السمان والخريف

محمود قاسم
محمود قاسم

آخر تحديث: الجمعة 19 يونيو 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

فى منتصف الستينيات، ونحن فى عمر الصبا كانت كتابات نجيب محفوظ الجديدة تبهرنا بموضوعتها المعاصرة وحوادثها الساخنة، لذا كانت السينما سرعان ما تحول هذه الأعمال إلى أفلام سينمائية ناجحة، وكانت أهم ميزة فى تلك الأفلام أنها جعلت كثيرًا من المخرجين فى أفضل حالاتهم، ومنهم حسن الإمام وصلاح أبوسيف وحسام الدين مصطفى الذى أخرج للكاتب عدة أفلام مهمة، منها «الطريق» و«السمان والخريف».

وفى تلك السنوات كان نجيب محفوظ قد وجد فى داخله كاتبًا مختلفًا تمامًا سواء فى الموضوعات التى يكتب عنها أو فى الأماكن التى تدور حولها هذه القصص منها أنه ذهب إلى الإسكندرية مع رفاق الصيف وعرف الثغر فقط من خلال عينيه المراقبتين التى تتطلع نحو الأفق والكورنيش، وبدا فى هذه الأعمال عكس أعماله السابقة كلها، ما عدا «السراب» عبارة عن قصة شخصية واحدة تتبعها فى مراحل حياتها الجديدة حتى تصل إلى مرحلة ما بعد التحول، فرواية «بداية ونهاية» مثلًا هى رواية عائلية، ففى كل فصل جديد نتجول مع أحد أبطال هذه الأسرة حسن وحسنين وحسين وأيضًا الأخت نفسية، أما فى «السمان والخريف» فإننا فقط أمام عيسى الدباغ، وهو فى مرحلة نضجه، كانت هذه الشخصية ذات مكانة ملحوظة فى إحدى الحكومات الأخيرة قبل قيام ثورة يوليو، فلما جاء الحدث الكبير صار من المهم تطهير الإدارات من أمثال عيسى الدباغ، وكل ما فعله أن سافر إلى الإسكندرية حيث بدا يقضى وقت الخريف على رصيف مقهى فى منطقة كليوباترا التى يقع شارع العاهرات خلف هذه المقهى تمامًا المعروف باسم «شارع طيبة»، وعلى طريقة الحياة فى هذا الحى الملىء بالطلاب والعاهرات فإن إحدى بنات الليل واسمها ريرى تطل عليه ذات ليلة وكل ما تطلبه هو قضاء الليلة معه حتى الصباح إلا أنها لا تغادر وتبقى فترة أطول، ربما عدة أشهر بعد أن امتلأت بطنها بحمل لا شك سوف يأتى لأبيه بالكثير من المشاكل، وبكل قسوة فإن عيسى يطرد المرأة ويبدأ فى البحث عن زوجة بعد أن ذهبت خطيبته السابقة لتتتزوج من ابن عمه المنتمى إلى ثورة يوليو، فيكون نصيبه الزواج من امرأة خاملة كثيرة الصراخ والغيرة وتزيد من شعوره بالملل والغضب فيطردها، ويرى ريرى ذات يوم وهى تمتلك مقهى ويعرف أنها تزوجت العجوز صاحب المقهى، وأنها نسبت ابنتها إليه ويحاول عيسى الدباغ استدراج ريرى إلا أنها لبست رداء الشرف وراضيت بحياتها الجديدة وطردت حبيبها القديم من المقهى إلى الأبد، هذا المصير يحدث لعيسى الدباغ فى الرواية، فهو شخص ملفوظ الجانب من أطراف عديدة، وقد اتخذ من الإسكندرية مقامًا له، وفى السيناريو الذى كتبه أحمد عباس صالح ويستكمل كتابة الحدوتة على طريقته، فلماذا لا تنتبه ريرى إلى حقيقة ما فعلته، وتذهب مع ابنتها الصغيرة للبحث عن عيسى فى حديقة محطة الرمل تحت قدمى تمثال سعد زغلول، ويسمع عيسى الكلمة الجميلة بابا بصوت الطفلة علا رامى، ويأتى أحد أصدقاء عيسى ليبلغه بأن العصر الجديد يرحب به شريكًا فى بناء الوطن.


لم يتم تغيير الكثير من أحداث الفيلم عندما تحولت الرواية إلى سينما وبدا كأن نجيب محفوظ كان يكتب روايته وعينه على السينما فقد حدث هذا فى أغلب ما كتبه فى الستينيات، منها: روايات «ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل» و«الطريق»، وقد شجع هذا محفوظ أن يكون أهم من يكتب للسينما فى المرحلة التالية طوال ثلاثة عقود من عمر السينما المصرية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved