رؤية للريف المتجدد.. التعرف على الأرض وناسها

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: الثلاثاء 20 يوليه 2021 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

زيارة الأرض والتعرف على ناسها هى البداية الطبيعية لكل دراساتنا، وعادة ما تكون فى أول أو ثانى أسبوع ألتقى فيه مع طالباتى وطلبتى. وفى طريقة الوصول للموقع سواء فى برج رشيد أو ميت رهينة نحاول أن نتبع قدر الاستطاعة الطرق التى يستخدمها جزء كبير من الناس للوصول لتلك الأماكن، وبقدر استطاعتنا نستخدم المواصلات العامة خاصة فى حالة ميت رهينة أما فى زيارة برج رشيد فلم نفعل ذلك إلا ربما مرة أو مرتين نظرا لضيق الوقت المتاح لنا وعدم استطاعتنا البقاء ليلا فى الموقع. ويصبح الطريق للموقع جزءا من التعرف على علاقته بسياقه الأكبر. وبالرغم من أننا لم نتمكن من تجربة كل الطرق للوصول للموقع، ولكننا إما استخدمنا أغلبها أو تعرفنا عليها بصورة جيدة. وبالرغم من أن جزءا من الطلبة لم يكن من مستخدمى المواصلات العامة كالمترو والميكروباص إلا أنها كانت فى المجمل تجربة جيدة. كما استخدمنا فى بعض الزيارات التوكتوك كإحدى الوسائل المتاحة وأيضا استخدمنا المعديات لعبور النهر للوصول إلى مقصدنا أو لزيارة المناطق أو القرى القريبة كجزء من التعرف على المكان. وفى حالة ميت رهينة مثلا ركبنا لأقصى شرق ضفة النيل ونزلنا فى موقع مرصد حلوان القديم لكى نرى حدود السهل الفيضى التى تقع فى غربه الآن ميت رهينة. كما وصلنا لدهشور جنوبا وأبوصير شمالا وكان هذا أساسيا للتعرف على جغرافية المكان.
•••
فى زياراتنا لبرج رشيد كنا ننزل أولا المدينة نزور متحفها وسوقها ونأكل فيها ونتمشى على كورنيشها ونركب المعديات التى يستخدمها الأهالى للتنقل بين ضفتى النهر كما نزلنا جنوبا حتى مسجد أبو مندور وفى إحدى الزيارات وصلنا لقناطر إدفينا. كما تحركنا شمالا وغربا حتى ساحل المتوسط ورأينا عن قرب الحمايات الخرسانية الضخمة التى وضعت لمكافحة نحر الشاطئ.
فى النقاش على أرض القرية نتساءل كثيرا ليس فقط عما نراه ولكن عن دلالاته وما يختفى خلفه. ونسأل ونستمع لسكان القرية وزوارها وإن بحذر فقد علمنا أن بعض سكانها ينظرون لنا بريبة. فى مرة سمعت أحدهم يصف تعامل الدارسين معهم وكأنهم «فئران تجارب» وكم كان هذا مؤلما. لا نريد أن نعطى للسكان أملا زائفا أو غير دقيق أو نغريهم بأحلامنا لأننا ندرك صعوبة التحديات. مكنتنا زياراتنا المتكررة من تخيل ميت رهينة فى أذهاننا من خلال صورة وصوت رئيس الوحدة المحلية، والأثرى المحب للآثار بالمتحف، وحارس مواقع الحفريات الذى طاردنا وطردنا لأنه لم يفهم فضولنا، ووجوه الأطفال الصغار الذين يطلقون على مدرستهم مدرسة المجارى، والأم التى تقف فى محلها وتسألنا عما نفعل، وصاحب القهوة الشاب الذى يسعد باستخدامنا قهوته كمكان لمحاضرتنا، وبالعديد من صور وأصوات وروائح وألوان القرية وناسها. وكان هذا جوهريا فى أنسنة البيانات التى نحاول الحصول عليها وفهمها وإن كنا لا نزال فى تطلع لكسب المزيد من الأصدقاء على أرض القرية.
•••
إضافة البيانات والمعلومات إلى تلك الصور والأصوات هى ما قد يعدنا بفهم أفضل وأوضح لما يحدث على الأرض، ولكن مصدر البيانات الرئيسى بالنسبة لنا كان جهاز التعبئة العامة والإحصاء والذى وفر لنا فى بعض الأحوال بيانات تبدأ من عام 1847 عندما بدأ محمد على بالقيام بأول تعداد للسكان فى مصر أو ما سمى فى وقتها بـ «تعداد النفوس» وهو ما كان مهما جدا لفهم السياق التاريخى وتطور أعداد السكان بصورة أفضل. وتشمل دراسات جهاز التعبئة العامة والإحصاء بيانات وتقارير مهمة للغاية مثل تقرير «بحث الدخل والإنفاق 2017/2018»، والذى حمل فى طياته بيانات مهمة عن معدل ونسب الفقر وخاصة فى الريف. وما كان محبطا لنا أنه بالرغم من أهمية التقرير إلا أننا لم نتمكن من استخدام نتائجه لقراءة الواقع الاجتماعى التفصيلى للقرية التى ندرسها.
كنا أيضا فى كثير من الأحيان نلجأ للبيانات التى توفرها بعض الهيئات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة العالمية. أو تلك التى يوفرها وينشرها أحيانا برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، أو تلك التى يوفرها البنك الدولى والدراسات التى يقوم بتمويلها وعرضها. واكتشفنا فى بحثنا بعض المنظمات الدولية مثل معهد الأبحاث الدولى لسياسات الطعام ولاحظنا بالطبع تعدد تلك الجهات وقدرنا عدم استطاعتنا للإحاطة بكل الدراسات التى تمت بالرغم من أهميتها المحتملة وخاصة على مستوى البيانات التى تحويها.
افتقدنا كثيرا الإحصاء الزراعى لأننا كنا بحاجة للبيانات التى يوفرها لفهم أفضل للزراعة فى المنطقة ونتمنى أن تثمر الجهود التى تدعمها منظمة الأغذية والزراعة لتحديث وتطوير هذا الإحصاء لما له من أهمية كبرى. كنا نتطلع أيضا للحصول على البيانات التى تمكننا من فهم مشكلات المياه بصورة أفضل سواء بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة عن طريق دراسة جغرافية الأمراض المحمول بها مثل أمراض الكلى وغيرها، وللأسف لم نستطع الحصول على مثل تلك المعلومات والتى نعتقد أنها ضرورية للغاية لتحديد حجم المشكلات وأولويات التعامل معها. كما أنها قد توفر إشارات لارتباطات معينة تستوجب التنبه إليها. ونتمنى أن يخرج من مبادرة بحجم مائة مليون صحة بيانات جغرافية أدق ربما تساعدنا على رسم خرائط للفقر وتلوث المياه وغيرها من التحديات مما قد يساعد على تحديد مناطق الأولويات وحجم التدخلات المطلوبة وحجم الخسائر الناتجة عن ذلك والذى نعتقد أنه مبرر جوهرى فى توجيه التدخل ونوعياتها لإيقاف تلك الخسائر.
•••
الدراسات الحديثة التى تناولت ميت رهينة وبرج رشيد كانت هدفا رئيسيا لنا للتعرف على الكيفية التى تمت بها ومحاولة فهمها بصورة نقدية تمكنا من البناء عليها أو تجاوزها. ولهيئة التخطيط العمرانى دور كبير فيها، وكان للدراسات التى تتناول حالة المياه فى مصر نصيب كبير فى بحثنا وكان منها ما رأيناه هاما للغاية مثل الدراسة التى قام بها باحثون فى جامعة ليدز الإنجليزية والتى ضمت باحثة مصرية عن «الماء الافتراضى» وهو الماء الداخل فى زراعة وإنتاج الطعام أساسا، بالإضافة إلى مواد أخرى أيضا وخلصت الدراسة إلى أن العائلة المصرية تستهلك مياها افتراضية فى حدود ثمانية أضعاف استهلاك المياه المباشرة فى البيت، ولهذه الدراسة نتائج هامة للغاية فى دراستنا لمنظومة المياه فى القرية المصرية والعمران بصورة أكبر.
راجعنا بعض الكتابات الحديثة عن الاقتصاد فى مصر من منظور كلى ودور الأنشطة الزراعية وارتباطها بالجذور، وخاصة بالتدخلات والتحولات التى استحدثها محمد على. كما راجعنا بعض الكتابات التى تتناول إشكاليات الريف المصرى مثل دراسة حبيب عايب بالإضافة للكتب الأخرى التى تناولت تحدى المياه والطعام فى العالم بصور أعم وراجعنا بعض الكتابات الخاصة بالتغير المناخى عالميا وفى أفريقيا، ولكننى أتصور أنه مازالنا أمام عملية مستمرة لمراجعة أكثر للدراسات الجادة التى تناولت الريف المصرى وقضاياه وسياقه الإقليمى والعالمى.. ونأمل فى أن نرى المزيد من الدراسات باللغة العربية والتى تتناول الريف المصرى من وجة نظر بيئية تستند على بيانات حديثة وكبيرة لأن ذلك سيساعدها فى فهم أفضل لترابط وتركيب التحديات التى تواجه الريف وسكانه فى مصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved