مؤرخ مصرى قدير

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

(1)
كنتُ، وما زلتُ، أتابع كتابات الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق بكثير من الشغف والفضول، مذ كنت طالبًا فى كلية الآداب قبل ربع قرن أو يزيد؛ وكنت، وما زلت، شديد الإعجاب والتقدير لكل ما خطَّ ويخطُّ بيمينه من كتب ومؤلفات، أو بحوث ودراسات، يقدِّم بها لكتب أو لطبعات جديدة من كتب ذات قيمة خاصة، أو مراجعات لترجمات، أو مساهمات فى ندوات ومؤتمرات تاريخية... إلخ.


ولهذا كله، فأنا أعتبر الدكتور الشلق ينتمى إلى تلك الصفوة الممتازة من المؤرخين المصريين الكبار الذين قدَّموا كتابات غاية فى الجودة والإتقان، والدقة والقيمة، وفى الوقت ذاته فإنها تُقرأ على نطاق واسع من دون أى صعوبة أو مشكلات فى القراءة (راجع كتابات أحمد عزت عبد الكريم، ويونان لبيب رزق، ورءوف عباس، ومحمد أنيس، وأحمد عبد الرحيم مصطفى، ومن الأجيال التالية: نيللى حنا، ومحمد عفيفى، وعماد أبو غازى، وناصر إبراهيم... إلخ).


وتنتمى كتابات الشلق إلى هذه الدائرة التى يسعد القارئ فعلًا بالتجوال الحر فى رياضها، وقطف زهرات رائقات يتنسم منها رحيق المعرفة الوافرة والمنهجية المنضبطة، والسلاسة الأسلوبية، بمسحة جمال أدبية لا تخفى على ذى ذوق وذائقة.


(2)
استهل الدكتور الشلق مشروعه التأريخى الكبير والطموح منذ ما يقرب من نصف قرن؛ بأطروحتيه الأكاديميتين المتميزتين، عن تاريخ حزبين من أبرز الأحزاب المصرية فيما قبل 52، وهما كتاباه: «حزب الأمة ـ دور الأعيان والمثقفين فى السياسة المصرية» (أطروحته للماجستير)، ثم «حزب الأحرار الدستوريين (1922-1953)» (أطروحة الدكتوراه)، التى صدرت فى طبعات عدة؛ لعل أفضلها وأدقها وأكثرها أناقة وجمالًا الطبعة التى صدرت عن دار الشروق عام 2010.


كان هذان الكتابان اللذان صدرا فى صورتهما الأولى، فى نهاية السبعينيات ومطالع الثمانينيات من القرن الماضى، هما الإعلان المدوى عن مولد مؤرخ كبير من مصر؛ سيحمل أمانة البحث والكتابة التاريخية والمساهمة فى المجال العام، فضلًا عن أدواره الأكاديمية والجامعية، تدريسًا وإشرافًا على الرسائل، وسيُقدَّر له أن يكون على رأس مدرسة مصرية رفيعة المقام فى الكتابة التاريخية، فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وبالأخص تاريخ مصر الفكرى والثقافى منذ بدايات العصر الحديث وحتى العقود الأخيرة.


وفى هذا المسار الدقيق من مسارات التأريخ و«الكتابة التاريخية» يمارس الشلق مهاراته الفائقة فى عرض وتحليل الكتابات الفكرية والثقافية البارزة لكبار الكُتاب والمثقفين المصريين، ويقدم من خلالها استخلاصاته الممتعة للأعمدة الفكرية التى تقوم عليها هذه المشروعات.


(3)
كل ذلك فضلًا على أدواره التنويرية المهمة من خلال عضويته (أو رئاسته) للجان التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، أو المركز القومى للترجمة، أو مكتبة الأسرة؛ أو رئاسته أو إدارته لتحرير سلاسل «تاريخية» ممتازة لعبت دورًا تنويريًا غير مسبوق فى حفظ الذاكرة التاريخية المصرية، أو إتاحة «المعرفة التاريخية» الرصينة لجمهور القراء من المتخصصين وغير المتخصصين.


والحقيقة أن جهود الدكتور الشلق فى كل هذه المسارات مثيرة للإعجاب على كل المستويات؛ مستوى الجدة والنشاط والإنجاز والاختيار والإدارة، وعلى مستوى التراكم الكبير فى الإنتاج، ونشر الكتب التاريخية المعتبرة، والتقديم بين يديها بدراساتٍ رصينة وكاشفة (راجع، عزيزى القارئ، قوائم السلاسل المذهلة التى تولى تحريرها أو أشرف عليها، واحكم بنفسك على كمِّ ونوعية «الكتب الرائعة» التى أخرجها أو ساهم فى إعادة نشرها وطبعها مجددًا، أو قدَّم لها بمقدمات هى فى ذاتها نموذج للدراسة التاريخية المنضبطة الكاشفة المفيدة... إلخ).


وأكثر ما يلفتنى فى كتابة أحمد زكريا الشلق التاريخية (وأعترف أننى من محبى هذه الكتابة، والمغرمين بها، والمتابعين لها باهتمام) هذه الطريقة الممتازة فى العرض والتحليل، وتوظيف النصوص بما يخدم الغرض الأساسى «للقراءة/الدراسة»؛ وقد تُوهم هذه الكتابة السلسة القارئ المتعجل بأنه يمكنه تقليدها، لكن ذلك لا يتأتى إلا بخبرة تراكمت عبر السنين، ودُربة فائقة على استخلاص الأفكار وصياغتها، وسيطرة واثقة على المادة «الهائلة» التى عمل على جمعها وترتيبها وتصنيفها بدأب وصبر مثيرين للإعجاب، ثم بعد ذلك إعادة «تنظيمها» وتحليلها فى سياق الرؤية العلمية التى يسعى لإبرازها وعرضها.


(4)
فى كل ما كتب الدكتور أحمد زكريا الشلق، ثمة مجموعة من الإجراءات المنهجية التى لا تشك أبدًا فى استيفائها بالدقة والاعتبار، يلخصها أستاذه المؤرخ الراحل الكبير الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، فى تقديمه لكتاب «حزب الأمة ـ دور الأعيان والمثقفين فى السياسة المصرية»؛ بقوله:


«سيرى القارئ أن أحمد زكريا الشلق قد جمع مادتها من مصادرها الأصلية، وعرضها فى منهج علمى سليم، وأسلوب جلى واضح، وبذل فى ذلك كله جهدًا استحق أن يُمنح عليه درجة الماجستير فى التاريخ الحديث بتقدير ممتاز عام 1977».
وإذا كانت هذه الخصائص بهذا الوضوح وهذا البروز منذ أطروحته الأولى، وعمله العلمى الأول الذى نُشر عام 1979؛ فإنها ستصير لازمة أكيدة، وسمة مميزة لكل إنتاج الدكتور الشلق؛ سواء فى كتاب مرجعى كامل، أو فى مقال منشور فى إحدى الصحف السيارة، أو دراسة متقنة، أو بحث محكَّم... إلخ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved