متاهة مصطفى سعيد

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2026 - 6:56 م بتوقيت القاهرة

 يمكن أن نصف هذه الرواية المهمة بأنها معارضة لرواية الطيب صالح الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال»، تستلهم اسم بطلها، وحيرته ومأزقه، ولكن بطريقة أكثر تفككًا وضبابية، وكأن أزمة مصطفى سعيد، بطل الرواية السودانية الأشهر، قد تعقّدت بحجم أسئلة الحاضر السياسى والاجتماعى، وبحجم تعقّد شخصية أبطال معاصرين، يعيشون محنة الفشل والتيه والضياع، بقدر ما يطرحون أسئلة وجودية وفلسفية صعبة ومؤرقة.


الرواية صادرة عن دار إبييدى بعنوان «البحث عن مصطفى سعيد»، لمؤلفها الكاتب السودانى عماد البليك، الذى قدّم لنا نصًا أقرب إلى المتاهة، ترجمة لحيرة بطله محمود الحاج سيد أحمد، المهووس والمطارد بشخصية مصطفى سعيد فى رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، والباحث عن أصلها الواقعى، والمحاصر بإحباطاته الشخصية والعامة.


مأزومٌ هو ومريضٌ نفسيًّا، وخارجٌ لتوّه من جحيم الحرب الأهلية الحالية، وكان قد عاد بعد الإطاحة بالرئيس البشير، متأملًا عصرًا جديدًا، ومشاركًا فى حكومة انتقالية، ومتحدثًا رسميًّا باسم وزارة العدل.


المعارضة الروائية تجد تقاطعات معاصرة مع نصّ الطيب صالح، لكن عماد البليك يعتمد هنا شكلًا «ما بعد حداثى»، أوضح سماته مراوغة كاملة لفكرة الحقيقة، بل نفى صريح لوجودها بالمعنى المطلق.


لا أتحدث هنا عن المعنى الفلسفى فقط، لكن أيضًا عن ضياع حقيقة ما حدث ويحدث، وتشوش كامل فى المفاهيم، وغياب للرؤية، بحيث يمكن أن نتحدث عن «أزمة جيل»، بقدر ما هى «أزمة فرد»، وبقدر ما هى «أزمة وطن»، كلما تقدّم خطوة، عاد خطوات، وكأنه قدر لا فكاك منه.


أزمة مصطفى سعيد عند الطيب صالح تكمن فى هذه المسافة بين الشمال والجنوب، وفى عدم التحقق فى تجربة الهجرة والعودة، ويحدث ذلك تقريبًا لمحمود، الذى ترك السودان مرة إلى دبى، ومرة أخرى إلى بريطانيا كلاجئ بعد هروبه من الحرب، لكنه يعانى التخبط والنبذ أسريًّا، ثم يفشل سياسيًّا، ونعرف أنه تقلّب بين جماعة جهادية وأخرى شيعية، وبينما اكتشف تجارب الجسد فى دبى، إلا أنه وقع مريضًا فى بريطانيا، وهناك وجد دبلوماسيًا اسمه مصطفى سعيد، رجّح محمود أنه قد يكون حفيد مصطفى سعيد بطل الطيب صالح.


فى لندن يضطرب الماضى والحاضر بشكلٍ أقرب إلى الفوضى، وتختفى الشخصيات التى عرفها: مصطفى سعيد، وابنته ريم، وطبيبه النفسى البريطانى، الذى يرى فى محمود حالة جديرة بالدراسة، وعندما يعود محمود إلى قريته، مثلما عاد بطل الطيب صالح، تهدِّده الحرب الأهلية.


لن ندرك بالضبط هل قُتل محمود فى الواقع أم أن شبحه قتله؟ مثلما لم نعرف بالضبط مصير بطل الطيب الصالح: هل خرج من النهر أم غرق؟ ولكن البطلين نموذجان مؤلمان لمحنة المثقفين بين الأمس واليوم.


فرض السرد الحر، والذى يتتبع هواجس وأشباح محمود، حرية كاملة فى الزمان والمكان، وانتقالات سريعة بين الماضى والحاضر، وبين السودان وبريطانيا ودبى، وتعمد نفى حقيقة ما ثم إثباتها، بل إن البناء بأكمله يقوم على محاولة اكتشاف حقيقة شخصية روائية هى «مصطفى سعيد»، ولو من خلال حفيد له، ثم الوصول إلى المعنى الأعمق، بأن مصطفى سعيد صار عنوانًا على عدة أجيال، تحمل ماضيًا مشوشًا، وحاضرًا مضطربًا، وبالتالى تبدو فكرة وجود «مستقبل» بعيدة المنال.


ومثلما يفسّر عماد البليك عنوان رواية «موسم العودة إلى الشمال» باعتباره عودة مصطفى سعيد إلى قريته الشمالية فى نهاية رحلته؛ أى عودة معكوسة من أوروبا إلى الوطن، فإن محمود سيد أحمد يعود أيضًا إلى مدينته رغم الحرب.


هنا إحدى مشكلات الشخصيات السودانية المهاجرة، فهى ليست قادرة على أن تفيد وطنها، وليست قادرة على الابتعاد عنه، بالإضافة إلى تناقضات خاصة وعامة، سياسية واجتماعية ونفسية، جعلت من مصطفى سعيد، ومن محمود سيد أحمد الباحث عنه، من أبرز نماذج فشل النخبة، كمجاز لفشل الوطن، أو كما يقول مدرّس محمود القديم له فى صفحات الرواية الأخيرة:


«أتدرى يا ولد الحاج سيد أحمد، إن الناس الذين مثلك هم من يفترض أن يتحرروا لكى يحررونا».


ويتساءل محمود بدوره: «لماذا لم تتغير صورة المثقف أو البطل السودانى طوال أكثر من ستين عامًا؟ لماذا ما زلنا نصارع نفس الظلام عاجزين عن ابتكار حياتنا؟».


لا حقائق فى هذه الرواية سوى حقيقة الفشل، على المستوى الفردى والجماعى، فى توصيف مرير وصادم، أما مصطفى سعيد فقد تجاوز الشخص والحقيقة والخيال والأدب والواقع، لأنه صار «حالة عامة» و«تروما متوارثة»، كان يفترض أن يعالجها الزمن، والتعليم، واتساع الأفق، وانتشار الحداثة، ولكن النخبة ما زالت تعيش مرحلة متاهة وتخبط، إضافة إلى أسئلة الإنسان الوجودية حول البحث عن المعنى.


تبدو الشخصيات مثقلة بوعيها، وبمرضها، وتشوش تجاربها، وتغيّر المفاهيم، وبالرغبة فى الخروج من الشرنقة، مع عدم القدرة على مفارقة الوطن.


يُحقِّق المرض نوعًا من الهروب، ولكنه يزيد الأوجاع، فتنقسم الذات على نفسها، حتى الانتحار يحتاج إلى قوة وجرأة، ليظل بطل الطيب صالح أقوى عمومًا من بطل عماد البليك.


يختلط السرد بين صوت محمود، وبين راوٍ عليم يبدو هو أيضًا متحيّر، لا سيما عندما يتحدث عن أكثر من سودان: سودان نميرى، والبشير، وكارلوس، وأسامة بن لادن، وسودان الحرب.


الراوى العليم هو صوت عماد البليك نفسه، وهو من جديد راوٍ متورط يتأمل نفسه عبر أقنعة الآخرين. لو كانت الرواية بحجمٍ أقل، لتجاوزت كثيرًا من الاستطراد والتكرار، ولو كانت بحجم «موسم الهجرة إلى الشمال» لكانت أقوى وأكثر إحكامًا، ولكن البليك لم يكن يريد إحكامًا أو منطقًا، وإنما أراد أن يحكى عن جيله عبر مرايا شخصيات ابتكرها، أو كتبها الطيب صالح.


لا أظنه أراد نشر اليأس، لأنه ضد النهايات ولا يجزم بها، ولكنه أراد أن يقرع الطبول والأجراس بمنتهى العنف. بدا لى أن السودان، وليس مصطفى سعيد ولا محمود سيد أحمد، هو من يهتف مستصرخًا الجميع: «النجدة.. النجدة».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved