تناقضات الناخب الأمريكى

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الخميس 19 مايو 2016 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

تشير معظم التحليلات التقليدية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى انعدام فرص المرشح دونالد ترامب فى الظفر بالبيت الأبيض فى نوفمبر المقبل. ولا يتعلق فوز هيلارى كلينتون فى هذه الحالة بشخص أو برامج ترامب الانتخابية، بل يتخطاه لكى ينطبق كذلك على أى مرشح جمهورى آخر. وتشير خريطة انتخابات عامى 2008 و2012، واللتان اكتسحهما المرشح الديمقراطى باراك أوباما إلى أن فوز كلينتون مؤكد بدرجة كبيرة، إلا أن الناخب الأمريكى اليوم تحكمه عدة تناقضات قد تدفعه لتحقيق مفاجأة أو صدمة كتلك التى أتت بدونالد ترامب كمرشح للجمهوريين فى وقت لم يتخيل ذلك أحد قبل أشهر قليلة. من هنا يجب أن ندرك أن أمريكا تعيش لحظة استثنائية لا يجب أن نتبع معها فقط الأساليب التقليدية فى الفهم والتحليل.


***

فاز أوباما بانتخابات 2008 ظافرا بنسبة 52.9% فقط من أصوات الناخبين، إلا أنه اكتسح المرشح الجمهورى جون ماكين بفوزه بـ365 صوتا مقابل 173 صوتا لماكين من أصوات المجمع الانتخابى. وفى انتخابات 2012، حصل أوباما فقط على أصوات 51.1% فقط من الناخبين، إلا أن هذه النسبة عادلت 332 صوتا من أصوات المجمع الانتخابى، مقابل 206 صوتا لمنافسه ميت رومنى. فاز ماكين بـ22 ولاية وفاز رومنى بـ24 ولاية إلا أن هذه الولايات لم تمثل أى خطر، ولم يقترب الجمهوريون إطلاقا من تهديد فرص أوباما باكتساح الانتخابات!.. كيف ذلك؟.. الإجابة تتمثل فى طبيعة الانتخابات الرئاسية وما يطلق عليه «المجمع الانتخابى Electoral College».


تعرف أمريكا ظاهرة فريدة يطلق عليها «المجمع الانتخابى Electoral College» والذى يتكون من 538 عضوا. لكن فى الواقع ليس هناك أعضاء فعليون يمكن تسميتهم، بل يعد المجمع انعكاسا متطابقا لعدد أعضاء مجلسى الشيوخ والنواب فى الكونجرس. ويحسب نصيب كل ولاية من أصوات المجمع الانتخابى طبقا لعدد ممثليها فى مجلسى الكونجرس. من هنا لكل ولاية عضوين فى مجلس الشيوخ، وعدد آخر من الأعضاء فى مجلس النواب يعكس عدد سكانها. وعلى سبيل المثال يبلغ ممثلو ولاية كولورادو (5.5 مليون نسمة) 9 أصوات فى المجمع الانتخابى، فهى لديها عضوان فى مجلس الشيوخ، وسبعة أعضاء فى مجلس النواب، أما ولاية كاليفورنيا (عدد سكانها يقترب من 40 مليونا) فلها 55 عضوا (اثنان فى مجلس الشيوخ و53 عضوا بمجلس النواب) . وباستثناء ولايتى نبراسكا وماين، اللتان تطبقان نظاما نسبيا، يتبع المجمع الانتخابى مبدأ أن من يحصل على أغلبية أصوات الناخبين فى إحدى الولايات، يحصل على جميع أصوات أعضاء المجمع الانتخابى الممثلين لهذه الولاية. فمجرد حصول أحد المرشحين على أغلبية بسيطة فى ولاية كاليفورنيا على سبيل المثال 51% من أصوات الناخبين، يحصل الفائز على جميع أصوات المجمع الانتخابى للولاية البالغ عددها 55 صوتا. من هنا يمكن القول إن هناك 51 انتخابات أمريكية منفصلة (50 ولاية + واشنطن العاصمة)، ويحدد مجموع نتائجها هوية الرئيس أو الرئيسة القادمة. ولدخول البيت الأبيض يحتاج المرشح إلى 270 صوتا ــ أى النصف زائد واحد ــ على الأقل من مجمل أصوات أعضاء المجمع الانتخابى كى يظفر بالبيت الأبيض.


***

وأى نظرة موضوعية على الخريطة الانتخابية تدعم وجهة النظر القائلة بأن هيلارى كلينتون هى الرئيس المقبل للولايات المتحدة. ويعتقد البعض أن كلينتون ستفوز فى أغلب الولايات التى فاز بها أوباما عامى 2008 و2012، وستحقق النصر حتى مع خسارتها لبعض الولايات المتأرجحة تاريخيا مثل فلوريدا وأوهايو وفيرجينيا معا.


ومع دعم معظم استطلاعات الرأى لوجهه النظر السابقة، إلا أن هناك محددات أخرى لا يجب تجاهلها، ومنها:
أولا: هل هناك أهمية للاستطلاعات السلبية عن المرشح ترامب، والتى يشير أغلبها إلى أن ثلثى الأمريكيين لا يطيقونه، ولديهم نظرة سيئة للغاية فيه؟ فى ذات الوقت يرى فيه ثلثا الأمريكيين أيضا أن بلادهم تسير فى الاتجاه الخاطئ (اتجاه حكم الإدارة الديمقراطية).
ثانيا: رغم ارتفاع حظوظ المرشحة كلينتون، فإنها تمثل لفئات كبيرة مرشحة الحفاظ على الوضع القائم كما هو، فى حين يمثل ترامب نموذج من خارج المؤسسة السياسية، أى أنه مرشح التغيير، وكلينتون مرشحة الجمود. يرى الكثيرون ترامب كشخص فظ، أهان وتعصب ضد المكسيكيين والمسلمين والمعاقين والنساء، إلا أن نسبة كبيرة تدرك أنه فقط يستخدم هذا الخطاب المتدنى والمثير لمعركة انتخابية تمهيدية مؤقته وسط الجمهوريين ممن دفعهم «حزب الشاى» لأقصى اليمين خلال العقد الأخير.
ثالثا: الناخب الذى جاء بجورج بوش الابن لفترتين رئاسيتين، أعقبهما باختيار أوباما كأول رئيس أسود ذى جذور إسلامية لفترتين أيضا، لا يمكن للمراقبين أن يطبقوا معه فقط المناهج التقليدية المتعارف عليها فى الانتخابات السابقة. الناخب الأمريكى unpredictable لا يمكن توقع سلوكه فى اللحظات الأخيرة.


رابعا: أعرب ثلث ممن يصوتون للمرشح الاشتراكى الديمقراطى بيرنى ساندرز أنهم لن يصوتوا لمرشحة المؤسسة الديمقراطية ومرشحة وول ستريت هيلارى كلينتون فى الانتخابات الرئاسية. ويتركنا هذا مع معادلة صعبة تستلزم إدخال عنصر المصوتين وعنصر المضربين عن التصويت يوم الانتخابات المقبلة.


***

رغم انقسام الجمهوريين وتفاعلات أزمتهم غير المسبوقة، ورغم تحسن الاقتصاد الأمريكى، ورغم استمرار التغييرات السكانية التى تزيد من أهمية الوزن السياسى للأقليات العرقية والدينية والتى تصب فى مصلحة الديمقراطيين، فإن ترامب له بعض الحظوظ. من منا كان يتخيل أنه سيهزم بسهولة مرشحى المؤسسة الجمهورية الغنية، مثل جيب بوش، من تخيل هزيمته لمرشحى «حزب الشاى اليمينيين»، رغم تشكيك البعض فى درجه إيمانه بقيم وتقاليد وأيديولوجية المحافظين الجمهوريين.
فى لحظات الإثارة.. يقل دور العقل فى اتخاذ القرار.. ولا يمكن الاتفاق على شىء بخصوص هذه الانتخابات.. إلا أنها شديدة الإثارة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved