الفيوم زيارة إلى الجنة!

عادل سليمان
عادل سليمان

آخر تحديث: الخميس 20 أغسطس 2026 - 7:45 م بتوقيت القاهرة

على بحر يوسف والشمس تدنو من نهاية رحلتها بالأفق الغربى، تغطس فى البحر، تتطهر بما علق بها من المآسى التى صنعها البشر على الأرض. يحكى الفلاح، وهو يعد على نار «كانونه» الشاى بالنعناع، يحكى عن يوسف وبحره، يحكى عن رجال البلاط الذين سئموا من حب الفرعون ليوسف، فأخذوا يكيدون له عند الفرعون: «يا فرعون العظيم، لقد شاب يوسف كثيرًا، وقل ذكاؤه، وزال جماله، وضعف رأيه».


غير أن فرعون لم ينسَ ما تم على يد يوسف من عمل مُعجِز، وأراد أن يُرى رجال البلاط أن عند يوسف قدرة سحرية عظيمة، فقال الفرعون لخصوم يوسف: «الآن أثبتوا لى ذلك، اسألوا يوسف أن يقوم بعمل عظيم لا يستطيع إنجازه»، فقال خصوم يوسف للفرعون: «مُره أن يستنزف ماء النهر من تلك المناقع تحت مياه البحيرة، وأن يجفف هذه الأراضى ثم يزرعها، فبذلك يكون لك أيها الفرعون ولاية جديدة ودخل جديد».


• • •
ويدعو الفرعون يوسف، ويقول له: يا يوسف، لى ابنة مفضلة لدى، وأريد أن أحسن جهازها، ولكن ليس عندى من الأراضى ما أهديها إليها، أتستطيع أن تحول تلك المناقع إلى ولاية جديدة؟ هى حسنة الموقع، غير بعيدة عن عاصمتى، هى فى وسط الصحراء، وتكون ابنتى مستقلة بها! وهناك يسأل يوسف: «متى تريد ذلك يا فرعون العظيم؟»، فيكون ذلك بعون الله. فيجيب الفرعون ككل صاحب سلطان بما يمكن من السرعة.


وهناك يأمر الله يوسف أن ينشئ ثلاث قنوات، إحداها من مصر العليا «من ديروط، بداية بحر يوسف، والثانية من الشرق، والثالثة من الغرب». فيستنزف المياه من تلك الأراضى بهذه القنوات. ويغرس يوسف ألفًا من الأشجار والزيتون، ويدخل النيل وقت الفيضان إحدى تلك القنوات، فيسقى البلد المجفف ويخرج من القناة الأخرى، ويتم ذلك بعون الله على يد يوسف فى سبعين يومًا. عندئذ يقول فرعون لخصوم يوسف من رجال البلاط: هذا الذى صنعه يوسف الشائب ضعيف الرأى، وهذا ما لا تقدرون على صنعه فى ألف يوم. وما فتئ ذلك البلد يسمى بلد ألف يوم أو الفيوم (1).


الفيوم واحة الصحراء، أخصب وأجمل وأكبر الواحات الطبيعية فى بر مصر، والتى يرجع تاريخها إلى عصر ما قبل عصر الأسرات، وقد وجدت فى قلب بحيرة قارون آثار لحضارة ترجع إلى ثمانية آلاف سنة، فقد وجد سكاكين وحجارة مصقولة وبقايا أدوات صيد. تلك الواحة الجميلة فتنت المؤرخ هيرودوت، والتى رآها المؤرخ استرابون، غنية بأشجار الزيتون والعنب، ودربًا من الجداول والينابيع الطبيعية.
• • •
عزيزى القارئ، إذا كنت من عشاق الجمال وتريد أن ترى جنة الله على أرضه، فتعالَ إلى الفيوم، وإذا كنت تريد أن ترى أجمل شروقًا وغروبًا للشمس، فتعالَ إلى الفيوم، وبالتحديد فى منطقة قصر الباسل. أول باب يُفتح على الجنة بالفيوم يفتح على حدائق وبساتين غناء. فقد قيل إن أفضل لقاء بالمدن وقت شروق الشمس ووقت غروبها، ففى الشروق تكون كزهرة ندية تتفتح لتعانق قطرات الندى، ويملأ عطرها الفواح كل الأماكن. وفى الغروب تكون كالعروس الجميلة وقد تزينت بفستان لم تره من قبل، تدعوك لتشاركها ألق ليلتها (2).


• • •
ساعة ونصف الساعة عبر طريق القاهرة أسيوط الصحراوى الغربى تنقلك من حال إلى حال، تنقلك من زحام القاهرة وضجيجها إلى جمال الفيوم وهدوئها. ومن أول أبوابها بقصر الباسل ترى الجمال أسفل منك وأنت فوق «كوبرى الباسل» بالطريق الصحراوى. انظر إلى الشرق، لترى جمال الشروق، ترى أشعة ذهبية للشمس تتراقص فوق صفحة مياه بحر يوسف القادم من الشرق، أشعة تداعب الخضرة وتضيء سعف النخيل. وكأن الشمس قد باتت ليلتها هنا بقصر الباسل، ليكون أول من يشاهد جمالها عشاق الفيوم. جنتان عن يمين وشمال بحر يوسف، والذى يخترق قلب الصحراء مكونًا زروعًا ونخيلًا وخضرة على مد البصر وسط رمال الصحراء. لا تملك إلا أن تهتف من قلبك: «سبحانك ما أبدعك». لا تملك إلا أن تجعل من هاتفك «كاميرا» تدور لتسجل أو تبث من على البعد لحبيب أجمل شروق للشمس بمنطقة قصر الباسل بالفيوم. أما عن جمال الغروب، فعليك عزيزى القارئ الانتظار لنهاية المقال لتقرأه، أو بالأحرى لتشاهده على بحيرة قارون، أو العودة لمنطقة قصر الباسل.


• • •


تتبع طريق البحر لتشاهد جمال الفيوم:


هناك طريقان للقادم من القاهرة لزيارة الفيوم: طريق القاهرة الفيوم مباشرة، وطوله 90 كيلومترًا تقريبًا، وطريق القاهرة أسيوط الصحراوى الغربى، وطوله 100 كيلومتر تقريبًا، والاتجاه غربًا من قصر الباسل لقلب مدينة الفيوم 45 كيلومترًا. فإذا أردت أن تشاهد جمال المدينة من بدايتها، فعليك بطريق القاهرة أسيوط الصحراوى الغربى، ثم الاتجاه غربًا بمحاذاة بحر يوسف فى تتبع للبحر. فعلى جانبى البحر ترى جمال الريف، جمال لا يوصفه إلا شاعر، شاعر. جمال لا يضاهيه جمال. مياه وخضرة ووجوه الفلاحين الحسنة تشكل لوحة فنية رائعة الجمال بالفيوم.


• • •


آثار الفيوم والسواقى رمزًا للمدينة:


بعد أن يشاهد الزائر العاشق لروعة وجمال الريف، لا يفوته بالتأكيد إلا الاستمتاع بمشاهدة آثار الفيوم، والتى تضم كل العصور والحضارات المختلفة. فقد قيل: إذا أردت أن ترى مصر كلها فتعالَ إلى الفيوم، فهناك تمثلت كل الحضارات والأزمنة المختلفة، مثل:
1- هرم اللاهون من عهد سنوسرت الثالث، ويعد من أهم الأهرامات غير المكتملة.


2- هرم هوارة، شيده الملك أمنحات الثالث.


3- مدينة كرانيس من العصر اليونانى الرومانى، آثار لمنازل قديمة وبعض بقايا أدوات رومانية.


4- سواقى الفيوم، رمز المدينة، وما زالت بعض السواقى تعمل إلى الآن بفعل الطبيعة.


5- عين السليين، وهى عبارة عن ينابيع مياه طبيعية، وهدارات مياه تأثرت بزلزال 1992، وهى منطقة طبيعية يلفها بساتين الفاكهة والأشجار.


6- وادى الحيتان، موقع تراث عالمى مسجل على قائمة اليونسكو، يضم حفريات حيتان تعود إلى أزمنة سحيقة.

 

وادى الريان وبحيرة قارون مصيف مجانى للقاهرة ومدن الصعيد:


يعتبر وادى الريان وشلالاته منطقة متفردة ليس بالفيوم وحدها، ولكن فى مصر كلها، وتعتبر المصيف المجانى الذى يناسب الأسر المختلفة فى القاهرة ومحافظات الصعيد، وبالاستمتاع بزيارة اليوم الواحد أو أكثر من يوم. فعلى الجمعيات والنوادى الاجتماعية ومراكز الشباب وقصور الثقافة فى القاهرة ومدن الصعيد تنظيم رحلات اليوم الواحد أو أكثر للفيوم للاستمتاع بمشاهدة جمال المدينة والسباحة فى بحيرة قارون والتمتع بشلالات وادى الريان، مع أكلات أسماك من بحيرة قارون التى تعد من أفضل أسماك المياه العذبة فى مصر كلها. وتكلفة الزيارة تعتبر فى متناول الأيدى، لأن محافظة الفيوم أتاحت زيارة تلك المناطق بالمجان، لتنشيط السياحة الداخلية، والمدينة تعتبر الأقرب للقاهرة ومدن الصعيد لوجودها فى منطقة وسط، وتمتعها بالجو المعتدل، وبالإضافة لمناظر طبيعية خلابة تأخذ القلب والعقل معًا.


• • •


قرية تونس قرية من ذهب:


بإطلالاتها الجميلة على بحيرة قارون، وموقعها الساحر، وعمل أهلها بحرف وصناعات مختلفة من المنسوجات وصناعة الخزف والفخار، تعتبر تلك القرية نموذجية، والتى تستقبل آلاف السياح الأجانب من مختلف دول العالم سنويًا.

 

يا صاحب العدل، يا من أقامك الملك لتقيم الحق والعدل:


العدل معك هو ماء الحياة، ففى إنصافك للمظلوم كأنك وصلته بماء الحياة، إنك كراعٍ للغنم تذود عنها وتحافظ عليها. إنك كالسد الذى يمنع الماء إن لم تنصف المظلوم. إنك كميزان مائل إن لم تأخذ على يد الظالم، فالظلم يهدم والعدل يحفظ الناس. تلك شكاوى الفلاح الفصيح، والتى جرت على أرض الفيوم بتسع شكاوى. فى عهد الملك «نب كاو رع» من الأسرة العاشرة، كان يحمل الملح من وادى النطرون، اتهمه رجل من ذوى النفوذ بأنه مر فى أرضه وقضم حماره بعضًا من سنابل زرعه. فأخذ منه حماره وملحه ومتاعه، فاشتكى لحاكم المدينة بتسع خطابات. ولم يرد الحاكم على شكاواه حتى يسترسل من تلك الحكم والأدب الرفيع.
وفى نهاية الزيارة، إن كنت من عشاق مشاهدة الغروب، فهناك على بحيرة قارون أجمل غروب للشمس، مع روعة تدفق الطيور المهاجرة على صفحة مياه البحيرة. أو كما بدأنا نعود، فهناك غروب قصر الباسل، وما أجمله، حيث الشمس توشوش سعف النخيل بأن يومها فى أرض الجنة قد أوشك على الرحيل.


معد برامج بتليفزيون الصعيد
المصادر:
المؤرخ الألمانى إميل لودفيج.. كتاب «النيل حياة نهر. (1)
(2) محمد بن سيف الرحبى.. روائى سلطنة عمان.. استطلاع «تركيا أنشودة البوسفور».. مجلة العربى الكويتية، أغسطس 2021

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved