبل نظاما متعدد الأطراف بشرط أن تبقى الولايات المتحدة فى مقعد القيادة.


ولفترة كادت الهوة بين سياسات الحزبين أن تتلاشى، حيث اتجه كل منهما إلى سلوك الطريق الوسط فى سياساته. فلم يكن هناك خلافا كبيرا بين الديمقراطى بيل كلينتون والجمهورى جورج بوش الابن، فكلاهما اتبع سياسات أحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، غير مبالين بالمجتمع الدولى. فالفارق الوحيد بينهما كان فى طريقة الإخراج. وكذلك الوضع بالنسبة للرئيس أوباما الذى كثيرا ما يغلف سياساته بالتوافق الدولى، غير أن سياساته ليست أقل انفرادية عن سابقيه غير عابئ بحلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة.

 

 


***

وجاء ترامب ليعيد إلى الأذهان العودة إلى سياسة العزلة من خلال طرح شعار «أمريكا أولا» وهو الشعار الذى نادت به إحدى المجموعات إبان الحرب العالمية الثانية مطالبة بعدم دخول الولايات المتحدة الحرب والاحتفاظ بسياستها الانعزالية وابتعادها عن العالم.


وتتسع الفجوة اليوم بين سياسات الحزبين من خلال القوى المعارضة على مستوى القاعدة الشعبية وحركة برنى ساندرز المرشح الاشتراكى الديمقراطى التى تدفع الحزب الديمقراطى أكثر يسارا، والقاعدة الشعبية المؤيدة لترامب والرافضة للمؤسسة التى تسحب الحزب الجمهورى أكثر يمينا، ويبتعد الحزبان بقوة عن سياسات الوسط. فلا شك أن النجاح الذى يحققه ترامب يرجع أساسا إلى الاستياء العام إزاء حالة الاقتصاد الأمريكى ورفض الشعب الأمريكى للنخبة السياسية التى تديره. ويعتبر ترامب بالنسبة لناخبيه الورقة الرابحة فهو الذى سيعمل على إعادة فرص العمل للشعب الأمريكى والتصدى لما هم مقتنعون به من أن العالم يقوم باستغلال الولايات المتحدة وليس العكس، وذلك لسماحة ورحابة صدرها. وانتقد ترامب فكرة العولمة، التى تمثل مزيدا من الاندماج، قائلا إنه لن يسمح لبلاده بالرقص على نغمة العولمة الكاذبة التى لا تحقق مصلحة الولايات المتحدة من قريب أو بعيد بل تزيد من أعبائها وتحملها مسئوليات هى فى غنى عنها.


وبينما يطالب ترامب بالعودة إلى سياسة العزلة منتقدا اتفاقيات التجارة الحرة، ويعلو صوته بالمناداة باتباع سياسات الحماية، وهى سياسة لم تنتهجها الولايات المتحدة إلا فى ظروف استثنائية مثل فترة الكساد العالمى ويرفضها الحزب الجمهورى نفسه شكلا وموضوعا، تعتنق كلينتون فلسفة إبقاء الولايات المتحدة جزءا لا يتجزأ من النظام الدولى بما تجنيه من مكاسب هائلة من جرائه.

 


***

 


وبهذه المقارنات لا أريد أن أجزم من سيكون الأصلح لمنطقتنا، كما أن هذين المنهجين لا يتم تطبيقهما بشكل مطلق. ويبقى الخلاف قائما بين المرشحين فى كيفية مواصلة الحرب ضد الإرهاب والتغلب على دولة داعش. ويتطلب منا موقف ترامب إزاء منطقة الشرق الأوسط وقفة تأملية، فهو قد أسماها بالمستنقع واعتبر أن المنطقة لا تدخل ضمن أولويات بلاده. وانتقد ترامب سياسات بوش الابن وأوباما على حد سواء، واستهزأ بسياسة المحافظين الجدد الذين دفعوا بوش إلى غزو العراق، وبدا ترامب مقتنعا منذ البداية أنها حرب كارثية وأنه لطالما حذر من نتائجها. كما يسخر ترامب من فلسفة بوش فى إعادة بناء دول المنطقة على غرار الديمقراطيات الغربية، زاعما (أى بوش) أنه المسلك الوحيد الذى يمكن به محاربة الإرهاب. ويؤكد ترامب أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تكف عن الدفع بمثل هذه السياسات الواهنة مقتنعة أنه يمكن لها بناء الأمم على صورتها. كما يؤكد ترامب أنه من السهولة بمكان التغلب على داعش وقهر جيشها فى غضون أيام معدودة، غير أنه يؤثر عدم الإفصاح عن خطته فى هذا السياق للاحتفاظ بعنصر المفاجأة فى التكتيك.


وطالب ترامب أصدقاء الولايات المتحدة، وعلى رأسهم المملكة السعودية بدفع ثمن المظلة الأمنية التى تكفلها لها بلاده، كما أعلن عن أحقية الولايات المتحدة فى الحصول على نسبة من سعر النفط العراقى لما تكفله من حماية للعراق. فلن تقبل الولايات المتحدة بعد اليوم براكبى القطار مجانا أو غض البصر عن حقوقها. ولا أدرى من أين يستقى ترامب معلوماته هذه، غير أن ما صرح به الرئيس أوباما أخيرا من أن معلومات ترامب عن السياسة الخارجية تأتى من لقاءاته مع ملكات جمال العالم تبدو صحيحة، زاعما أنهن يمثلن ما يشير إليه ترامب من صداقات ولقاءات عديدة مع زعماء من أنحاء العالم.


وعلى الرغم من أن كلينتون كانت من بين الصقور فى إدارة أوباما ودفعت الإدارة إلى الرضوخ لها وغزو ليبيا، فيبدو أنها تميل اليوم إلى سياسة أكثر عقلانية رافضة الاندفاع إلى تغليب الحل العسكرى. وترى كلينتون، مثلها فى ذلك مثل الرئيس أوباما، أن مسئولية محاربة الدولة الإسلامية تقع أولا وأخيرا على دول المنطقة، وعلى الولايات المتحدة الاكتفاء بالتدريب والتزويد بالعتاد، وعدم الزج بمزيد من القوات الأمريكية على الأرض.


***
وأخيرا يتعين علينا التأكيد مرارا وتكرارا أن منطقة الشرق الأوسط لا تشكل أولوية بالنسبة لكلا المرشحين الجمهورى والديمقراطى، اللهم إلا بالنسبة للاتفاق النووى الإيرانى، من ناحية، وأمن إسرائيل من ناحية أخرى. وبينما يتفق المرشحان على النقطة الثانية، بأن أمن إسرائيل غير قابل للمناقشة، فهما على النقيض بالنسبة للاتفاق النووى الإيرانى. ففى حين تلتزم به كلينتون وهى من أشد المؤيدين له، مع ضرورة مراقبة التنفيذ من قِبَل إيران، فإن ترامب يرفضه شكلا وموضوعا، حيث يعتبره تهديدا لأمن الولايات المتحدة وأمن إسرائيل، متوعدا بإعادة فتحه والتفاوض عليه من جديد.


وتؤكد لنا هذه الخلافات بين المرشحين، التى من شأنها تغيير الأرضية السياسية ومنهجية الحزبين، تؤكد لنا أننا أمام انتخابات عامة غير عادية، وعلينا ترقب جميع الاحتمالات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved