التصعيد و«صفقة العصر»

سمير العيطة
سمير العيطة

آخر تحديث: الأحد 19 مايو 2019 - 11:00 م بتوقيت القاهرة

وصل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى حدود حافّة اندلاع حرب. لقد فَرَضَت الولايات المتحدة حظرا شبه شامل وكامل على تصدير النفط الإيرانيّ ومواردٍ أُخرى، ما قد يعتبره الإيرانيّون بحد ذاته إعلان حرب. والطرفان يرفعان وتيرة التهديدات المتبادلة ويحشد كلّ منهما حلفاءه لمعركة قد تشعلها حادثةٌ قد تقع.
يعيد هذا التصعيد إلى الذاكرة ما حدث فى أوائل الخمسينيات عندما أمّمت حكومة محمد مصدّق المنتخبة ديموقراطيًا النفط بعد أن كانت بريطانيا تستغله حصريًا بشروط مجحفة فى حين كان له الدور المهم فى صمودها أمام النازيّة. وكانت الولايات المتحدة قد وقّعت بالتوازى اتفاقيات لاستغلال النفط السعودى، أيضا بشكلٍ حصرى، ولكن بشروط أفضل بكثير للبلد المنتج. لا كَرَما تجاه السعوديّة بل تخوّفا من نفوذ سوفيتى محتمل. شاركت حينها الولايات المتحدة بريطانيا فى فرض حصار على تصدير النفط الإيرانى ما أدّى إلى سقوط النظام الديموقراطى وعودة حكم الشاه الاستبدادى وإلى تقاسم بريطانيا وأمريكا النفط الإيرانى.
يرتبط احتمال نشوب الحرب بين البلدين بالتوجّه الجديد الذى أطلقه الرئيس ترامب للسياسات الأمريكيّة، والذى يُمكن اختصاره بتعبير «أمريكا العظمى أوّلا». توجّه يبتعِد عن تعدديّة الأقطاب ولا يأبه لا بالأمم المتحدة ولا حتّى بصندوق النقد. يهدِف قبل كلّ شيء إلى كبح نموّ الصين وإلى إضعاف كلّ الأقطاب المقابلة بما فيها الاتحاد الأوروبى، حليفه التاريخيّ. وتوجّه تمارس فيه الولايات المتحدة سلطة إصدار قرارات وتفرض، بناءً على مصالحها الضيّقة، شروط اللعبة مع كلّ قطبٍ وكلّ دولة. ضمن مثل هذا التوجّه تبرز أهميّة الهيمنة على النفط الإيرانى، المورد الأساسى للصين والهند، ثمّ بالتوازى مع محاولة الهيمنة على النفط الفنزويلى، ضمن سياق فسخ عقودٍ تعتمد التجارة الحرّة كركيزة للعلاقات الدوليّة.
***
تراود هذه الطموحات صقور الإدارة الأمريكيّة من أمثال جورج بولتن ومايك بومبيو اللذين يعتبران أنّ دونالد رامسفيلد وديك شينى اللذين دفعا إلى غزو العراق.. كانا من الحمائم. إلاّ أنّ الوعود الانتخابيّة السابقة بتقليص التدخّلات الأجنبيّة واقتراب موعد تجديد الولاية للرئيس وتداعياتها طويلة الأمد، تخلق كلّها إشكاليّات قد تكبح وصول هذا التصعيد إلى نهاياته. كما تأتى أيضا كلفة الحرب التى يجب تحميلها لبلدان المنطقة، المنهكة أصلا اقتصاديا، والموعودة بدايةً بتحمّل كلفة «صفقة العصر» مع إسرائيل. هنا يبرز السؤال التالى: هل ستَرجَح كفّة المصالح الأمريكيّة البعيدة الأمد؟
التساؤل أيضا عن تزامن هذا التصعيد الأمريكى، كما الضغوط الكبيرة القائمة على تركيا وعلى البلدان العربيّة الخليجيّة، مع «صفقة العصر» المفترضَ إعلان ملامحها فى نهاية شهر رمضان، والتى يتمّ تداول إملاءاتها فى أروقة قادة هذه البلدان. بالطبع يأمل أصحاب هذا المشروع ــ الصفقة ــ أن تكفى تدفّقات أموال على الشعوب التى ستحرم من حقوقها كى ترضى بالتخلّى عن القدس والجولان وما هو أشدّ قسوةً أن تقبل التطبيع العلنيّ مع نظام «فصلٍ عنصرى» فى إسرائيل. فها هى الأموال تتدفّق لشراء صمت فلسطينيّ غزّة كى لا يعكّروا صفوة.. «مسابقة غنائيّة».
لكنّ قبول الشعوب العربيّة بهذه الصفقة غير مضمون، حتّى تلك التى أقامت سلاما وتعاونا صريحا مع إسرائيل، وحتّى تلك المشغولة بانتفاضاتها الشعبيّة ضدّ الفساد والاستبداد أو فى صراعاتها الداخليّة. ذلك أنّه رغم كلّ الشحن الطائفى والقوميّ الذى جرى فى السنوات الأخيرة، تبقى قضايا فلسطين والقدس ذات حساسيّة قويّة تاريخيّة حضاريّة لدى شعوب المنطقة، العربيّة منها.. وغير العربيّة.
هكذا قد يتخوّف القائمون على مشروع «الصفقة الكبرى» من أن تستغلّ تركيا وأكثر منها إيران الغضب الشعبيّ تجاه إملاءات الصفقة، وأن تتلاشى خلف صفاقة أُطروحاتها الخلافات المذهبيّة أو القوميّة، أو الخلافات بين الإسلام السياسى والوطنيّة العلمانيّة. لذا قد يبدو لهم من الضرورى إضعاف أيّ بلدٍ أو قوّة يُمكن أن يُعكِّرا.. مسابقة الانخراط فى الصفقة.
***
كثيرٌ من العرب لهم خلافات كبيرة مع إيران وقادتها وكذلك مع تركيا ورئيسها. لكنّ هذه الخلافات تشابه تلك التى عاشتها وتعيشها البلدان العربيّة بين بعضها، بين الأردن ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة أو بين الجزائر والمغرب فى الماضى، وبين قطر وغرمائها الخليجيين اليوم. والمشكلة الكبرى هى غياب أيّة آليّة إقليميّة لحلّ مثل هذه الخلافات، لا بين البلدان العربيّة ولا مع دول الجوار التى تشاركت مع العرب الحضارة الإسلاميّة. بل إنّ الأنكى أنّ هذه الخلافات على القوّة والنفوذ أضحت تُصَنَّف «عداءً وجوديّا» أكثر من العداء مع إسرائيل التى شرّدت الفلسطينيين وعربا آخرين واحتلّت أراضٍ وما زالت تتوسّع.
انغمست إيران بالفعل فى صراعات المنطقة العربيّة، خاصّة عبر دعمها لحزب الله فى لبنان ودفاعها المستميت عن سلطة الأسد فى سوريا. ويعتبرها كثيرٌ من السوريين مسئولةً مع الرئيس السوريّ عن القتل والإجرام والدمار وعن حالة التقسيم التى وصلت إليها البلاد. كان انخراطها فى سوريا متوقّعا لأنّ سوريا كانت البلد العربيّ الوحيد الذى وقف إلى جانبها يوم قام صدّام حسين بغزوها. كما أنّ سوريا كانت من وقف وراء حزب الله والمقاومة اللبنانيّة فى حرب تحرير الجنوب. إيران مسئولة عن الكارثة الإنسانيّة والسياديّة السوريّة، لكنّ المسئوليّة تقع أيضا على دولٍ أخرى عربيّة وغير عربيّة.
كذلك انغمست تركيا فى صراعات المنطقة العربيّة، خاصّة عبر دعمها لفئات إسلام سياسى ركبت موجة «الربيع العربى» كى تستأثر بالسلطة وعبر دفعها لمتطرّفين من كلّ أصقاع الدنيا كى يأتوا ليجعلوا دولا عربيّة، وخاصّة سوريا، ساحات حربٍ مدمّرة. لم يكُن فرض النفوذ هو السبب الوحيد لتدخّل تركيا وإنّما أيضا هواجس تفتّت البلاد الداخليّ فى صراعاتٍ قوميّة. لكن ما كان لتدفّق المتطرّفين أن يحدث دون معرفة، بل تواطؤ، الولايات المتحدة ودولٍ أوروبيّة. تركيا أيضا يحمّلها جزءٌ من السوريين قسما كبيرا من مسئوليّة الكارثة السوريّة.
وهنا يبقى السؤال حول مآلات التصعيد الكبير مع إيران والضغوط على تركيا والشرذمة بين البلدان العربيّة وداخل كلّ بلد فى ظلّ غياب أيّة آليّة لحلّ الخلافات والتفاوض لإرساء الاستقرار، وتحديدا فى سياق الصدمة التى ستشكّلها «صفقة العصر»؟ وهل إسرائيل هى مستقبل العالم العربي ــ الإسلاميّ فى زمن «أمريكا العظمى أوّلا»؟
زمنٌ صعب ليست المنطقة وحدها من سيتحمّل تبعاته، بل أيضا الصين وأوروبا وغيرهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved