دوافع الحلف السعودى الباكستانى التركى.. ولمن يوجه؟

أحمد فاضل يعقوب
أحمد فاضل يعقوب

آخر تحديث: الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 7:12 م بتوقيت القاهرة

سبق أن نشرت لى هذه الصحيفة الغراء مقالًا بعنوان (لمن يوجه التحالف العسكرى السعودى الباكستانى.. وهل يضم مصر وتركيا؟)، وذلك بتاريخ 25 أكتوبر2025، وذلك تعقيبًا على التحالف العسكرى بين السعودية وباكستان الموقع فى 17 سبتمبر 2025، والذى اعتبر أن أى اعتداء على أى منهما يعد اعتداء عليهما معها، وقد دعوت فى هذا المقال لانضمام مصر وتركيا لهذا التحالف للأسباب الموضوعية المتعلقة بالتطورات الإقليمية فى المنطقة، وبصفة خاصة السياسات الإسرائيلية التوسعية والمتوحشة على غزة وسوريا ولبنان ومعظم دول المنطقة ككل، وقد انتهينا إلى أن هذا التحالف موجه بالأساس كردع لإسرائيل وليس ضد إيران، وأوضح المقال أسباب ذلك.
وها قد انضمت تركيا لهذا التحالف فى 7أغسطس 2026 من خلال الاتفاقية التى وقعت بين قادة الدول الثلاث المسمى «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، وقد أثيرت عدة أسئلة حول هذا الاتفاق الجديد مرة أخرى، ومنها لمن يوجه، وهل إيران هى المقصودة بهذا التحالف نظرا لهجماتها على دول الخليج، أثناء الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، كرد فعل بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية فى هذه الدول تنطلق منها الطائرات والصواريخ الهجومية ضدها، أو بها وسائل رصد ورادارات وصواريخ اعتراضية دفاعية أمريكية تستخدم كذلك فى الحرب عليها؟ كما أصبح هذا السؤال مشروعًا فى ضوء الهجمات التى قام بها كذلك بعض حلفاء إيران على السعودية، وهم الحوثيون فى اليمن الذين أعلنوا منعًا للسفن التجارية للمملكة من العبور فى باب المندب، كما استهدفوا منشآت طاقة وأحد المطارات فى السعودية أم أنه موجه ضد إسرائيل فى ضوء سياسات الدولة العبرية المتوحشة والتوسعية المستمرة على المنطقة أم أنه موجه لكليهما معا.. وما الدوافع من هذا التحالف؟
• • •

أهم بنود الاتفاق:

لم تنشر كل نصوص الاتفاق، ولكن حسب البيان المشترك الصادر من الدول الثلاث وما نقلته بعض وكالات الأنباء، يمكن استخلاص أهم النقاط التالية:
• استلهم الاتفاق نفس نص المادة الخامسة الواردة فى اتفاقية حلف شمال الأطلنطى (الناتو) التى تعتبر أن أى هجوم عسكرى ضد أى منهم هو هجوم عليهم جميعًا، وهو ما يعنى تحالفًا عسكريًا واضحًا.
• إنشاء سكرتارية عامة دائمة ومقرها السعودية على غرار سكرتارية حلف الناتو ومقرها بروكسل، وإنشاء مجلس وزارى يجتمع دوريًا (حسب وكالة رويترز) وهو ما يجعل من هذا التحالف كيانًا مؤسسيًا دائمًا.
• يهدف لتحيق الردع الجماعى ضد أى عدوان على الدول الثلاث وليس الهجوم.
• دفع كل أوجه التعاون العسكرى بينهم، فى ضوء المصالح الاستراتيجية المشتركة، والتضامن الإسلامى، والتعاون الدفاعى القائم بينهم منذ سنوات.

تحالف ضد إيران أم إسرائيل؟

إذا كان التحالف الثنائى السابق توقيعه فى سبتمبر من العام الماضى بين السعودية وباكستان ليس موجها ضد إيران بل ضد إسرائيل، كما سبق التوضيح، ففى تقديرى فإن التحالف الثلاثى الجديد هو كذلك ليس موجهًا ضد إيران بالأساس، بل هو كذلك موجه ضد إسرائيل ومحاولا تشكيل جبهة ردع أمامها، وإن كان فى مضمونه كذلك رسالة غير مباشرة قد تكون ضد بعض حلفاء إيران فى المنطقة خاصة الحوثيين فى اليمن، والميليشيات الشيعية فى العراق، وإن كانت الرسالة الرئيسية هى لإسرائيل، وذلك للأسباب والدوافع التالية: -
أولًا: رغم وجود التحالف الثنائى بين السعودية وباكستان، أثناء الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية فى بعض دول الخليج ومنها السعودية، أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتى شنتها فى 28 فبراير 2026 مع إسرائيل، فلم تتدخل باكستان أو تشارك فى أى عمليات عسكرية ضد إيران دفاعا عن السعودية، بل على العكس من ذلك قادت باكستان وبالتنسيق مع مصر وتركيا والسعودية جهود الوساطة الدائمة لوقف الحرب على إيران، والذى أسفر عن توقيع مذكرة إسلام آباد للتفاهم بين إيران والولايات المتحدة فى 17 يونيو2026، فلا يمكن أن يقبل الرأى العام الباكستانى وجزء كبير من مكونه من الشيعة، الاشتراك فى أى عمليات عسكرية هجومية ضد إيران الجارة وهو ما ينطبق كذلك على التحالف الثلاثى.
وقد أكد هذا الموقف بوضوح وزير الدفاع الباكستانى خواجة آصف فى اليوم التالى لتوقيع التحالف الثلاثى بأنه يجب أن تكون هناك جبهة عسكرية موحدة ضد إسرائيل، ووصفها بأنها تهديد لكل العالم الإسلامى وأضاف أنه ما دامت القضية الفلسطينية لم تحل بشكل دائم فإن العالم الإسلامى يجب أن يقف أمام إسرائيل موحدًا.
ثانيًا: بالرغم من النصر الاستراتيجى الذى حققته إيران فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، ونجاحها فى تحقيق أغلب مطالبها فى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وما يبدو من ترجيع قدرتها على تحقيق قدر من السيطرة على مضيق هرمز وإدارته فى إطار الاتفاق الجارى إعداده مع سلطانة عمان، (حتى كتابة هذا المقال)، إلا أنها بلا شك قد أصبحت منهكة عسكريا واقتصاديًا، ولا يتصور أن تشكل مستقبلًا أى تهديد لدول الخليج وعلى رأسها السعودية، بل من المرجح أن تسعى، حسب التصريحات المتعددة من مسئوليها، لوضع منظومة للأمن الإقليمى مع كل دول الخليج والعراق تقوم على مبدأ عدم الاعتداء، وهو ما قد يكون فى مصلحة الجميع.
ثالثًا: أدت الحرب على إيران إلى عدة نتائج على مستوى الأمن الإقليمى هزت أسسه التقليدية السابقة باعتماد دول الخليج المتفرد والحصرى على الولايات المتحدة، فقد وضح أمام دول الخليج ما يلى:
• لم تجلب القواعد والتسهيلات الأمريكية الأمن المأمول لدول الخليج، رغم استثمارها مليارات الدولارات عسكريًا بشراء السلاح الأمريكى وفى تكلفة هذه القواعد، واقتصاديًا بالاستثمار فى الشركات الأمريكية وبنوكها، بل على العكس من ذلك أصبحت عنصر تهديد ومخاطر لها بالضربات التى نجحت إيران فى توجيهها، واختراق وسائل الحماية من صواريخ اعتراضية وغيرها.
• تولدت شكوك لدى دول الخليج فى مدى احترام الولايات المتحدة لتعهداتها الأمنية، المرتبطة بهذه القواعد، فلم يطلع ترامب حلفاءه الأوروبيين حول نواياه بالحرب على إيران، فهل اطلع شركاءه الخليجيين؟
• يبدو أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة، قد استشعرت أن الأولوية لدى الولايات المتحدة، حتى أثناء الحرب وسير العمليات هجومًا ودفاعًا، هى لأمن إسرائيل بالأساس.
• فى التقدير أن المملكة قد ضجت من الضغوط العلنية التى تكررها الولايات المتحدة على لسان ترامب حول أهمية الانضمام للاتفاقات الإبراهيمية والاعتراف بإسرائيل، رغم موقفها الواضح والمعلن برفض ذلك إلا فى ضوء تطور لا رجعة فيه يؤدى لإنشاء دولة فلسطينية، وكان من الغريب أن ترامب فى مرحلة ما من الحرب على إيران قد صرح بأنه إذا كانت دول الخليج تريد إيقاف الحرب فعليها الانخراط فى الاتفاقات الإبراهيمية!! ثم بعد أن وافق على اتفاقية التعاون النووى للاستخدامات السلمية مع المملكة مؤخرًا، عاد لكى يعلن أن تنفيذها مشروط بانضمام المملكة للاتفاقات الإبراهيمية كذلك.
رابعًا: ظهر جليًا أمام دول المنطقة ومعها تركيا وباكستان، أن السياسة الأمريكية أما أنها متماهية مع إسرائيل أو عاجزة عن أن تفرض حلحلة أو تغييرًا فى السياسة الإسرائيلية المتوحشة والتوسعية على دول المنطقة سواء فى غزة أو لبنان أو سوريا، وها هو نتنياهو يصرح بأنه لن ينسحب من الأراضى التى احتلها مؤخرًا واعتبرها مناطق أمنية، وهى نحو70% من غزة، ونحو 8% من لبنان فى الجنوب وحتى نهر الليطانى، ونحو465 كيلومترًا من الأراضى السورية (فى السويداء ودرعا والقنيطرة) إضافة للجولان المحتل منذ 1967، مع ما يسلكه من إبادة واستمرار لآلة القتل والدمار للمدنيين دون رادع من قانون دولى أو قانون حرب أو قوانين إنسانية، وتعطيل للمرحلة الثانية من خطة ترامب لما يقرب من عام، كما أن الآلة العسكرية الإسرائيلية أصبحت لها ذارع طويلة ووصلت لإيران عابرة لحدود أجواء عدة دول عربية، كما سبق أن وجهت ضربة فى قلب قطر للمرة الأولى.
خامسًا: ترتبط كل من باكستان وتركيا بعلاقات صداقة ومصالح مشتركة قوية مع إيران، وليس لديها أى مبرر للعداء معها، كما أن إيران نفسها كان ردها الرسمى على هذا التحالف بأنه ليس موجها ضدها.
• • •
فلكل ما سبق أدركت الدول المتحالفة أن عليها أن تبحث عن بديل أمنى إقليمى من داخلها، وأن تنسق عسكريًا فيما بينها بتوقيع هذا التحالف الثلاثى بغرض الردع وملء الفراغ الأمنى الذى أوجدته التطورات نتيجة للحرب على إيران.
ولما كانت الدول الأربع (مصر والسعودية وتركيا وباكستان) هى التى تنسق فيما بينها منذ اندلاع الحرب على إيران، وكانت من بين الدول الثمانية الأوسع التى نجحت فى إقناع ترامب بوقف الحرب على غزة وتأييد خطته، فقد يكون من المناسب لمصر أن تنضم كذلك لهذا التحالف، وفى نفس الوقت تأكيد موقفها الثابت فى الالتزام باتفاقيات السلام مع إسرائيل كسياسة استراتيجية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved