طاقة نور

رباب نبهان
رباب نبهان

آخر تحديث: الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

فتحتُ نافذتى فإذا شجرةُ برتقالٍ قطوفُها دانيةٌ، وثمرةٌ منها خضراءُ تتدلّى وتمدّ يدها إلىَّ حتى أمسك بها، وما كنتُ أنوى قطفها، لكنّ النفسَ أمّارةٌ بالطمع؛ فهى لم تنضج بعدُ، ومع ذلك أغرانى لونها وأسرنى عطرها. وما جرّأنى إلا أننى رأيتُ أغصانها تنوء بما عليها، ولم أكن أعلم أنّ فى الجوار شجرةً قد اشتدّ عودها، ولها ولى من الثمر نصيب.
• • •

غرس بذورها وبذور غيرها يومًا عمّ أحمد الذى كنتُ أظنّ أنه يعانى من الفراغ، فألقى بها وأنا أضحك: يا هنأ من يعيش ويرى لتلك البذور خلفًا. وأخلف هو ظنّى.. وقد أخلفه مرة أخرى حين كان يلقانى كل يوم وأنا أكاد أفتح عينىّ، وهو بكل حماس ونشاط يرمى إلىَّ بنفس الدعوات اليومية: «إلهى يبعد عنك شرّ المرض». ألا يوجد فى جعبتك سوى تلك الكلمات؟ ألا تعلم أنّ لدىَّ قائمة من الأحلام والأمنيات لا تولد من الصحة؟ وتضيق نفسى بضيق أفقه الذى يتمسك بالصحة، وأنا لى مآرب كثيرة أخرى. وفى كل مرة أغادره وأنا فى طريقى إلى عملى أقرر أن أعاتبه وأجلس معه وأفضى إليه بأمنياتى. ولِمَ لا، وهو بينه وبين الله عِمار؟ فماذا لو سمعنى وسمع منه الله؟
• • •

كم كنتُ غائبة وغافلة وأنا أهمل هذا الدعاء، ولم أدرك قيمته إلا حين أمرنى الأطباء، وإن كان الأمر والنهى قد جاءا من الألم الذى سكننى فأسكننى منزلى. ولكن لا شىء فى هذا الكون يُحدث مكروهًا دون أن يُخلّف أثرًا؛ فكما كان الألم عظيمًا، كان ما كشفه لى أعظم حتى رأيتُ شجرة البرتقال التى لم تكن تنضج وحدها، بل شاركتها نفسى فى النضج أيضًا.
• • •

وأعدتُ ترتيب أوراقى، وتبدّلت فى عينىَّ أشياء كثيرة؛ فما كنتُ أقدّمه على صحتى من أمنياتٍ وطموحاتٍ تراجع إلى آخر القائمة، ولم يعد يشغلنى سوى أن أستطيع المشى فى طرقة منزلى دون معاونٍ أو رفيق. وغدا أقصى ما أرجوه أن أعود إلى الروتينِ اليومى الذى كنتُ أبغضُه.
• • •

وعدتُ إلى عملى بعد طول غياب، وسمعتُ من جديد نفس الدعوات وأنا أسعد بها لأول مرة، وكان إحساس أول مرة يلازمنى، فكانت أول مرة أرى زملائى، وأول مرة أشتاق إلى جدران مكتبى، وأول مرة أرى أوراقًا قد اصفرّ لونها وسقطت، فأخبرونى أنّ شجرة مكتبى قد حزنت علىّ من الفراق. كيف كانت محنتك؟ واعتليتُ المنبر، وتجَلّى بياني، وتفقّه لسانى: كأنّما توقّف بى القطار فجأة، وتوقّف معه الضجيج. ونظرتُ إلى نافذته فرأيتُها شديدةَ العتمة، فأخذتُ قطعةً من القماش وصرتُ أُلمّعها حتى انقشعت الغمامات، وها قد أصبح بصرى اليوم حديدًا، وأنا التى لا أرى عند طبيب العيون أيًّا من العلامات. وحين علا صوتُ الألم خفتت الأصوات وصارت سرابًا.. كذبوا علىَّ حين أخبرونى أنّ الجرحَ ما هو إلا مصدرُ ألمٍ، وما كان إلا طاقةَ نورٍ وعطيةَ ربٍّ لا يراها إلا المصطَفَوْنَ.. ربما لا تسعنى الكلمات، أو كما يقولون: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارات. لن يُزعجنى بعد اليوم ما كان يؤرّق نومى، ولن أبالى بما كان يُغضبنى، ولن ألتفتَ إلى ما خلفى، ولن أتمنّى ما ليس بيدى. ولن يضيقَ صدرى بما انسلّ من بين يدىّ وتبدّد من أحلامى؛ فلا أحلامَ أنتظرها، ولا طموحاتِ أبغيها.
• • •

كانت نظراتُ الدهشة والإعجاب تحيط بى، وشعرتُ أنى أصبحتُ فقيهةً فى قومى، ومن الآن سأكثّف جهودى فى هذا المنحى، وأرى نفسى تستحق، ولن أترجّل عن مقامى. وكاد يُسقطنى من منبرى أحدُهم حين باغتنى قائلًا: تلك هى الدنيا، وهذا هو الإنسان، ينسى بطبعه ما يمرّ به، وبعد أن تعود الأمور إلى موضعها، بعد أيامٍ قلائل، سوف تغضبين وسوف تثورين لأتفه الأسباب. لن أجادلَه، فقد بلغتُ من الحكمة ما يرفعنى عن لهو الحديث، وأكملتُ وعظى، واكتفيتُ بمن تبقّى لى من مريدين ومؤيدين. لكنّ لسانى تعثّر، وبحثتُ عن الحروف فلم أجد إلا أنفاسًا مقطوعة، وبالكاد استجمعتُ قوّتى لئلا يظهر عليَّ شكٌّ أصابنى من نصيحةٍ استيقنتها نفسى وأنكرتُها. ولعلّ ما أربكنى حرارةُ الجوّ التى انبعثت فجأة وخيّمت على المكان، حتى صار الجميع يتصبّبون عرقًا وأنا معهم، والهواءُ يضيق فى صدرى. أخبرونى أنّ عطلًا أصاب مكيّفَ الهواء، وجاء من يُصلحه، لكنّ الوقت طال، فاختلّ اتزانى، وعلا صوتُ تذمّرى، وفضضتُ مجلسى، ولم يبقَ إلا عاملُ التكييف الذى ضقتُ بوجوده، وصرتُ ألقّنه دروسًا فى صنعته التى ادّعيتُ أنّى أعرفها أكثر منه. وأنفدتِ الحرارةُ ما تبقّى من صبرى.
• • •

وفى رحلة عودتى كان الطريق مستحيلًا، وكأنّ الجميع يتسابقون ويندفعون نحوى بلا رزانة، وأنا أفتح شباك السيارة وأُلقّن العابرين دروسًا فى آداب الطريق، ولم يُنجِّهم منى سوى صوت الهاتف. فبادرتُ بالرد وقلبى مشدودٌ كالوتر، فجاء الخبر كمُوسًى حامٍ قطعه وأدمى معه حلمي، وقد أوصد بابَه إلى أجلٍ ليس بمعلوم. فعلمتُ أنّ الدنيا لا ترغب فينا، وتسعى دائمًا إلى التخلص منا، سواءٌ كنّا نعبر فى طريقِ فوضى أو نعبر إلى أحلامنا، فما الدنيا إلا قاطعُ طريق! وظننتُ أنى نجوتُ حين بلغتُ بيتي، ولكنّه كان فى انتظارى يهدينى إلى مستقرّ سيارتى، وأنا أحاول أن أتجاهله، ولا أرغب فى أن تبلغنى كلماته. وكأنّه سمعنى، فبادرنى قائلًا: «ربنا يكفيكِ شرّ المرض». هل تعاندنى يا رجل؟ ألن تُصغى يومًا إلى أمنياتى؟ ادعُ لى بأن أرى أحلامى تخرج من خلف قضبان مناماتى، وأن تتحقّق مآربى فتكتمل سعادتى. ناولنى حبّةَ برتقالٍ قد أينعت: «سبقتنى البرتقالة ونضجت قبل أن أنضج أنا». وضحك فى وجهى قائلًا: وما فائدةُ الأحلامِ لمن لا يقوى على حملها؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved