المشهد السياسى الداخلى الإيرانى وسيناريوهات ما بعد الحرب.. السيناريو الأول.. تعاظم دور «الحرس الثورى»
وليد محمود عبد الناصر
آخر تحديث:
الأربعاء 20 مايو 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
ربما يُعد من أهم المجالات التى تتركز عليها نظرة الخبراء والمحللين وعلماء العلاقات الدولية والعلوم السياسية، فى سعيهم لبلورة رؤية مستقبلية لاستشراف ما بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، هو التوقعات المتعلقة بالمشهد السياسى الداخلى فى إيران فى ظل تداعيات الحرب وتطوراتها وانعكاساتها على الواقع الداخلى فى إيران، وعلى صورة ومكانة وشرعية وشعبية النظام السياسى الإيرانى القائم حاليا.
ولكى ندرك أهمية هذا البعد، يتعين علينا أن نستحضر أن أحد أهم دوافع وأسباب شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشكل مشترك للحرب على إيران يوم 28 فبراير 2026، كان السعى، خاصة فى المرحلة الأولى من الحرب، لإسقاط الحكم القائم فى إيران بشكل كامل وشامل، والعمل على أن يحل محله نظام موالٍ لواشنطن وتابع لتل أبيب، بما شمل جهدا واضحا من نجل آخر شاه لإيران، وهو رضا بهلوى، لعرض نفسه على الأمريكيين والإسرائيليين ثم على الشعب الإيرانى باعتباره البديل المثالى للنظام الحاكم الحالى فى إيران، وهذا هدف تحول قليلا وتدريجيا خلال 40 يوما هى فترة الحرب، على الأقل حتى إعلان الوقف المؤقت لإطلاق النار، والذى تم تمديده لاحقاً، على الأقل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وهى الطرف الأقوى فى التحالف الأمريكى الإسرائيلى، حيث بدأت تلميحات مباشرة أو غير مباشرة من بعض مسئولى الجانب الأمريكى إلى إمكانية قبول واشنطن ببديل معتدل ومستعد للتفاهم معها من داخل النظام السياسى القائم فى إيران، وذلك بالرغم من عودة الرئيس الأمريكى لاحقا إلى رفض التفرقة بين «متشددين» و«معتدلين» فى دوائر النخبة السياسية الإيرانية الحاكمة.
كما أنه بمرور الوقت بات واضحا أن هدف إسقاط الحكم الإيرانى يبدو، بشكل متزايد، هدفا بعيد المنال، خاصة أن الحرب قد جعلت قطاعات من الشعب الإيرانى، لا سيما القطاعات النشيطة سياسيا، تتناسى، ولو مؤقتا، خلافاتها مع الحكم الإيرانى أو انتقاداتها له، بل وسابق خروج بعضها للتظاهر ضد هذا النظام، كما حدث لآخر مرة فى يناير 2026، وبالرغم مما تعرضت له من استخدام للعنف من قوات هذا النظام فى مواجهة تظاهراتها، فإنها ترفض أن يأتى تغيير النظام السياسى الإيرانى عبر هجوم عسكرى خارجى مشترك من جانب واشنطن وتل أبيب وبإملاء منهما، أو ملبيا لرغبات وأفضليات الطرفين المعتديين ومتوافقاً مع أجندتهما الإقليمية أو الدولية، على ما قد يكون موجوداً بينهما من خلافات، دون النظر إلى أولويات ومتطلبات واحتياجات ومصالح الشعب الإيرانى نفسه، بل إن بعض فصائل المعارضة الإيرانية، سواء العلنية فى الداخل أو التى تمارس عملها فى الداخل بشكل سرى أو المتواجدة فى الخارج، قد سلكت هذا المسلك نفسه ورفضت أن تأتى إلى مقاعد السلطة فى طهران على أسنة الحراب الأمريكية والإسرائيلية.
ولكن من المؤكد أنه بانتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران، وأيًا كانت النتائج التى ستسفر عنها، وإذا ما استبعدنا سيناريو أن تنتهى الحرب بإسقاط النظام السياسى القائم فى إيران، فإن تغييرات ستطرأ على هيكل علاقات القوة داخل بنية النظام السياسى الإيرانى القائم حاليا، وعددا من البدائل والسيناريوهات بدأت بالفعل تلوح فى الأفق بشأن أشكال ومضامين وتوجهات هذا النظام فى المستقبل، بل إن بعض المعالم والمؤشرات فى اتجاه بعض سيناريوهات وبدائل التغيير قد ظهرت بوادرها بشكل مبدئى بالفعل خلال فترة الحرب، ولا تزال تتبلور من خلال ما يتسرب عن الوساطة الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وما تتضمنه مطالب الطرفين أو شروطهما، سواء لاستئناف العملية التفاوضية أو لإنهاء الحرب بشكل شامل، وذلك فيما يتعلق بتوازنات القوة داخل دوائر النخبة السياسية الحاكمة فى طهران.
أما السيناريو الأول، الذى سوف نتناوله فى هذا المقال، فهو يخص أموراً بدأت إرهاصاتها تتضح بالفعل منذ الأيام الأولى لاندلاع حرب الأربعين يوما الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وربما بشكل أكثر تحديدا منذ الإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى الراحل للثورة الإيرانية آية الله على خامنئى، فهو استمرار تعزيز قبضة وتعاظم قوة ونفوذ «الحرس الثورى» الإيرانى فى عملية اتخاذ القرار فى إيران، ليس فقط على الصعيد العسكرى والميدانى، وليس فيما يتعلق فقط بحلفاء إيران الإقليميين مثل «حزب الله» فى لبنان، وحركة «حماس» وغيرها من الجماعات والتنظيمات المتحالفة مع إيران فى فلسطين، وجماعة «أنصار الله (الحوثيين)» فى اليمن، وعدد من الجماعات الشيعية المسلحة المؤيدة لإيران فى العراق، بل تضاعف تأثير «الحرس الثورى» فى مجمل عملية اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاصة بالدولة والمجتمع فى إيران، سواء على الصعيد الداخلى أو الخارجى.
وقد يدفع البعض بأن هذا التضاعف فى دور «الحرس الثورى» على مستوى الدولة الإيرانية ككل أمر طبيعى فى أوقات الحروب، أى إن نفوذ الجيوش والمؤسسات العسكرية يتعاظم بالضرورة داخل الدولة فى هذه الحالات، باعتبارها أوضاعا استثنائية وغير طبيعية تمر بها الدولة، وتستلزم إعطاء مكانة خاصة للجيوش التى تدافع بشكل مباشر فى هذه الأوقات عن سلامة الأوطان، وتحمى حدودها وتسعى للذود عن أمنها القومى فى أكثر الحالات صراحة لذلك. ويتطلب ذلك الأخذ بجدية، وبعين الاعتبار، بآراء و«نصائح» القادة العسكريين بشكل يفوق من عداهم من كبار المسئولين، ويضاف إلى ذلك فى الحالة الإيرانية ما اتفقت عليه مصادر مختلفة وكثيرة ومتنوعة داخل إيران وخارجها من أن الحرس الثورى كان هو، من خلال قادته، الذى دفع لاختيار السيد/ مجتبى خامنئى لخلافة والده فى منصب المرشد الأعلى، بالرغم من اعتراض آخرين على أساس رفض فكرة «توريث» السلطة من ناحية، أو على أساس أن هناك رجال دين إيرانيين شيعة كثيرين يفوقون السيد/ مجتبى خامنئى من ناحية المؤهلات الفقهية والعلمية لتولى مثل هذا المنصب الرفيع دينيا، قبل أن يكون رفيعا من الناحية الدستورية والسياسية من ناحية أخرى. ويجب أن نذكر أن البعض فسر التوافق على اختيار السيد/ مجتبى خامنئى لخلافة والده بأنه لم يكن فقط بسبب دعم «الحرس الثورى» له، بل أيضا من منطلق «العناد» والتحدى مع الطرفين الأمريكى والإسرائيلى اللذين استهدفا المرشد الأعلى الراحل، وتصورا أنه باغتياله سيسقط النظام السياسى الإيرانى وينفرط عقده.
وعلى الجانب الآخر، فإن هناك من يرفض أصلاً فكرة أن تعاظم قوة «الحرس الثورى» حدث مع الحرب الجارية أو بسببها، ويدفع بأن هيمنة «الحرس الثورى» على مقاليد الأمور فى إيران تعود إلى فترات تاريخية سابقة؛ فالبعض يؤرخ لها بنشأة «الحرس الثورى» فى المقام الأول بعد استتباب نظام «ولاية الفقيه» فى عهد آية الله الخمينى، بسبب التخوف من الجيش النظامى واحتمال انقلابه على الحكم الجديد، فى ضوء هواجس سابقة انقلاب الجيش الإيرانى، بالتنسيق بين المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية وبين الشاه الراحل فى ذلك الوقت محمد رضا بهلوى، على الدكتور محمد مصدق عام 1953، والإطاحة بحكمه الوطنى الديمقراطى الذى قرر تأميم صناعة النفط الإيرانية حينذاك، وأيضا تفضيل الدائرة الضيقة حول الخمينى فى تلك الفترة إنشاء قوات عسكرية على أسس عقائدية. والبعض الآخر يؤرخ لتصاعد أهمية «الحرس الثورى» فى السياسة الإيرانية بسبب دوره فى الحرب العراقية/الإيرانية (1980–1988)، حيث تم إدخاله أتون الحرب سريعا بعد الانهيار الأول للجيش الإيرانى أمام القوات العراقية فى سبتمبر 1980، مما تسبب فى تحقيقها انتصارات سريعة وكاسحة، وجاء تدخل «الحرس الثورى» ومتطوعى «الباسيج» ليعيد التوازن للوضع العسكرى، بل وليقلب الدفة لاحقا لصالح الجانب الإيرانى، على الأقل لبعض الوقت.
بينما يرجع البعض الثالث تعاظم دور «الحرس الثورى» إلى الاعتماد المتزايد عليه من قبل القيادة الدينية والسياسية الإيرانية فى الحشد والتعبئة وتقديم الدعم للحكومات والجماعات والتنظيمات الحليفة لإيران، خاصة فى الدول التى تدخل فى إطار الدوائر الإقليمية التى تنتمى إليها إيران، وأخيراً يذهب البعض الرابع إلى القول بأن تعاظم قوة «الحرس الثورى» جاء بسبب تغلغل أنشطته بقوة، على مدار العقود والسنوات الماضية، فى المجال الاقتصادى، وبناء «إمبراطورية» اقتصادية عملاقة تضم مؤسسات ضخمة، بعضها كان قد تم تأميمه بعد انتصار الثورة فى فبراير 1979، والبعض الآخر تم إنشاؤه إما بسبب الحرب العراقية/الإيرانية أو نتيجة العقوبات الأمريكية والغربية عموما على إيران.
وأيًا كانت الخلفية التاريخية أو التفسيرات المختلفة لتصاعد أهمية ودور «الحرس الثورى» الإيرانى، فإنه من المؤكد أن دوره، طبقا لأول سيناريوهات المشهد السياسى الإيرانى الداخلى من وجهة نظرنا، مرشح للمزيد من التعاظم والتأثير على مجمل عملية صنع القرار فى إيران فى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سواء أخذ هذا التعاظم صورا عملية على أرض الواقع فقط، أو حتى تم ترجمته إلى صياغات مؤسسية، بل وربما دستورية، تُقنن تعاظم هذا الدور.