فى حفل تكريم ذكرى غسان توينى

ناصيف حتى
ناصيف حتى

آخر تحديث: الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

غسان توينى كان قامة فكرية وسياسية وإعلامية ودبلوماسية، كان يحاور بعقل نقدى، ويحرّض فى أسلوبه ومقارباته على التفكير الحر. يبحث عن الاختلاف كمصدر غنى للتفاعل الفكرى والسياسى الخلّاق. كلما تحدثت عن الأستاذ أو المعلم، أذكر أن الدبلوماسية عند غسان توينى كانت تقوم على ثنائية مترابطة بين عنصريها؛ قوامها فن التواصل وعلم صياغة المضمون بشكل عقلانى ومقنع. الدبلوماسية عند غسان توينى كانت تقوم أيضًا على سحر الكلمة ورقى الخطاب وجرأة الفكر وغنى المضمون ووضوح الرؤية وشمولية المقاربة وواقعية الأسلوب. كان غسان توينى بارعًا فى الدبلوماسية الرسمية، كما شهدت على ذلك أروقة الأمم المتحدة بشكل خاص، وكذلك فى الدبلوماسية العامة: دبلوماسية مخاطبة صُنّاع الرأى فى المنتديات والندوات السياسية والفكرية والإعلامية.


ولا بد، قبل أن أكمل، من أن أذكر قصة شخصية ونحن نودّع اليونيفيل (قوة الأمم المتحدة المؤقتة فى لبنان)، التى ستنتهى مهامها نهاية هذا العام، فى وقت نحن بأمسّ الحاجة إلى وجودها وإلى تعزيز دورها فى مرحلة انتقالية ضبابية ومليئة بالتحديات الإقليمية والداخلية.
ذهبت أستشير الأستاذ فى اختيار موضوع أطروحة الدكتوراه، وكنت مهتمًا بالكتابة عن موضوع يتعلق بالسياسة الخارجية، فنصحنى، ونصيحته كانت دائمًا مقنعة، بأن أكتب عن دور الأمم المتحدة فى حفظ السلام. وقال لى: عليك الانكباب على دراسة حالة جديدة (new case study) اسمها اليونيفيل، التى شهدت ولادتها (1978)، وكانت حينذاك فى عامها الأول، وهو ما حصل بالطبع.


عنوانان رفعهما غسان توينى بالأمس البعيد، محذرًا مما يمثله الأول، وداعيًا لتحقيق الثانى، وما زالت تداعيات التعامل معهما قائمة: عنوان «لبنان ساحة لحروب الآخرين». ولا نقول ذلك لتبرئة أبناء وطننا من أنهم كانوا، وتحت عناوين مختلفة، مادة وأداة فى هذه الحروب، ولكن لنؤكد أن هذا الأمر بحاجة إلى معالجة جذرية، إذ يتغير اللاعبون ولا تتغير اللعبة.


ونذكر فى هذا السياق بأهمية الجغرافيا السياسية لأى بلد، التى يمكن أن تكون مصدر نعمة متعددة الأوجه إذا كانت هنالك دولة فعلية، وبالتالى فعالة، توظف الموقع خدمة للمصالح الوطنية المتعددة فى كافة المجالات، والأمثلة على ذلك كثيرة، أو مصدر لعنة إذا لم يكن ذلك الأمر موجودًا؛ فتتحول الدولة المأزومة من دور اللاعب إلى دور الملعب وساحة لصراع الآخرين، أيًّا كانت العناوين أو أسماء اللاعبين.


«دعوا شعبى يعيش» كان العنوان الآخر الذى رفعه غسان توينى، وهو بالطبع مرتبط بالأول، وتحديدًا بالانتقال من الوضع الذى يمثله ذلك.


نذكر بهذا لأننا نعيش اليوم انطلاق مسار أصفه بالعودة إلى الدولة، لتحل مكان واقع «صندوق البريد» الذى عززته فدرالية الطائفيات السياسية التى تحكمت برقاب اللبنانيين، ولو تحت عناوين وشعارات مختلفة لا تخفى على أحد.


إن شرط الانتقال من وظيفة «الساحة» أو «صندوق البريد» لتبادل الرسائل بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، أيًّا كانت أسماؤهم فى مرحلة أو أخرى، إلى مسار بناء الدولة ومعايير ومؤشرات ذلك المعروفة، أن تمتلك الدولة، لا بل أن تحتكر، كما هى حال أى دولة طبيعية فى العالم، قرار الحرب والسلم، وكذلك حصرية السلاح. فالسيادة ليست مسألة موسمية أو انتقائية أو جزئية، بل هى شاملة وكلية فى طبيعتها وممارستها.


وبالطبع، لا يتم هذا الأمر بين ليلة وضحاها، ولكنه مسار أكثر من ضرورى توفير الدعم الكلى له والالتفاف حوله؛ لأنه فى نهاية الأمر هو طريق الخلاص لإنقاذ السفينة الوطنية من الغرق. إنه مسار عنوانه مجددًا «دعوا شعبى يعيش»، كما هى حال كافة الشعوب التى تعيش فى حضن الدولة الوطنية. إنه شرط الانخراط الفعلى فى عملية الإنقاذ الوطنى، وبالتالى عملية التنمية الإنسانية الشاملة التى يحتاجها لبنان، وتزداد الحاجة إليها كل يوم.


لبنان الذى يعيش أزمة بنيوية حادة متعددة ومترابطة الأوجه، من السياسى إلى الاقتصادى إلى الاجتماعى، والتى من واجب المسئولين، أيًّا كانت اتجاهاتهم، التمسك بهذه العملية ودفعها إلى الأمام بغية الوصول إلى شط الأمان.
هذا ما طالب به غسان توينى منذ عقود من الزمن، بقراءته ونظرته للواقع، وبتأكيده وإصراره على ضرورة ولوج مسار الإنقاذ الوطنى، أيًّا كانت العوائق والتحديات.


تحية إخلاص وتقدير يا معلم، فذكراك يا صاحب الرؤيا والموقف ستبقى فى القلب وفى العقل إلى الأبد.


ملاحظة: الكلمة التى ألقيتها فى حفل تكريم ذكرى غسان توينى فى معرض الكتاب العربى والدولى فى بيروت فى 17 أكتوبر.


وزير خارجية لبنان الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved