العليل والتحاليل
أشرف البربرى
آخر تحديث:
الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 7:11 م
بتوقيت القاهرة
فى تفسيره لمعاناة الأغلبية الساحقة من الشعب المصرى من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وعدم شعور المصريين بما يتحدث عنه المسئولون من نجاح الإصلاحات الاقتصادية وتحسن الأحوال، قال محمد معيط، وزير المالية السابق والمدير التنفيذى وممثل المجموعة العربية لدى صندوق النقد الدولى حاليا، فى مداخلة تلفزيونية: «هذه الحالة صحيحة والمواطن معه حق؛ لأن هذه تشبه حالة مريض كان وضعه صعبا جدا، وبدأ برنامجا علاجيا.. وتقول التحاليل إن الوضع يتحسن.. هذه نتائج التحليل.. لكن المريض نفسه قد يكون لا يشعر بذلك».
ورغم منطقية هذا التفسير من الناحية النظرية، فإنه يصطدم بمشكلتين: الأولى أنه لا يمكن اعتبار أى علاج ناجحا وفعالا إذا لم يشعر المريض ولو بدرجة بسيطة من التحسن، حتى يقتنع على الأقل بمواصلة العلاج، أما مجرد الكلام عن أرقام التحاليل وتحسنها فلا يسمن من جوع.
المشكلة الثانية تتمثل فى أن تصريح الوزير السابق والمسئول الحالى فى صندوق النقد الدولى يرسم صورة بائسة للاقتصاد المصرى فى السنوات الأخيرة باعتباره مريضا حالته متأخرة للغاية، أصبح مجرد تحسن مؤشراته الحيوية، وحتى وإن لم يشعر به المريض، بمثابة إنجاز كبير، رغم أن الدكتور معيط نفسه عندما كان وزيرا للمالية لنحو ست سنوات حتى 2024 لم يتحدث أبدا عن حالة الاقتصاد المتدهورة.
الوزير السابق كان يتحدث دائما عن «نجاح مصر فى تحقيق فائض أولى فى الموازنة لسنوات متتالية» وأن برنامج الإصلاح الاقتصادى الأول مع صندوق النقد الدولى فى عام 2016 منح المالية العامة المرونة الكافية لامتصاص الصدمات الحادة مثل جائحة كورونا والاضطرابات الجيوسياسية فى سلاسل الإمداد».
وعندما انتهى هذا البرنامج فى 2019، قال معيط إن البرنامج نجح ولم تعد مصر بحاجة إلى تمويلات جديدة إضافية من الصندوق، معتبرا أن نجاح البرنامج فتح الطريق لتنفيذ مشروعات قومية كبرى وتصحيح العديد من السياسات والإجراءات الاقتصادية.
الأمر نفسه أكده رئيس الوزراء مصطفى مدبولى فى ختام برنامج الإصلاح الاقتصادى، الأول عندما قال إن «نجاح البرنامج شكّل ركيزة أساسية وبنية صلبة مكنت الاقتصاد من الصمود أمام الأزمات والصدمات الإقليمية والعالمية المتعاقبة مؤكدا أن النجاحات المحققة عززت الثقة الدولية فى مسار التنمية المصرى».
ليس هذا فحسب بل إن السيد رئيس الوزراء يتحدث عن طفرات كبيرة حققها الاقتصاد المصرى، ويدعو المواطنين إلى مقارنة الأوضاع قبل نحو 10 سنوات بالأوضاع الحالية، رغم أن مثل هذه المقارنة لا يمكن أن تكون بأى حال من الأحوال فى صالح حكومته.
فقبل عشر سنوات لم يكن سعر الدولار فى السوق السوداء يتجاوز 10 جنيهات، والآن يدور حول الخمسين جنيها فى البنوك، كما لم يكن سعر لتر البنزين 3.5 جنيه، والآن أكثر من 22 جنيها. وقبل عشر سنوات أيضا لم تكن تذكرة أتوبيس النقل العام تزيد على جنيه، والآن تتجاوز 10 جنيهات، وفى 2016 كان ثمن شقة الإسكان الاجتماعى لا يزيد على 154 ألف جنيه، ليصل فى آخر طرح حكومى إلى ما بين 850 و900 ألف جنيه، وغير ذلك الكثير.
يبدو كلام الدكتور معيط عن المريض الذى تتحسن نتائج تحاليله دون أن يشعر بأى تحسن فعلى منطقيا، لكنه لا يمكن أن يقنع الناس الذين يعانون نيران الأسعار الملتهبة التى طالت ليس فقط كل السلع فى الأسواق، وإنما أيضا الخدمات الحكومية، حتى بات حديث الفقر والإفقار هو السائد على ألسنة الكثيرين من أفقر المناطق العشوائية والشعبية وحتى جلسات «الساحل الشرير»، والكل يرد على كلام معيط بكلام السيناريست المبدع محمود أبوزيد على لسان الرائع الراحل محمود عبد العزيز فى فيلم جرى الوحوش «يا دكتور صدق العليل ولا تصدق التحاليل».