7 أكتوبر.. الربح والخسارة

مصطفى الفقي
مصطفى الفقي

آخر تحديث: الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 6:51 م بتوقيت القاهرة

نحن اليوم أمام سؤال حائر تتقاذفه الأفواه وتختلف حوله الجماهير العربية والأجنبية على السواء، فمن قائل إن ما جرى فى ذلك اليوم السابع من أكتوبر 2023 قد كلّف الشعب الفلسطينى ثمنًا باهظًا فالكفاح المسلح مشروع فى كل الأعراف والقوانين المحلية والدولية ما دام السعى به من أجل استرداد الحقوق واستعادة الحريات، ويرى أصحاب هذا الرأى أن ما فعله الفلسطينيون كان رد فعلٍ متوقّع نتيجة سياسات القهر العنصرى والاستيطان التوسعى والعدوان الإجرامى الذى تمارسه قوات جيش الاحتلال الإسرائيلى، ولكنهم أيضًا سرعان ما يتداركون ذلك قائلين إن الثمن كان فادحًا والضحايا كانت كثيرة رغم أن ذلك يتناسب مع عدالة القضية واستعادة الحق والتنبيه إلى أكثر قضايا العصر أهمية ووضوحًا، فإسرائيل بممارساتها وتصرفاتها تمثل نمطًا خاصًا للاستعمار الاستيطانى بكل جرائمه ومفراداته.


ويرى بعض غلاة الفلسطينيين والمؤيدين لهم أن مشروعية النضال ضد الاحتلال تبرر تمامًا ما أقدم عليه ذلك الشعب المحتلة أرضه المقهورة إرادته الذى عرف على منذ سنوات طويلة ألوانًا من العدوان وأنواعًا من الاستبداد لا نكاد نجد لها نظيرًا فى قواميس العلاقات الدولية أو الشرعية المعاصرة.


وترى شريحة كبيرة أخرى من أنصار القضية الفلسطينية أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 كانت ناقوس خطر يدق أسماع الدنيا لكى يعلم الجميع أن الشعب الفلسطينى لن يختفى ولن يموت، ذلك أن قضيته عادلة كما أن حق تقرير المصير لحصول ذلك الشعب المناضل على وطنه السليب هو أمر لا مراء فيه ولا جدال حوله، هذا جانب من وجهة نظر أولئك الذين تؤيدون ما جرى بحيث تتحمل إسرائيل مسئولية ذلك كله لجرائمها المشهودة على مرأى ومسمع من المجتمع البشرى كله، بل إن القضية الفلسطينية قبل تلك الأحداث كادت تدخل منعطفًا باردًا فى أرشيف قضايا العصر ومشكلاته المزمنة لذلك جاءت صحوة السابع من أكتوبر وكانت بمثابة عودة القضية الفلسطينية إلى ساحة العلاقات الدولية المعاصرة بدلاً من الانزواء بين محاور المشكلات القائمة.


هذه رؤية قد نتفق أو نختلف حولها ولكن شريحة كبيرة من أنصار القضية الفلسطينية ينحازون لهذا التفسير ويتحمسون له بانفعال عاطفى لا نشكك فى مصداقيته ولا نرفض اعتباره جزءًا لا يتجزأ من سيكولوجية أنصار هذه القضية العادلة والمدافعين عنها إذ يستشهدون بأن ما جرى فى السابع من أكتوبر والعدوان الإسرائيلى الوحشى المجرم على شعب غزة والقوى المسعورة التى نهشت أجساد أطفال فلسطين وشيوخها ونسائها سوف تظل كلها ذكريات حية لا تزول ولا تختفى أبدًا، ولقد انتفض الشعب الفلسطينى من قبل عدة مرات انتفاضات شعبية عارمة وظل صوت أصحاب القضية بعيدًا عن أسماع أصحاب القرار بمسافة شاهقة وتقاذفت أمواج العالم مظاهرات غير مسبوقة خصوصًا من الشباب الغربى وأصحاب الرؤية والرأى فيه، وعلى الجانب الآخر لا تتحمس نخبة من شراح القضية والمرتبطين بتاريخها لهذا التفسير ولا يرتاحون إليه، بل يرون فى المقابل أن الثمن كان أفدح بكثير من أن يوصف، وأن استشهاد عشرات الألوف من بين النساء والأطفال وكبار السن هو تأكيد لحجم الجريمة التى أقدمت عليها إسرائيل وظلت تستخدمها كمبرر للعدوان وكخلفية لجرائمها البشعة، حتى أن البعض يتصور أو يتوهم أن السابع من أكتوبر كانت مدفوعة بتحليلات استخباراتية معادية مدسوسة على الفلسطينيين حتى يقترب رد الفعل لما حدث إقليميًا برد الفعل الدولى قبل ذلك بأكثر من عشرين عامًا فى حادث مروّع وهو الذى جرى فى الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 وكانت له نتائجه الضخمة على أمم وشعوب عديدة وظل تأثير ذلك الحادث قابعًا فى اللا وعى الإنسانى يطفو على السطح من حين لآخر ليوقظ مشاعر متضاربة حول آثار ذلك الحادث العالمى الضخم وما ترتب عليه.


وكذلك فإن الشعب الفلسطينى يحتفظ فى ذاكرته الوطنية بأحداث السابع من أكتوبر ونتائجها، وقد يلوم البعض الشهيد «السنوار» ورفاقه بينما يرى البعض الآخر أن تصرفهم يقع تحت مظلة حرية الشعوب وحقها فى الكفاح المسلح من أجل التحرير، ولكن يبقى السؤال قائمًا هل يساوى الأمر كله تلك النتائج الفادحة والخسائر الضخمة التى أدت فى النهاية إلى أن يتحول إقليم غزة إلى منازل مدمرة ومبانٍ منهارة حتى إن كثيرًا من الخبراء يرون أنها قد أصبحت غير مؤهلة للحياة أو إمكانية المعيشة؟!


وهكذا فهما وجهتا نظر تتصارعان بين مؤيد ومعارض على نحو لم نشهد له مثيلاً من قبل، ومع الطائفة الأولى التى تبرر ما حدث بأنه فى النهاية ــ رغم الدماء والأشلاء والقلوب المحطمة والأطفال اليتامى ــ قد أعطى القضية زخمًا دوليًا خصوصًا بين الشباب فى الغرب، حيث رأينا خروج المظاهرات والاحتجاجات من مدن كبرى عديدة تعبّر عن دعمها للنضال الفلسطينى وتشجب بشدة العدوان الإسرائيلى والمذابح الدموية التى يمارسها جيش الاحتلال فى وحشية وفظاعة، ونحن لا ننكر تلك الإيجابية الناجمة عن إيقاظ القضية والتصدى لمخططات تصفيتها ومشروعات إجهاضها، مؤمنين بأن الحق يعود إلى أهله، وأن الباطل لا يدوم، فدولة الظلم ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة كما يقولون، وبين هؤلاء وأولئك تقف فى المنتصف مجموعة من المفكرين والفلاسفة وكبار المؤرخين من المنشغلين بتطورات القضية الفلسطينية حيث يعتقدون أن المبررات التى يسوقها بعض أنصار السابع من أكتوبر لا تنهض لكى تكون دليلاً باقيًا ومستندًا تاريخيًا لتحرير شعب لن تموت قضيته أبدًا.


وها نحن الآن بعد أكثر من ثلاث سنوات من واقعة السابع من أكتوبر والتطورات التى نجمت عنها والملابسات التى أدت إليها ندرك بوعى كامل أن التضحيات كانت جسيمة وأن الثمن كان غاليًا وأن ملايين الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطينى قد دفعوا ولا يزالون يدفعون ثمنًا باهظًا لجرائم إسرائيل التى استخدمت ذلك الحدث المأساوى الكبير والذى راح ضحيته مئات الإسرائيليين وعشرات الآلاف من الفلسطينيين مدركين أن الدولة العبرية قد استثمرت ذلك الحادث استثمارًا لا أخلاقيًا بشعًا أعطت به يهود فلسطين ما يستحقون وما لا يستحقون، فقد جعلته مبررًا لجرائم غير مسبوقة وحرب إبادة جماعية على الشعب الفلسطينى فى تعميم أعمى لا يفرق بين طفل أو امرأة أو بين رضيع وليد أو شيخ عجوز مسن، فتلك هى إسرائيل دائمًا لا تسعى إلى السلام ولا تعرف الاستقرار ولا تهتم بالعدل ولا تقيم للشرعية الدولية أى حساب أو وزن، وليس ذلك بغريب عليها.


وأمام هذا الانقسام بين مؤيد ومعارض لأحداث السابع من أكتوبر فنجد أنفسنا أمام ذلك التساؤل الكبير حول حسابات الربح والخسارة، كذلك نرى أن ذلك الحدث المحورى أيضًا أصبح نقطة تحول ضخمة فى مسار القضية الفلسطينية وإن كنّا نرى دومًا أن الكفاح المسلح والنضال المشروع يخضع أيضًا لحسابات وطنية وإنسانية، فأنا أرى شخصيًا أن الفلسطينيين قد دفعوا فاتورة ضخمة للغاية سوف تظل قابعة فى ذاكرة الأمة العربية والشعوب المتعاطفة مع الحقوق الفلسطينية خصوصًا أن المقاومة المشروعة ليست عملاً أحمق أو حدثًا عابرًا بغير وعى، بل إن لها حساباتها والتزاماتها التى تجعلنا نفكر فى عقلانية وتأمل لنوازن بين الربح والخسارة فى أدق ظروف حياتنا وأصعب لحظات عصرنا، وسوف تبقى القضية الفلسطينية ولا شك حية فى ضمير شعوب الأرض وأحرار العالم!


نقلا عن إندبندنت عربية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved