هل تساعد المنافذ فى خفض الأسعار؟

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 20 يوليه 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

لا تزال الأسعار هى الباب الذى يلج منه الجميع إلى عالم الاقتصاد. فالكل مهموم بهذه الظاهرة الاقتصادية؛ إذ إن ارتفاع الأسعار ضريبة يدفعها الفقراء قبل الأغنياء، وانخفاضها يعنى فسحةً فى القوة الشرائية تسمح بتلبية احتياجاتٍ متزايدةٍ ومتناسلة، بصورةٍ باتت مزعجة فى عصر الضوضاء المعلوماتية. ومن ثم، تبدو أى مبادرة تستهدف كبح جماح الأسعار أو تخفيف الأعباء المعيشية وكأنها قارب نجاة لشريحة واسعة من المواطنين، ولا سيما عندما تعجز آلية الأسعار عن أداء وظيفتها بكفاءة نتيجة اختناقات فى الأسواق، أو تشوهات فى المنافسة، أو صدمات خارجية. لذلك، ليس من السهل الاعتراض على أى مبادرة تسعى إلى تخفيف الأعباء المعيشية، خصوصًا فى ظل ما يشهده العالم من اضطرابات جيوسياسية وتقلبات فى أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة البرنامج الوطنى الذى وجّه به رئيس الجمهورية، وتتابعه الحكومة، باعتباره محاولة لبناء إطار مؤسسى أكثر فاعلية لضمان توافر السلع الأساسية وتحقيق قدر أكبر من استقرار الأسواق.


ويتضمن البرنامج عناصر عديدة تبدو واعدة، منها التوسع فى المنافذ والأسواق الدائمة، وتوحيد إدارة المنافذ المتنقلة، وإنشاء شركة وطنية مشتركة بين جهاز مستقبل مصر ووزارتى التموين والزراعة، وتحسين سلاسل الإمداد، والتوسع فى الزراعة التعاقدية، مع وضع مؤشرات أداء لقياس النتائج. وهى جميعها أدوات تستحق الدراسة، لكن نجاحها لن يتوقف على حجم الإنفاق أو عدد المنافذ الجديدة، وإنما على مدى قدرتها على معالجة الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار.


• • •
فالاقتصاد يعلّمنا أن الأسعار ليست ظاهرة مستقلة، وإنما هى نتيجة لتفاعل معقد بين تكاليف الإنتاج، والندرة النسبية، ومحفزات الطلب، وسعر الصرف، وأسعار الطاقة، وتكاليف النقل، وهيكل المنافسة، وكفاءة سلاسل الإمداد، والسياسات النقدية والمالية، وتوقعات المتعاملين. ومن ثم، فإن أى سياسة تستهدف استقرار الأسعار ينبغى أن تبدأ أولًا بتشخيص مصدر التضخم قبل اختيار أدوات المواجهة. فإذا كان التضخم ناتجًا عن اختناقات فى النقل والتوزيع، فإن تحسين اللوجستيات وتقليص حلقات التداول قد يحقق أثرًا ملموسًا. أما إذا كانت أسبابه تعود إلى ارتفاع تكلفة التمويل، أو تقلبات سعر الصرف، أو الضغوط النقدية، فإن زيادة عدد المنافذ لن تحقق سوى أثر محدود ومؤقت، لأن المشكلة الحقيقية ستظل قائمة.


ويبدو أن الحكومة تدرك جانبًا مهمًا من هذه المعادلة، وهو ما انعكس فى تركيزها على تحسين منظومة الإمداد وتقليل حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك. غير أن الخبرة الدولية تشير إلى أن نجاح هذه السياسات يعتمد على مدى مساهمة تلك الحلقات بالفعل فى تكوين السعر النهائى. ففى بعض المنتجات الزراعية الطازجة قد تمثل الوساطة نسبة مرتفعة من السعر، بينما تصبح أقل تأثيرًا فى السلع الصناعية أو المستوردة، حيث تهيمن تكلفة الإنتاج والطاقة والنقل وسعر الصرف على هيكل التكلفة.


• • •
وتقدم التجارب الدولية نماذج متعددة لتحقيق هذا الهدف دون اللجوء إلى الإدارة المباشرة للأسعار. ففى فرنسا، نجحت أسواق الجملة الوطنية MIN (Marchés d’Intérêt National)، وعلى رأسها سوق رونجيه، فى تقليص تكاليف التداول وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، بينما طورت إسبانيا شبكة ميركاسا، التى تربط أسواق الجملة الحديثة بمنظومات لوجستية متكاملة. وفى الهند، أسهمت منصة السوق الزراعية الوطنية الإلكترونية (e-NAM) فى ربط الأسواق الزراعية إلكترونيًا، بما عزز شفافية الأسعار وقلّص نفوذ الوسطاء (بما يوضّح أهمية المعلومات فى التسعير). أما اليابان، فقد اعتمدت على شبكة التعاونيات الزراعية (JA Group) لتمكين المنتجين من إدارة عمليات التسويق والتوزيع بصورة جماعية، وتعزيز قدرتهم التفاوضية وخفض تكاليف الوصول إلى المستهلك. وفى سنغافورة، أدت سياسات وكالة الأغذية السنغافورية (Singapore Food Agency) القائمة على تنويع مصادر الاستيراد وإدارة مخاطر الإمداد إلى الحد من الاحتكار وتعزيز استقرار الأسواق، بينما استخدمت البرازيل برامج الشراء المؤسسى، وعلى رأسها برنامج شراء الغذاء (PAA) والبرنامج الوطنى للتغذية المدرسية (PNAE)، لتوظيف القوة الشرائية للدولة فى دعم صغار المنتجين، مع توفير الغذاء للفئات الأكثر احتياجًا. ورغم اختلاف هذه التجارب فى أدواتها، فإن القاسم المشترك بينها لم يكن التدخل المباشر فى تحديد الأسعار، بل بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وتعزيز المنافسة، وتطوير البنية اللوجستية، واستخدام أدوات الدولة لتحسين أداء السوق بدلًا من الحلول محله.


وفى المقابل، تقدم تجارب أخرى دروسًا لا تقل أهمية. ففى الأرجنتين، ولا سيما خلال العقدين الأولين من القرن الحادى والعشرين، وتحديدًا بين عامى ٢٠٠٥ و٢٠٢٣، تعاقبت برامج الاتفاقات السعرية والتدخل الحكومى فى الأسواق، مثل برنامجى «الأسعار المدروسة» و«الأسعار العادلة»، أملًا فى كبح التضخم، لكنها لم تحقق نجاحًا مستدامًا، لأن جذور المشكلة كانت نقدية ومالية، مرتبطة بعجز المالية العامة وضعف الثقة فى العملة المحلية. أما فنزويلا، فمنذ تشديد الرقابة على الأسعار بعد عام ٢٠٠٣، ولا سيما خلال الفترة من ٢٠١٣ إلى ٢٠١٩، فقد أدى الإفراط فى التسعير الإدارى، مقترنًا بتراجع الإنتاج المحلى واختلال السياسات النقدية، إلى اختفاء العديد من السلع وازدهار الأسواق الموازية، وهو ما يبرهن على أن التحكم الإدارى فى الأسعار لا يمكن أن يكون بديلًا عن إعادة التوازنات الاقتصادية الأساسية.


• • •
لحسن الطالع، فإن البرنامج المصرى لا يتجه إلى فرض تسعير إدارى شامل، بل يعتمد بصورة أكبر على زيادة المعروض وتحسين منظومة الإمداد، وهو اتجاه أكثر اتساقًا مع الخبرات الدولية الناجحة. لكن نجاحه سيظل مشروطًا بعدة اعتبارات:
أولها، أن تكون الشركة الوطنية المزمع إنشاؤها أداة لتعزيز المنافسة، لا بديلًا عنها أو مزاحمًا منفّرًا لأطرافها. فالدولة تستطيع أن تؤدى دورًا مهمًا باعتبارها «صانعًا للسوق» يعالج الاختناقات ويحفز المنافسة ويضمن وصول السلع إلى المناطق التى يعجز القطاع الخاص عن خدمتها، لكنها لا يصح أن تتحول إلى منافس يتمتع بمزايا تنظيمية أو تمويلية لا تتوافر لغيره، لأن ذلك يضعف الاستثمار الخاص على المدى الطويل.


وثانيها، أن يقوم البرنامج على حوكمة رقمية متكاملة تسمح بتتبع السلع من المنتج إلى المستهلك، مع نشر بيانات دورية عن الكميات والأسعار وهوامش التداول. فالشفافية ليست مجرد قيمة أخلاقية، وإنما وسيلة اقتصادية فعالة لتقليص الممارسات الاحتكارية وتعزيز المنافسة، وتمكين صناع ومتخذى القرار من التدخل فى الوقت المناسب عند ظهور اختناقات أو ارتفاعات غير مبررة فى الأسعار.


أما الاعتبار الثالث، فيتعلق بطريقة تقييم البرنامج نفسه. فمن السهل الإعلان عن افتتاح عشرات الأسواق أو مئات المنافذ الجديدة، لكن هذه كلها مؤشرات نشاط وليست مؤشرات نجاح. فالنجاح الحقيقى يقاس بمدى انخفاض تكلفة وصول السلع إلى المستهلك، وتراجع الفروق السعرية بين المحافظات، وانخفاض نسبة الفاقد فى التداول، وتحسن نصيب المنتج من السعر النهائى، وزيادة ــ أو عدم الإضرار ــ بالمنافسة داخل السوق.


ولهذا السبب تعتمد الاقتصادات المتقدمة عادة على منظومة متكاملة لتقييم السياسات العامة. فهى تميز بين مؤشرات المدخلات، مثل حجم الاستثمارات وعدد المنافذ، ومؤشرات المخرجات، مثل حجم التداول وسرعة الإمداد، ثم مؤشرات الأثر النهائى، وهى الأهم، مثل انخفاض تضخم الغذاء مقارنة بالتضخم العام، وتحسن الأمن الغذائى، وارتفاع رضا المستهلكين، واستدامة استقرار الأسعار بمرور الوقت.


ومن المفيد أيضًا ألا يقتصر التقييم على البيانات الحكومية، بل يشمل استطلاعات مستقلة لرضا المستهلكين، وقياس أثر البرنامج على صغار المنتجين والتجار، حتى لا يؤدى تحسين كفاءة التوزيع إلى زيادة تركّز السوق فى أيدى عدد محدود من الكيانات الكبيرة، بما يتعارض مع الهدف الأساسى المتمثل فى تعزيز المنافسة.


• • •
من زاوية الاقتصاد المؤسسى، فإن كثرة الجهات المشاركة فى تنفيذ البرنامج تعكس إدراكًا لطبيعة المشكلة المركبة، لكنها تجعل التنسيق المؤسسى أكثر أهمية من أى وقت مضى. فكلما زاد عدد الأطراف المشاركة، ازدادت الحاجة إلى جهة واحدة تتحمل المسئولية، وإلى مؤشرات أداء معلنة، وتقارير دورية شفافة، وآليات واضحة للمساءلة، حتى يصبح من الممكن تقييم النتائج بصورة موضوعية.


وفى النهاية، لا ينبغى النظر إلى استقرار الأسعار باعتباره مشروعًا لإنشاء أسواق جديدة أو منافذ إضافية، وإنما باعتباره مشروعًا لإصلاح كفاءة السوق نفسها. فحين تصبح سلاسل الإمداد أكثر انسيابًا، والمنافسة أكثر عدالة، والمعلومات أكثر شفافية، والإنتاج المحلى أكثر قدرة على الاستجابة للطلب، فإن استقرار الأسعار يصبح نتيجة طبيعية، وليس هدفًا يتحقق بقرارات إدارية.


إن التجارب الدولية لا تدعو إلى انسحاب الدولة من الأسواق، كما لا تؤيد هيمنتها عليها، وإنما تشير إلى دور أكثر ذكاءً وفاعلية؛ دولة تبنى المؤسسات، وتوفر البنية الأساسية، وتحمى المنافسة، وتصحح إخفاقات السوق عند الضرورة، ثم تترك قوى السوق تعمل فى بيئة أكثر كفاءة وعدالة. وربما يكون هذا هو المعيار الأهم الذى ينبغى أن يُقاس به نجاح البرنامج الوطنى الجديد: ليس بعدد المنافذ التى تُفتتح، بل بعدد الاختلالات التى تنجح الدولة فى إزالتها من طريق السوق.


كاتب ومحلل اقتصادى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved