المدرسة بين يوتوبيا التربية وسوسيولوجيا الواقع

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الخميس 20 أغسطس 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

تعتبر المدرسة من أقدم المؤسسات التى ابتكرها البشر لنقل المعرفة، وهى وفق التوصيف السوسيولوجى «مؤسسة تنشئة اجتماعية»، أسهمت فى تبلورها وتطورها وإعادة صوغها مجموعة من العلوم الإنسانية، كالفلسفة والتربية وعلم النفس وعلم الاجتماع. وعلى الرغم من أن المدرسة الحديثة التى نعرفها بالشكل والمضمون اليوم، تختلف عن المدرسة فى العصور القديمة، إلا أن ذلك لم يحل دون حضورها فى الوعى الجماعى لدى جماعات البشر على مر العصور، فوجودها فى الواقع هو نتاج تطور المجتمعات وتقدمها.


يوتوبيا المدرسة فى علم التربية (نظرة بالميكرو)


ينظر علم التربية الحديث إلى المدرسة نظرة مختلفة جديدة، فالهدف الأسمى لها، ليس مجرد نقل المعرفة بهدف تحقيق مصالح أو أدوار وظيفية (المدرسة بشكليها البدئى أو النظامى القديم)، بل بجعل التلميذ محور العملية التعليمية والتركيز على تنمية مهاراته الاجتماعية وتعزيز قيمه وقدراته واتجاهاته الإيجابية (تحمل المسئولية، الاستقلالية، الحرية، تربية فردية وسط روح الجماعة...) لبناء إنسان جديد، الأمر الذى جعل المدرسة فضاءً للتربية أولا قبل التعليم. وهذا ما ركزت عليه العلوم التربوية من خلال البيداغوجيا التربوية، باعتبارها فنا من فنون التدريس التى تعمل على تحقيق المبادئ التربوية الحديثة. هذه الأسس التربوية بنيت على قواعد فلسفية جديدة ومختلفة بعيدا من الماورائيات، وقد مهد لها رواد معرفة مثل كوبرنيكوس، غاليليه، بيكون، نيوتن، وفلاسفة عصر الأنوار مستفيدة من بارادايمات معرفية جديدة تعتمد المنهج العلمى كإطار للتفكير القائم على الملاحظة والتجربة، وعلى قيم الثورات التحررية، كالثورة الفرنسية (1789 م) التى نادت بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان... وقد تبنى هذه القيم وإسقاطها فى المجال التربوى عدد من أعلام الطب النفسى والفلسفى والاجتماعى، فيما أطلق عليهم فى علم التربية أعلام التربية الحديثة أو أقطاب التيارات التربوية الحديثة. أولى الأفكار التربوية تلك جسدها جان جاك روسو (1712 - 1778) فى كتابه «إميل، أو فى موضوع التربية Émile, ou De l'éducation»، حيث وضع خارطة طريق تربوية «نظرية» تمثلت برؤيته للتربية الحديثة من خلال العودة إلى الطبيعة، منطلقا من فرضية أساسية هى أن «الإنسان يولد خيرا بطبيعة نقية، والمجتمع هو الذى يفسده»، مقسما النمو الطبيعى للطفل إلى مراحل أربع (مرحلة الرضاعة، مرحلة الحواس، مرحلة المراهقة، مرحلة الشباب).


واقعية المدرسة فى علم الاجتماع (النظرة بالماكرو)


يناقض علم الاجتماع فى نظرته التحليلية الكلية ما جاء به علم التربية من أفكار طوباوية حول المدرسة كمؤسسة تنشئة اجتماعية، وسنستعرض بإسهاب ثلاث دراسات تناولت فى تحليلها زوايا مختلفة من الصورة الكلية للواقع السوسيولوجى:


أولا- فى كتابه «إعادة الإنتاج» La Reproduction يناقض عالم الاجتماع بيار بورديو أعلام التربية والتعليم، ويعتبر المدرسة نقيضا للمصعد الاجتماعى الذى يحقق العدالة والمساواة كما يراها كثير من أعلام التربية المؤسسين، فالمدرسة وفق تحليله أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقى فى المجتمع بناء على ثلاث أفكار رئيسة وهى: أ- العنف الرمزى الذى تمارسه المدرسة من خلال فرضها ثقافة الطبقة المهيمنة البرجوازية باعتبارها الثقافة الشرعية الوحيدة، حيث يتم إقصاء أبناء الطبقات غير الميسورة لأن لغتهم وثقافتهم الأصلية تختلف عن لغة المدرسة، فيشعرون أن فشلهم ناتج عن نقص موهبتهم الشخصية، وليس بسبب نظام منحاز، فيتقبلون دونيتهم؛ ب- الرأسمال الثقافى الذى يجعل التلاميذ فى المدرسة غير متساوين، فأبناء الطبقات العليا يمتلكون رأسمالا ثقافيا ورثوه عن عائلاتهم، ما يعطيهم أفضلية تلقائية عن غيرهم لأنهم يجدون فى المدرسة امتدادا لبيئتهم المنزلية؛ ج- وهم الحياد والموهبة فى المدرسة التى تخفى وظيفتها فى إعادة إنتاج الطبقات من خلال ادعاء الحياد والمساواة بالاعتماد على نظام الامتحانات والنقاط لإقناع الجميع بأن النجاح يعتمد على الموهبة والاجتماع، فيما الواقع فى مكان آخر، حيث يستفيد أبناء الطبقات العليا من رأسمالهم الثقافى بالانتقال إلى التعليم العالى الجامعى، بينما يتوجه أبناء الطبقات غير الميسورة نحو التعليم المهنى.


ثانيا- فى كتاب «إنتاج الفراغ» (عدنان الأمين، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2021) يرى الباحث أن المؤسسات التعليمية لا تنتج فكرا أو معرفة، بل تنتج فراغا معرفيا تربويا، فالتلميذ يدرس ليجتاز الامتحان، والمعلم يعلم ليكمل المنهج، والنتيجة تكون بخريجين يمتلكون شهادات، ولكنهم يفتقرون إلى الأدوات النقدية والمعرفة العميقة، بسبب التركيز على التلقين والحفظ، ناهيك بأن المناهج هى عبارة عن محاكاة لنماذج غربية لا يتم تكييفها مع الاحتياجات المحلية، فنكون أمام فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه لفهم مجتمعه وتطويره. وهكذا تخرج الجامعات طالبى وظائف وليس منتجى معرفة، فتتعزز حالة الاغتراب والإحباط فى المجتمع.


ثالثا- فى دراسة ميدانية تعكس عمق العلاقة الشائكة بين النظام التربوى والبنية الطائفية، العصبية فى المجتمع (أنموذج المجتمع اللبنانى)، يتوصل كل من فردريك معتوق وفادى دقناش فى كتابهما «التنشئة على العصبية»، (منتدى المعارف، بيروت، 2022)، إلى أن التنشئة البيتية تؤسس للتنشئة على العصبية، بدءا من تسميات المواليد مرورا بإنتاج الرموز التى تستولد ثنائية الـ «نحن» والـ«هم»، وذلك باستحضارها للعصبية المذهبية كآلية دفاعية لمجتمع منهك بالصراعات وضعف الدولة الجامعة؛ إلا أن المفارقة تكمن فى أن المدرسة بدلا من تطويع التأسيس المعرفى البيتى العصبى وتعديله وتقويمه، تقوم بعملية تطويب وتطبيع للتنشئة الأولية، حيث تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج العصبية التى تنسحب بدورها إلى الحياة الجامعية والحياة العملية فى المجتمع؛ فالمدارس التابعة لجهات سياسية أو دينية تقدم خدماتها كبديل عن الدولة الضعيفة، لتصبح فى النهاية أشبه بمعامل لإنتاج «ابن الطائفة» بدلا من «المواطن»، فتتمأسس فيها العصبية وتتحول إلى بنية تحتية للتعليم. هنا تصبح التنشئة على العصبية هى المقابل الثقافى للولاء السياسى، بحيث يتم ضمان استمرارية الجماعة من خلال التعليم. تجدر الإشارة هنا إلى أن التنشئة على العصبية لا تمر حصرا ومباشرة من خلال الدروس، إنما من خلال «منهج خفى» يتلخص فى أشكال العلاقات الاجتماعية داخل المدرسة وطبيعتها (طريقة اختيار الأصدقاء، مرورا باللغة المستخدمة فى الملاعب، وصولا إلى الاحتفالات والرموز «الدينية» التى ترفع داخل المؤسسة التربوية)، ناهيك بدور المعلم كوسيط عصبوى يتحول من ناقل للمعرفة إلى أنموذج اجتماعى يحمل عصبيته الخاصة إلى الصف من خلال سلوكه وانحيازاته، ما يرسخ الانقسام فى وعى التلاميذ فيجعلهم يعيشون ثنائية المواطن (التى تطالب به المدرسة نظريا من خلال كتب التنشئة المدنية والوطنية) وابن الطائفة (الذى يبحث عن الحماية داخل جماعته عملانيا على أرض الواقع).


ثورة الخوارزميات وهندسة المدرسة البديلة


لا شك أننا على أعتاب ثورة رقمية جديدة لم تشهد البشرية مثيلا لها من قبل، وهنا يطرح السؤال الإشكالى الآتى: هل لهذه الثورة المعرفية الجديدة (كمتغير دخيل) القدرة على مواجهة فخ المأزق المعرفى الذى وقعت به مدرسة اليوم؟ بما أن الصورة الكاملة لهذه الثورة الوافدة لم تتضح ملامحها بعد، إلا أن لديها القدرة لتكون قوة اختراق وإعادة هندسة معرفية جديدة للمدرسة، وذلك من خلال تفكيك المركزية الذى يكسر احتكارها كمكان، ويحيد المعلم كوسيط عصبوى، ويعيد صوغ «المنهج الخفى» من خلال دمقرطة التميز، وذلك بتوفير منتج ثقافى نوعى جديد متاح ومجانى فى بعض الأحيان، وأخيرا فردنة المسارات؛ إلا أن التحديات والعقبات التى تواجه هذا المسلك كبيرة، نوجزها كالآتى: أ- فجوة رقمية متجددة (ديمقراطية الوصول): فالوصول إلى هذه التقنية الجديدة المتقدمة سيكون حكرا على النخب والمؤسسات التعليمية الخاصة فى ظل ترهل بنى المؤسسات التعليمية الرسمية على مختلف الصعد، ما يسمح «بإعادة إنتاج» أكثر خطورة، بحيث يمكن المقتدر من استثمار هذه الأداة، بينما يظل غير الميسور حبيس «الفراغ» التقليدى (الدوران ضمن الأنموذج نفسه لبيار بورديو). ب- التبعية التقنية: هنا يتم استبدال التبعية الثقافية بالتبعية الرقمية الخوارزمية التى إذا ما تم تلقينها وتغذيتها بقيمنا وخصوصياتنا الثقافية وسياقاتنا المحلية، فسنظل مستهلكى المعرفة المبرمجة من الخارج والاستمرار فى إنتاج ثقافة اللامعنى فى مجتمعاتنا، وفق تعبير الطاهر لبيب. ج- المقاومة الثقافية: ستحاول البنى التقليدية الدينية والسياسية تدجين التكنولوجيا للحفاظ على سلطتها التربوية.


أمام هذه التحديات التى ترصدها السوسيولوجيا كمرآة لواقع المدرسة فى حياتنا اليومية والعملية، تأتى مسئولية التربية لتضع نصب اهتمامها على الإخفاقات، وتبنى على الإنجازات لبناء الصورة المثالية لمدرسة المستقبل، التى لطالما كانت طموحا سعى إليه آباء التربية المؤسسون. ولأننا نعيش حالة من اللايقين المعرفى اليوم، ونحن على أعتاب ثورة معرفية رقمية كبيرة (ثورة الذكاء الاصطناعى)، لا بد من الدعوة لتبنى هذه التقنية واستغلالها كفرصة تاريخية لإخراج المدرسة من دورها التقليدى كأداة للضبط الاجتماعى إلى دور أوسع كأداة للتحرر البشرى، مع التأكيد بأن التكنولوجيا وحدها لا تكفى ما لم تقترن بوعى سوسيولوجى يفهم مكامن الخلل ويحاول تقويمه عند اللزوم.

 

فادى دقناش
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved