«طوفان الأقصى» فى الانتخابات الإسرائيلية
بشير عبد الفتاح
آخر تحديث:
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
رغم مضى سنوات ثلاث على اندلاعها، تعود عملية «طوفان الأقصى» لتلقى بظلالها على الانتخابات العامة الإسرائيلية، السادسة والعشرين، المزمع إجراؤها فى السابع والعشرين من الشهر الجارى. تلك التى يعتبرها 73٪ من الإسرائيليين، وفقًا لنتائج استطلاع رأى أجراه «معهد سياسة الشعب اليهودى» فى فبراير الماضى، الاستحقاق الأهم بتاريخ دولة الاحتلال. فلقد أظهرت نتائج استطلاع آخر، أجراه «المعهد الإسرائيلى للديمقراطية»، أن الأمن والشئون الخارجية يتصدران أولويات الناخبين؛ متقدمين بفارق طفيف على الاقتصاد وتكلفة المعيشة. إذ ارتأى 68% من الإسرائيليين أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 تمثل عاملًا محوريًا فى توجيه سلوكهم التصويتى بذلك الاقتراع المصيرى.
مع دنو المعركة الانتخابية، يتجدد الجدل الإسرائيلى حول المسئولية السياسية عن الإخفاقات التى شابت التعاطى مع تلك العملية. فمن جهتها، تطالب عائلات الضحايا والمحتجزين بتحديد المسئولية السياسية عن هجوم حماس، ومحاسبة المقصرين. فيما تظاهر كثيرون، مطالبين بنشر المحاضر والوثائق الكاملة للمداولات الأمنية التى سبقته؛ للوقوف على السياق الكامل للقرارات التى اتُّخذت آنذاك. بينما دعا الرئيس الإسرائيلى إلى التحقيق فى الإخفاقات، لتعزيز مبدأ المسئولية والمساءلة. خاصة أن لدى بلاده سجلًا حافلًا فى إجراء تحقيقات دقيقة عقب الكوارث الوطنية. ففى عام 1973، تم تشكيل «لجنة أجرانات» بعد أسابيع من «حرب يوم الغفران». وعام 1982، التأمت «لجنة كاهان» بعد أسابيع من وقوع مذبحة مخيمى صبرا وشاتيلا ببيروت. وعام 1995، تكونت «لجنة شمغار» بعد أيام من اغتيال رئيس الوزراء السابق، إسحاق رابين. فيما تشكلت «لجنة أور» بعد أسابيع من الاحتجاجات وأعمال الشغب التى وقعت عام 2000.
تتوالى الدلائل الموثقة على معرفة حكومة نتنياهو المسبقة بعملية «طوفان الأقصى». حيث أفادت مصادر غربية وإسرائيلية بتلقيه تحذيرات من دوائر عربية ودولية. وفى السابع والعشرين من الشهر الفائت، كشفت القناة 13 الإسرائيلية النقاب عن وثائق تكشف تجاهل نتنياهو توصيات مسئولين أمنيين إسرائيليين بتوجيه ضربة استباقية ضد حركة حماس، عبر تصفية أكبر مسئولى، قبيل «الطوفان». ومؤخرًا، أكد الرئيس الإسرائيلى أن مجندات المراقبة بقاعدة ناحل «عوز» رصدن تغيرات قبل هجوم حماس، وأطلقن تحذيرات بشأنه، لكن لم يؤخذ بها. وأورد كتاب لصحافيين إسرائيليين أن اتفاقًا كان جاهزًا للتوقيع بين إسرائيل وحماس قبل الهجوم بعدة أسابيع، يتضمن صفقة تبادل أسرى وتهدئة أمنية طويلة؛ لكن نتنياهو راح يماطل فى إتمامها. ما أثار غضب قائد الحركة، يحيى السنوار، ودفعه لشن الهجوم، بعدما وجّه تحذيرًا برد مُزلزل.
تلاحق نتنياهو اتهامات بإخفاء التحذيرات التى تلقاها عن جهاز الأمن العام «الشاباك»، والاستخبارات الخارجية «الموساد»، وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، ورئاسة أركان الجيش. فضلًا عن عدم اتخاذه ما يلزم من تدابير وقائية لمنع وقوع الهجوم، الذى يعد الأفظع فى تاريخ إسرائيل منذ حرب أكتوبر 1973. إضافة إلى رفضه الاستجابة لمطالبات تشكيل لجنة تحقيق رسمية ذات طابع سياسى بشأن ملابسات تلك الأحداث، رغم إقرار الكنيست، فى يوليو الماضى، بالقراءة الأولى، مشروعًا لتشكيلها. وهو ما اعتبرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» «إهمالًا جسيمًا». وقبل قليل، كشف تحقيق نشرته الصحيفة ذاتها أن نتنياهو حرّف وثائق تتعلق بتجاهله تحذيرات تلقاها قبل الهجوم، وتراخيه فى التعاطى معها. عبر حذف أجزاء منها، وتغيير صياغات وسياقات بعضها؛ وذلك بغرض تبرئة ساحته من تهم الإخفاق، والمعرفة المسبقة بالهجوم، والإسهام فى تقوية حماس، عبر السماح بتمرير حقائب تحوى ملايين الدولارات إلى الحركة، التى كان يعتبرها كنزًا استراتيجيًا يعيق إقامة دولة فلسطينية.
ثمة من يرى أن نتنياهو عرف بموعد حدوث «طوفان الأقصى»، لكنه غض الطرف، توسلًا لتحقيق أهداف محددة على الصعيدين الداخلى والخارجى. فداخليًا: كان ينتوى توحيد الشارع الإسرائيلى خلفه، كونه يواجه اتهامات بالفساد تستوجب سجنه حال إدانته. وهو مطلوب منذ عام 2024 للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فى غزة. فضلًا عن دفع الإسرائيليين نحو اليمين لقبول مواصلة الحرب والتوسع. وفى مسعى لدغدغة مشاعرهم، أعلنت حكومة نتنياهو تشكيل وحدة تدخل سريع جديدة لمنع حدوث توغلات برية جديدة على غرار هجوم حماس. أما خارجيًا، فينشد مواصلة التطبيع المجانى مع دول عربية وإسلامية، عبر توسيع السلام الإبراهيمى. مع تصفية القضية الفلسطينية نهائيًا، بالقضاء على حل الدولتين وتهجير الفلسطينيين. علاوة على تقويض إيران ووكلائها، وصولًا إلى استدعاء نظرية الحدود الآمنة والمناطق العازلة، التى تتجسد اليوم فى ثلاث ساحات رئيسة، هي: «الخط الأصفر» فى غزة، ثم جنوب لبنان، ومشروع «سوفا 53» فى جنوب سوريا.
يوقن نتنياهو أن خسارته الانتخابات قد تستتبع تشكيل لجنة تحقيق رسمية، ربما تحمله مسئولية إخفاقات السابع من أكتوبر 2023. لذا، ينكر الروايات المتعلقة بتلقيه تحذيرات مسبقة. ويحاول، منذ وقوع الهجوم، الفصل بين المسئوليتين السياسية والأمنية، محاولًا إلقاء المسئولية على كاهل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ولا يتورع عن توظيف الفزاعة الأمنية، لحشد التأييد التصويتى له فى الانتخابات المرتقبة، التى تؤكد استطلاعات الرأى تواضع فرصه فى الفوز بها. كما يقدم نفسه على أنه الشخص الوحيد القادر على ضمان أمن الإسرائيليين وسط محيط معادٍ؛ والقائد الملهم، الذى حبا الله شعب إسرائيل به فى الوقت المناسب. وأثناء زيارته قاعدة «تل نوف» الجوية جنوب تل أبيب، حذر نتنياهو من هجوم عدوانى قبل الانتخابات؛ قد تحاول إيران من خلاله الإفلات من العقوبات والضغوط المتزايدة. كما عزز انتشار الجيش على مختلف الجبهات، بذريعة تعاقب الإنذارات الأمنية، وتعاظم احتمالات التصعيد فى توقيت حرج. وبينما هرعت رئاسة الأركان إلى اتخاذ إجراءات فورية لتعزيز الجهوزية، انبرت المعارضة، التى تكتلت ضده، فى التحذير من توظيفه الفزاعة الأمنية لتأجيل الانتخابات، جراء تراجع شعبيته. واتهمه زعيم المعارضة، يائير لابيد، بإثارة الذعر واستخدام التهديدات الأمنية والجيش فى حملته الانتخابية. لافتًا إلى أن التحذيرات الأمنية يجب أن تصدر عن الجهات المهنية، كالجيش والشاباك؛ وليس عن حساب «تويتر» لسياسى يخوض حملة انتخابية. وبعدما اصطدمت تحذيراته بتقييمات أمنية استبعدت أية تهديدات، حذر مسئولون مما أسموه «أكاذيب نتنياهو وتناقضاته».
متوسلًا توظيف نظرية المؤامرة، يزعم نتنياهو وجود مساعٍ من يهود إسرائيل وعربها، يعاونهم كثيرون فى العالمين العربى والغربى، لإسقاط حكم اليمين، والتمهيد لحكومة يسار، تدعم الإرهاب وتسمح بإقامة دولة فلسطينية. كما يتوهم خيانة داخل الجيش لإسقاطه. وأثناء خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، استدعى فزاعة التهديدات الأمنية لإسرائيل، مدعيًا تفرده بالتصدى لها. كذلك، استغل نتنياهو حادثة طائرة الركاب التابعة لشركة «فلاى دبى» نهاية الشهر المنقضى، لتوظيف الهاجس الأمنى خلال الانتخابات. فقد استبق ظهور نتائج التحقيق بشأن الحادثة، زاعمًا وجود محاولة لإسقاطها عبر عمل إرهابى. حتى إنه شبّه الحادثة بهجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 فى أمريكا. ما دفع المعارضة الإسرائيلية لاتهامه باستغلالها انتخابيًا.
لم يفقد نتنياهو الأمل فى الاستمرار رئيسًا للحكومة. فلقد راكم زهاء عشرين عامًا فى منصبه، عبر ثلاث فترات متقطعة خلال الفترة من 1996 إلى 2026؛ متجاوزًا الرقم القياسى لمؤسس دولة الاحتلال، ديفيد بن غوريون، بنحو 13٫5 عام. ورغم سقطاته المتنوعة، لا يزال يحظى بتأييد شعبى يكاد يلامس حدود الولاء العقائدى. وفى سابقة لم تشهدها دولة الاحتلال منذ عام 1973، أكملت حكومته ولايتها كاملة دونما انتخابات مبكرة. وللمرة الأولى منذ عام 1988، يستكمل الكنيست دورته كاملة بغير انتخابات مبكرة. فلقد نجا نتنياهو غير مرة من كل الأزمات التى كانت كفيلة، فى أى سياق سياسى آخر، بإسقاط ائتلافه اليمينى الحاكم. وبدهائه الانتخابى، ودعم حزبه الليكودى اليمينى، الذى يرفع شعار «نتنياهو لا يستسلم»، ربما يبرع فى تدوير الأزمات، وشد عصب قاعدته الصلبة. فمن خلال اللعب على وتر سرديات «الخوف الهوياتى»، و«سطوة الزعامات الأبدية»، و«ثقافة المؤامرة»؛ يصور المعركة الانتخابية بوصفها حربًا وجودية بين «أنصار الدولة الحقيقيين» و«المتآمرين الخونة»، وليست صراعًا على إدارة الدولة. كما يعتبر منافسيه السياسيين يساريين ضعفاء؛ يفتقرون إلى عزيمة شن حرب على أعداء إسرائيل، والشجاعة اللازمة لمواجهة منتقديها. ومن حسن طالعه أن يصب التعادل الانتخابى فى مصلحته. فإذا لم تتمكن إحدى الكتلتين المتنافستين من تحصيل 61 مقعدًا بالكنيست، وهو النصاب اللازم لتشكيل الحكومة؛ ستُجرى انتخابات تالية، مما سيبقيه فى السلطة ستة أشهر إضافية، على رأس حكومة تصريف أعمال.