هواوي تصد الضربات وتردها


دوريات أجنبية

آخر تحديث: الجمعة 19 نوفمبر 2021 - 8:45 م بتوقيت القاهرة

 

نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالا لجوناثان هيلمان تناول فيه ما اتبعته شركة هواوى الصينية منذ نشأتها من استراتيجية تركز على الأسواق المهملة والناشئة وتقدم تكنولوجيا ميسورة التكلفة، وهو ما ساعد على انتشارها السريع.. نعرض منه ما يلى.
تضررت شركة هواوى منذ أن فرضت الولايات المتحدة قيودا على صادرات الشركة العام الماضى، وقطعت الطرق أمام الشركة الصينية العملاقة للوصول إلى مكونات رئيسية فى سلسلة توريد أشباه الموصلات. شنت الولايات المتحدة حملة لإقناع عدد كبير من قادة الدول ذات الديمقراطيات الراسخة بعدم التعامل مع شركة هواوى فى مجال تكنولوجيا الجيل الخامس. هذه الإجراءات العقابية أتت ثمارها وانخفضت عائدات الشركة.
ولكن شركة هواوى تتأقلم، وتنتقل من الاعتماد على المعدات والهواتف إلى الاعتماد على الحوسبة السحابية والخدمات الإلكترونية ومنتجات أخرى أقل اعتمادا على أشباه الموصلات المتقدمة. وفى الوقت نفسه، تواصل هواوى تسويق تقنياتها بقوة فى العالم النامى، وتعميق تواجدها فى الأسواق الناشئة مثل البرازيل وإندونيسيا. وبذلك، تسعى هواوى للنهوض مرة أخرى.
أدى توجه الشركة نحو العالم النامى إلى خلق تحديات أمنية جديدة. قامت الخوادم الحكومية فى إثيوبيا، وكاميرات المراقبة فى باكستان، ومراكز البيانات فى بابوا غينيا الجديدة، والمقدمة كلها من شركة هواوى، بتسريب البيانات أو تركها مفتوحة بلا حماية. بموجب القانون، شركة هواوى مطالبة بالتعاون مع الاستخبارات الصينية إذا طلب منها ذلك، وبالتالى الدول التى تعتمد على شركة هواوى معرضة للضغوط من قبل بكين، ومعرضة لعمليات التجسس الصينى والهجمات ومحاولات الإكراه الإلكترونى فى زمن تزايد فيه رقمنة الأنظمة الحيوية.
إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها جادين فى التنافس مع الصين؛ سواء اقتصاديا أو تقنيا أو استراتيجيا، فيجب تكثيف محاولاتهم فى الوصول إلى العالم النامى. منذ عام 2017 نمت الإيرادات الرقمية للدول النامية بسرعة أضعف من الدول المتقدمة، وأعلى ثلاثين دولة فى العالم من حيث نصيب الإيرادات الرقمية فى الناتج المحلى الإجمالى هم من الدول النامية. وبالنظر إلى أن نصف البشرية لا يزال لديه وصول محدود أو معدوم إلى الإنترنت، فإن إمكانية تحقيق المزيد من النمو كبيرة. أصبحت شركة هواوى قوة عالمية بفضل تركيز استراتيجيتها على خدمة الأسواق سريعة النمو وذات الدخل المنخفض، وهى أماكن تتردد الشركات الأمريكية والأوروبية من الاستثمار فيها. وفى العالم النامى، التكلفة أحيانا تصبح أهم من الأمن. ولتنجح، على الولايات المتحدة وحلفائها توفير بدائل للتكنولوجيا الصينية ميسورة التكلفة.
•••
أنشأ رين زينجفاى شركة هواوى فى عام 1987، وبدأ فى التركيز على الأسواق المهملة داخل الصين، وكانت هى استراتيجيته المتبعة عندما بدأت الشركة فى العمل خارج الصين، فى الوقت الذى كانت تركز فيه الولايات المتحدة والأسواق الأوروبية على الأسواق الكبيرة الغنية فى أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحالى. على مر السنوات، اكتسبت شركة هواوى موهبة تقديم التكنولوجيا منخفضة التكلفة إلى أصحاب الدخل المنخفض حول العالم.
تعلمت هواوى أيضًا كيف تكون صداقات مع من لهم نفوذ وفازت بالعقود فى المناقصات المفتوحة وكذلك فى الأسواق المغلقة مثل إثيوبيا. دعمت الحكومة شركة هواوى؛ فبين عامى 1998 وعام 2019 منحت الحكومة شركة هواوى ما يصل إلى 75 مليار دولار من الإعفاءات الضريبية والقروض والائتمانات والتمويلات الأخرى، وفقا لتحقيق أجرته صحيفة «وال ستريت جورنال». كما وضعت الدولة حواجز أمام موردى الاتصالات الأجانب حماية لهواوى والموردين المحليين، ومارسوا الضغط على الحكومات الأجنبية لمساعدة هواوى لتأمين صفقاتها بالخارج.
عندما بدأت هواوى فى اقتحام الأسواق الخارجية، تجاهلتها الولايات المتحدة فى أغلب الأحيان وساعدتها فى بعض الحالات. فى عام 2003، وقعت الحكومة الأفغانية عقدا مع هواوى وشركة الاتصالات العملاقة الأخرى ZTE لإنشاء خطوط الهواتف النقالة. بعدها بعام، قدم بنك التنمية الآسيوى، حيث اليابان والولايات المتحدة أكبر مساهمين به، قرضًا إلى روشان، أكبر مزود لخدمات الهاتف المحمول فى أفغانستان. اشترت روشان فى البداية معدات من شركتى ألكاتيل وسيمينز الأوروبيتين، ولكن بعدها وافق بنك التنمية الآسيوى على استبدال المعدات بمعدات هواوى، لتخفيض التكاليف وتحقيق مزيد من المرونة.
كان غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة هدية لشركة هواوى. فى عام 2013، تحدث أحد موظفى شركة هواوى عن السوق المربحة التى بنتها شركة هواوى فى العراق أثناء الاحتلال الأمريكى، ففين حين كانت تجوب الشوارع المدرعات والدبابات الأمريكية، احتفلت الشركة بنجاح عملية إطلاق شبكات وعقود جديدة فى العراق، من ضمن هذه العقود كان هناك صفقة بقيمة 275 مليون دولار لبناء شبكة اتصالات لاسلكية عبر البلاد.
حتى إن هواوى حققت نجاحات فى الولايات المتحدة. قبل عقد بدأت شركات الاتصالات اللاسلكية فى اثنتى عشرة ولاية فى اللجوء إلى شركة هواوى للحصول على معدات الاتصالات، فمعظم سكان المناطق بدو أقل قلقًا بشأن التجسس الصينى من قلقهم بشأن فاتورة شهرية مرتفعة.
قد تكون هواوى أيضا جذابة للسياسيين الذين يبحثون عن حلول لمشاكلهم. تخيل عمدة فى مدينة نامية فى آسيا يواجه سلسلة من الأزمات؛ من جائحة وأزمات اقتصادية وديون وحاجة لتمويل مشاريع تنموية وارتفاع فى نسبة الجرائم التى تروع المستثمرين الأجانب. هذا العمدة سيواجه انتخابات بعد عامين، فى هذا الوقت ستكون شركة هواوى منقذته. تقدم الشركة كاميرات تستشعر درجات الحرارة لتحديد الأشخاص المصابين بالحمى، وبرامج التعرف على الوجه للعثور على المجرمين، وترسل تنبيهات للسلوكيات غير المعتادة، ومن خلال قياس عملية سير المركبات فى الشارع وقوانين المرور تعد الشركة بأن تقنياتها ستساعد فى حل مشكلة الازدحام. ولتسهيل الصفقات، تقدم الصين قروضا يمكن سدادها على مدى عقدين.
غالبًا ما يعتبر بعض قادة دول العالم أن هذه الصفقات تعزز السيادة الرقمية لدولهم. لكن هذا فى الواقع قد يؤدى إلى اعتماد رقمى. فى يونيو الماضى، على سبيل المثال، أعلنت السنغال أنها بصدد نقل جميع البيانات الحكومية، بما فى ذلك البيانات من الشركات المملوكة للدولة مثل شركة الكهرباء الوطنية، إلى مركز بيانات وطنى جديد يموله بنك التصدير والاستيراد الصينى، وتقوم هواوى بتسليم المعدات والخبرات الفنية. هذه الصفقات تمهد الطريق لتقديم خدمات فى المستقبل وتحديثات للمعدات، وقد تكون تكلفة التحول إلى مورد آخر مرتفعة. قد تظل السنغال حبيسة التكنولوجيا الصينية لسنوات قادمة.
•••
جهود الصين لتصبح المزود المهيمن على مستوى العالم للبنية التحتية الرقمية مصحوبة بمخاطر كبيرة على الدول النامية.. التحذيرات الأمنية لن تميل كفة المنافسة لصالح الولايات المتحدة وأوروبا؛ حتى لو قامت أمريكا بحظر المعدات غير الموثوق فيها من شبكاتها المحلية وضغطت على حلفائها لفعل الشيء نفسه. ففى بقية العالم، سيتعين على الولايات المتحدة تقديم بدائل مقنعة.
الأسلوب التى ستتبعه الولايات المتحدة فى المنافسة سيعتمد على طبيعة كل تكنولوجيا، لكن هناك العديد من الفرص يمكن اغتنامها. يمكن للاستثمارات المحلية فى البنية التحتية والبحث والتطوير أن تساعد فى توسيع نطاق التقنيات التى تحول المنافسة لصالحها.
بدأت الولايات المتحدة فى اللحاق بركب شبكات الجيل الخامس، ويمكن للولايات المتحدة الترويج لتقنياتها فى مجالات تتقدم فيها عن باقى الدول. على سبيل المثال، مزودو الخدمات السحابية فى الولايات المتحدة هم الأكثر تقدمًا فى العالم. ولكن لتحقيق النجاح فى الأسواق منخفضة الدخل، ستحتاج هذه الشركات إلى دمج ما تقدمه من خدمات بالبنية التحتية الصلبة وفرص التدريب والتمويل لتقليل التكاليف الأولية. إلى جانب أن جعل هذه الخدمات فى متناول الناس فى أسواق بدول منخفضة الدخل من المرجح أن يتطلب شكلا من أشكال المساعدة المالية، إما من خلال بنوك التنمية متعددة الأطراف أو من خلال تحالف بين شركاء وحلفاء الولايات المتحدة.
•••
التعاون ضرورى لجعل بدائل التكنولوجيا الصينية ذات الأسعار المعقولة متاحة، وهناك العديد من الجهود الجيدة فى ذلك المجال. كجزء من شراكة البنية التحتية الثلاثية، تشارك أستراليا واليابان والولايات المتحدة فى تمويل كابل تحت سطح البحر إلى دولة بالاو الواقعة فى المحيط الهادئ. أعلنت الرباعية، التى تضيف الهند إلى نفس المجموعة، مؤخرًا عن مجموعة من المبادئ لحوكمة التكنولوجيا وأنشأت مجموعة لتنسيق أنشطة البنية التحتية. خلال أول اجتماع لمجلس التجارة والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى فى سبتمبر تم إنشاء مجموعة عمل ستساعد فى تمويل الاتصال الرقمى فى الدول النامية. فى نهاية المطاف، ستنجح هذه الجهود أو تفشل بناء على قدرتها فى وضع المعايير وتعبئة الموارد نحو تحقيق مشاريع على أرض الواقع.
توفر المدن الذكية، التى يمكن أن تشمل كل شيء من كاميرات المراقبة التى تعمل بالذكاء الاصطناعى إلى صناديق القمامة التى ترسل تنبيهات عند الحاجة إلى إفراغها، فرصًا للولايات المتحدة لتحقيق نتائج ملموسة. خلال القمة الأخيرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا، أعلنت الولايات المتحدة عن برنامج لتمويل المدن الذكية وبرامج الطاقة والنقل الذكى. يمكن أن تبنى الولايات على هذه الجهود بالشراكة مع حلفائها من خلال تقديم شهادات «المدن المستدامة» التى تؤكد على الإشراف البيئى والمسئولية الاجتماعية وأمن البيانات فى المدينة. ويمكن أن تحظى الشركات التى تعد مستدامة بالأولوية عند التنافس على المشاريع. من شأن هذا النهج أن يظهر تناقضًا إيجابيًا مع المدن الصينية، والتى غالبا ما تفتقر إلى الشفافية والضمانات وتعانى من مشكلات فى الأداء وخروقات للبيانات.
لن تكون هذه الخطوات وغيرها من خطوات الدعم سريعة أو سهلة أو رخيصة. العالم لديه احتياجات تكنولوجية هائلة لا تستطيع دولة أو شركة بمفردها تلبيتها. لكن ماضى هواوى وقرارها التركيز على العالم النامى يجب أن يكون إنذارا حول تكاليف التراخى.

إعداد: ابتهال أحمد عبدالغني
النص الأصلي

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved