طب النساء والتوليد.. أين تكمن الأزمة؟

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربه

آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

كالعادة، كل حين وآخر، تظهر على السطح فى مصر والعالم مشكلات وأزمات تتعلق بالقطاع الطبى وممارساته، فيتحفز المتحفزون، وينتقد المنتقدون، ويدافع المدافعون! يحدث هذا فى مصر واليابان وأستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة.. إلخ، فمصر ليست الدولة الوحيدة التى تعانى من أزمات القطاع الطبى، فأكثر دول العالم تقدمًا وتطورًا تعانى من أزمات وقضايا مماثلة، غير أن الفرق الأساسى بيننا وبينهم هو فى طبيعة التعاطى المؤسسى مع مثل هذه المشكلات الحساسة!


• • •
فى مصر، تأخذ القضايا المرتبطة بالقطاع الصحى عادةً دورة محددة، بحيث تُثار القضية غالبًا على وسائل التواصل الاجتماعى، ثم تأخذ دورتها الطبيعية على هذه الوسائل غير التقليدية، قبل أن تلتقطها وسائل الإعلام التقليدية، وبالتالى نكون عادةً أمام الكثير من الروايات المختلفة، بل والمتناقضة، ثم تفتر المشاعر والاهتمام العام تدريجيًا حتى ينتهى الأمر غالبًا دون حل المشكلة، إما لأنها تُسيَّس، أو تُؤدلج، أو لأن هناك مشكلات أخرى تحل محلها، وهكذا.


سنجد أن هناك تشابهًا كبيرًا بين مصر وغيرها من دول العالم، ليس فقط فى طبيعة الأزمات الطبية، ولكن حتى فى طريقة ردود الفعل عليها؛ حيث التشنج والتحزب والاستقطاب. لكن ربما يكون الاختلاف الرئيسى أن هذه القضايا الطبية تجد فى بعض دول العالم المتقدم الحلول الرسمية والمؤسسية، حيث تتعاطى معها الأخيرة بالقانون. فحتى لو لم تُحل هذه الأزمات بشكل جذرى، لكنى أدعى أن السلطات الرسمية تتمكن، على الأقل، من توفير رواية رسمية متماسكة عن أسباب هذه الأزمة، وتوضح للرأى العام الحقائق من المبالغات أو الأكاذيب. وبالطبع تصبح هذه القضايا أكثر سخونة عندما تتعلق بالمرضى الأقل حظًا أو الأكثر عرضة للتمييز، ومنها تلك المتعلقة بمجال النساء والتوليد.


فمثلًا، فى تقرير «سوء الممارسات الطبية» الصادر عام ٢٠٢٣، تشير منصة ميدسكيب (Medscape)، وهى مؤسسة طبية عالمية أمريكية المنشأ تهتم بتقديم التقارير والدراسات والأبحاث المتعلقة بالممارسات والإحصاءات العالمية، إلى أن تخصص النساء والتوليد يظل ثابتًا فى صدارة التخصصات الطبية الأكثر عرضة للمساءلة القانونية. وتوضح هذه التقارير الدورية المتراكمة أن نسبة تتجاوز ٦٠٪ (وتصل فى بعض التقديرات والدراسات الأخرى إلى ٨٠٪) من أطباء النساء والتوليد يتعرضون للمقاضاة أو المساءلة القانونية مرة واحدة على الأقل خلال مسيرتهم المهنية.


• • •
وإذا انتقلنا إلى السياق الأمريكى، الذى يتميز بنظام صحى وقانونى يتسم بكثافة التقاضي، تظهر إحصاءات الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد أن قضايا تخصص النساء والتوليد تمثل حوالى ٢٤٪ إلى ٢٥٪ من إجمالى دعاوى سوء الممارسة الطبية، ليحتل المركز الثانى مباشرةً بعد الجراحة العامة. ورغم أن قضايا الانتهاكات الجسدية والجنسية المتعمدة المرتبطة بهذا التخصص تمثل إحصائيًا نسبة ضئيلة جدًا تتراوح بين ١٪ و٢٪ من إجمالى هذه الدعاوى، إلا أن حجم الضرر المؤسسى والمجتمعى الناتج عنها يكون كارثيًا؛ لأن غياب الرقابة يسمح للجانى بإيقاع عشرات، بل مئات الضحايا قبل اكتشاف أمره!


وفى الحقيقة، لا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، ففى أنظمة الرعاية الصحية الحكومية الأكثر صرامة والأقل تخصيصًا، تشير الإحصاءات إلى حقائق مشابهة. ففى بريطانيا، على سبيل المثال، تؤكد تقارير «هيئة تسوية النزاعات» التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية أن شكاوى خدمات الأمومة والولادة تمثل من ١٠٪ إلى ١٥٪ فقط من إجمالى القضايا المرفوعة، لكنها فى المقابل تستنزف نحو ٥٠٪ إلى ٦٠٪ من إجمالى الميزانية السنوية المخصصة لتعويضات الأخطاء الطبية، نظرًا لفداحة الأضرار، كإصابات المواليد التى تتطلب رعاية مدى الحياة! أما فى أستراليا، فتظهر بيانات التأمين الطبى أن قضايا التوليد تمثل حوالى ١٥٪ إلى ١٨٪ من المطالبات والتعويضات المالية عالية القيمة.


هذا الإجماع الإحصائى يبرهن على أن تصنيف هذا التخصص كـ«عالى الخطورة» هو حقيقة طبية عالمية تتجاوز حدود الدول على اختلاف أنظمتها. وفى سياق متصل بهذه المخاطر، برز فى السنوات الأخيرة مفهوم «العنف التوليدى»، وهو مصطلح لا يشير بالضرورة إلى أخطاء طبية أو جراحية بحتة، بل يشمل استخدام العنف أو الإكراه ضد السيدات أثناء الولادة. ويتضمن ذلك إجراء تدخلات طبية قسرية دون موافقة الأمهات، أو الاستخفاف بشكاواهن، أو ممارسات أخرى تشمل الإيذاء النفسى والجسدي. وقد تنبهت المؤسسات الدولية لهذا الخلل المنهجي؛ حيث أصدرت منظمة الصحة العالمية عام ٢٠١٤ بيانًا يندد بهذه الممارسات باعتبارها انتهاكًا للحقوق الأساسية للمرأة، بل إن بعض الدول سارعت إلى تجريم هذا النوع من العنف قانونيًا، مما يؤكد أن أزمة قطاع النساء والتوليد تتجاوز فكرة الخطأ العلمى لتشمل أحيانًا ثقافة مؤسسية تتجاهل كرامة المريضة وحقوقها.


على سبيل المثال، فى العقد الماضى، سيطرت، ولا تزال تسيطر، قضايا الانتهاكات والأخطاء المنهجية فى قطاع النساء والتوليد ورعاية الرضع على الرأى العام الغربى، ليس فقط بسبب بشاعة التفاصيل، بل لأنها كشفت عورات مؤسسية عميقة. ففى بريطانيا، سيطرت على الرأى العام قضيتان كبيرتان متعلقتان بتخصص النساء والتوليد. الأولى هى فضيحة مستشفيات «شروزبرى وتيلفورد»؛ حيث كشف التقرير المستقل المعروف باسم «تقرير أوكيندين» عام ٢٠٢٢ عن أكبر فضيحة فى تاريخ خدمات الأمومة البريطانية، إذ أدى القصور المنهجى (بمعنى قصور فى ممارسات المؤسسة الطبية من حيث فريق الأطباء والتمريض، بالإضافة إلى الأخطاء الإدارية) إلى وفاة أكثر من ٢٠٠ طفل رضيع وإصابة العديد من الأمهات على مدار عقدين! ولم يُلقِ التحقيق باللوم على أخطاء فردية عابرة، بل أدان بصراحة الثقافة المؤسسية التى ضغطت على الطواقم الطبية لتقليل العمليات القيصرية بهدف تحسين المؤشرات الإدارية للولادة الطبيعية، مما أدى إلى تجاهل علامات الخطر وشكاوى الأمهات.


أما القضية الثانية، فمتعلقة بالممرضة الشابة لوسى ليتبى، التى تعد من أسوأ القضايا فى التاريخ الطبى الحديث، ليس فقط داخل بريطانيا، بل فى أوروبا أيضًا، حيث أُدينت ممرضة العناية المركزة لحديثى الولادة بمستشفى «كونتيسة تشيستر» بقتل سبعة رضع والشروع فى قتل ثمانية آخرين. والجانب المفزع والأكثر دلالة هنا هو أن الأطباء الاستشاريين لاحظوا ارتفاعًا غير مبرر فى الوفيات بين الرضع فى عامى ٢٠١٥ و٢٠١٦، وحذروا الإدارة مرارًا، لكن إدارة المستشفى تباطأت فى التدخل الفعال أو الإبلاغ الفورى للشرطة خوفًا على سمعة المؤسسة، وهو ما منح الجانية فرصة لإيذاء المزيد من الرضع! والمثير فى هذه القضية أنه بعد أن حصلت ليتبى على حكم بالسجن مدى الحياة عام ٢٠٢٣، عادت القضية مرة أخرى إلى الواجهة بعد أن فاجأ أحد الأطباء الكنديين، وهو الطبيب شو لى، الجميع بأن الخبراء الذين اعتمد عليهم الادعاء قد أسسوا جريمة القتل ضد الممرضة على ورقة علمية كُتبت عام ١٩٨٩ متعلقة بالجلطة الهوائية (Air Embolism) عند الرضع. لكن المفاجأة أن الطبيب الكندى صاحب هذه الورقة المنشورة قال إن هؤلاء الخبراء قد أسسوا موقفهم العلمى على فهم خاطئ لورقته العلمية، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين عقد مؤتمرًا صحفيًا أمام الإعلام البريطانى مفندًا كل قضية من قضايا القتل العمد المنسوبة إلى ليتبى، ليخلص فى النهاية إلى أن ليتبى غير مسئولة ولا قاتلة، وأن هناك أمرًا أكبر يعبر عن فشل طبى مؤسسى كبير. ولا تزال القضية تحير الرأى العام البريطانى والغربى، ولم تُحل بعد، رغم أن ليتبى تبقى فى السجن حتى الآن.


• • •
أما فى الولايات المتحدة، فقد أُثيرت قضيتان أخريان متعلقتان بتخصص النساء والتوليد. القضية الأولى وقعت فى المركز الطبى لجامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، حيث استغل طبيب النساء والتوليد روبرت هادن، فى الفترة من أواخر الثمانينيات وحتى عام ٢٠١٢، منصبه فى المركز الطبى والمستشفى التابع للجامعة للاعتداء الجنسى على مئات المريضات (بينهن حوامل) لسنوات طويلة. ورغم ورود شكاوى مبكرة من المريضات، تجاهلت الإدارة اتخاذ إجراءات حازمة، مما جعل المؤسسة شريكة فى المسئولية لعدم توفيرها بيئة آمنة، لتنتهى القضية بسجنه لمدة ٢٠ عامًا فى حكم صدر عام ٢٠٢٣، ودفع تسويات قانونية ضخمة لضحاياه بلغت نحو ٧١٫٥ مليون دولار.


أما القضية الأخرى فوقعت فى جامعة جنوب كاليفورنيا؛ حيث اتُّهم طبيب أمراض النساء جورج تيندال عام ٢٠١٨ باستغلال الفحوصات الروتينية لطالبات غير حوامل فى المركز الصحى الطلابى للاعتداء عليهن جسديًا لسنوات. وقد فضلت الإدارة الصمت وتجنب الفضيحة بدلًا من تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، مما كلف الجامعة انهيارًا فى سمعتها واضطرارها إلى دفع تسويات تاريخية وصلت إلى ١٫١ مليار دولار. وماذا عن الطبيب؟ لقد وُجد ميتًا فى منزله أواخر عام ٢٠٢٣ قبل أن يمثل أمام المحكمة، لتسقط عنه الدعوى الجنائية، مما أدى إلى غضب عارم بين الضحايا والأهالى؛ لأنه مات قبل أن يحصل على عقابه!


• • •
الخلاصة إذن أن الأخطاء الطبية، بل وحتى الانتهاكات الصارخة، قد تقع فى أعرق الأنظمة الصحية وأكثرها تقدمًا. غير أن معيار التفوق الحقيقى لا يكمن فى محاولة إخفاء الخطأ أو إنكاره لحماية كيان المؤسسة، بل يكمن فى سرعة الاستجابة، وتفعيل آليات التدقيق والرقابة والتحقيق الصارمة، وتطبيق القانون، والتعامل بشفافية مع شكاوى المرضى. وبعبارة أخرى، فإن التسرع فى نفى الادعاءات المتعلقة بأخطاء أو انتهاكات طبية لا يخدم المؤسسة الطبية ولا النظام الصحى العام، بل يزيد الطين بلة. ومن ثم فإن المطلوب دائمًا هو التحقيق المؤسسى المستقل لمعاقبة المخطئ إن وُجد، وبالتوازى رفع مستوى التوعية بين الحوامل والأمهات حديثات الولادة بحقوقهن وقدرتهن على التمييز بين الانتهاك والإجراء الطبى السليم، وهو ما يحتاج إلى توعية موازية لأطقم التمريض والأطباء والإدارات داخل هذه المستشفيات.


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved