المسئولية عن النكبة

تميم البرغوثى
تميم البرغوثى

آخر تحديث: الأربعاء 21 مايو 2014 - 10:49 ص بتوقيت القاهرة

ستة وستون عاما، نحن مسئولون عن ستة وستين عاما منها. ما مر عام منذ عام 1948 لم نُضِع فيه فرصة للنصر.

فى عام 1948 نفسه، لو أن الجيوش العربية سلحت سكان البلاد وأمدتهم إمدادا دائما فخلقت فى فلسطين التاريخية حركة مقاومة طيبة التجهيز كما فعلت إيران مع جنوب لبنان لما قامت لإسرائيل قائمة أصلا. وينطبق الأمر نفسه على الفترة ما بين عامى 1948 و1958 حيث كان يمكن لمقاومة فلسطينية جيدة التسليح فى الداخل أن تخلخل من استقرار الكيان الجديد بما يخيف المهاجرين إليه، فيعلمون أنهم لا يأتون إلى مأمن لهم بل إلى دار حرب أخرجوا منها سكانها الأصليين، فيفشل مشروع الدولة من بدايته.

ثم فى الفترة ما بين 1958 و 1967 كان من الممكن للوحدة المصريةـ- السورية (1958 إلى 1961) أن تستمر إذا اشتبكت فورا مع إسرائيل فى حرب استنزاف طويلة من جبهتين. لو حدث ذلك لما وجد الانفصاليون أى تأييد فى دمشق. ولكن بدلا من ذلك، قرر العرب أن يعادى بعضهم بعضا، فاختصم القوميون فى مصر وسوريا مع الشيوعيين فى العراق، وناوأ جمال عبدالناصر عبدالكريم القاسم فى مسألة الكويت ثم اشتبك مع السعودية فى حرب اليمن، وظل مشتبكا فيها حتى أخذت إسرائيل القدس والضفة وغزة والجولان وسيناء.

وفى85 عام 1967 كانت النتيجة ستختلف لو امتلك العرب الشجاعة الكافية للبدء بالهجوم، فقد كانت المسافة بين حدود الضفة الغربية لنهر الأردن التى يسيطر عليها العرب والبحر الأبيض المتوسط حوالى ستة أميال، أى أن مدفعية فعالة المدى منصوبة على تلال الضفة كانت قادرة أن تشق إسرائيل نصفين. ثم حين اجتاحت إسرائيل البلدان العربية، طلب العرب وقف إطلاق النار خوفا على عواصمهم، لأن العسكر فى القاهرة ودمشق يؤمنون تماما بمنطق الدولة الحديثة، ولا يؤمنون بالناس. كانوا يظنون أن الإسرئيليين إذا دخلوا القاهرة ودمشق فقد تمت الهزيمة، والحقيقة أن الإسرائيليين لو دخلوا مناطق الكثافة السكانية فى هاتين المدينتين لأصابهم مثل ما أصابهم حين دخلوا بيروت بعدها بخمسة عشر عاما، أو مثل ما أصاب الأمريكيين حين دخلوا بغداد. ولا طاقة للإسرائيليين بالحروب الطويلة.

•••

العسكر أولاد الدولة الوطنية الحديثة، والدولة الوطنية الحديثة بنت الاستعمار، رسم حدودها وبنى بيروقراطياتها وأسس جيوشها، وهى جيوش لم تؤسس لتنتصر فى الحروب على منشئها وربها الاستعمارى، بل لتكون رديفا لقوات الشرطة وحفظ النظام، وتدافع عن المصالح الرأسمالية لطبقة من التجار الوسطاء، يبيعون للمستعمر المواد الخام والعمالة الرخيصة ويؤمنون له طرق التجارة العالمية مقابل أن يسمح لهم بحكم البلاد وتسمية هذا الترتيب استقلالاَ. لم تبن الجيوش فى بلادنا لتغلب بريطانيا وفرنسا وأمريكا وإسرائيل، بل لتحافظ على مرور حاملات النفط من قناة السويس من أى «إرهاب» يهددها، ولتعطى كل شعب وهم استقلال، لا يستطيع الدفاع عنه أمام أمريكا وإسرائيل ولكنه يستطيع الدفاع عنه ضد أى مشروع للوحدة مع إخوته وجيرانه. إن تمسك العسكر بجيوشهم وبيروقراطياتهم وعواصمهم هزمهم. فما فائدة أن يبقى لك جيش لا تخيف به عدوك، والأجدى أن تكون لك مقاومة تخيفه، وما فائدة أن يظل قصرك الرئاسى سليما، إن كان قرارك السيادى لا يصدر عنه. لذلك كلما قاتلنا إسرائيل بالجيوش النظامية لم نفلح وكلما قاتلناها بالمقاومة الشعبية أفلحنا. ففى عام 1956 كان للمقاومة الشعبية والضغط الدبلوماسى اليد الطولى فى إنهاء الحرب، لا الضغط العسكرى. وفى 1973، انتهت الحرب والقوات الإسرائيلية فى غرب القناة ليس بينها وبين القاهرة شيء، ولم تسترد مصر سيناء إلا باتفاقية سلام أخرجتها من الصراع العربى الإسرائيلى ونزعت سلاح سيناء. اتفاقية تضمن مصلحة إسرائيل الأساسية فى سيناء، وهى أن تكون منطقة عازلة بينها وبين مصر، وتضمن مرور الإسرائيليين من قناة السويس ومضايق خليج العقبة، وتضمن حصول إسرائيل على نفط سيناء وغازها، وتسمح للإسرائيليين أن يدخلوها بدون تأشيرة مسبقة.

•••

ولنعد الآن للفرص الضائعة، إن ما سبب هزيمة 1967 هو ذاته ما خرب حرب 1973، خوف العسكر على الدولة، خوفهم من وجود القوات الإسرائيلية على مقربة من القاهرة ودمشق، ولو أنهم استمروا فى الحرب لخسرها الإسرائيليون حتى وإن دخلوا تلك المدن، كانوا سيدخلونها ويخرجون منها أضعف بكثير مما دخلوا. وإنه ليست من قبيل المصادفة أن البلد العربى الوحيد الذى انتصر على إسرائيل انتصارا عسكريا خالصا بدون اتفاقية سلام، واسترد كامل أراضيه منها، هو لبنان، البلد الذى لم تكن فيه دولة مركزية، ولا جيش نظامى يحولان بين الناس والعدو، فى لبنان كانت الحرب بين إسرائيل والناس، فانتصر الناس، ولو أن الأمر كان بيد الدولة اللبنانية، لرضيت باتفاقية سلام تعطى إسرائيل جنوب لبنان خوفا على بيروت، ولكن الناس لم يخافوا فانتصروا.

وبعد عام 1973 كان من الممكن للمقاومة الفلسطينية فى لبنان أن تحقق إنجازات كبيرة لو لم تستدرج فى الحرب الأهلية اللبنانية، أو لو أن السوريين تحالفوا معها بدلا من أن ينافسوها على السيطرة على لبنان.

وبعد قيام الثورة الإيرانية، ودخول إيران حلبة الصراع العربى الإسرائيلى إلى جانب العرب بدعمها المقاومة اللبنانية، اختار العرب أن يحاربوها، وبدلا من تكون حلف إيرانى عراقى سورى لبنانى معاد لإسرائيل على الجبهة الشرقية يعوض غياب مصر عن الجبهة الغربية، اشتغل العرب عقدا كاملا فى حرب العراق وإيران، وحصل بعد ذلك ما يحذر منه العقلاء بعد كل حرب بين الإخوة: سيحارب الاستعمار المنتصر منهما على أخيه، فكانت حروب العراق من 1991 إلى 2003 بشكل من الأشكال، نتيجة لحربه مع إيران.

•••

وأخيرا، عندما قامت الثورات العربية، كان تحرير فلسطين ممكنا، لو أن مصر كملت، ولو أن سوريا لم تبدأ: أعنى لو أن الثورة المصرية كملت بحكم الثوار وإلغاء اتفاقية كامب ديفيد ورعاية حركة مقاومة ضد إسرائيل فى غزة وسيناء تكون حليفة للمقاومة اللبنانية وتصبح مصر جزءا من تحالف كبير ممتد من بحر قزوين إلى البحر الأبيض، ولو أن الأحداث السورية لم تندلع لتفرق بين سنة الأمة وشيعتها، وتدخل الأمريكيين إلى الشام حين كانوا على وشك الخروج من مصر.

مرة أخرى ستة وستون عاما، نحن مسئولون عن ستة وستين عاما منها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved