باب المندب وما حوله.. الحسابات الحرجة!
عبد الله السناوي
آخر تحديث:
الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:55 م
بتوقيت القاهرة
للأزمة المشتعلة عند مضيق باب المندب بعد سيطرة الحوثيين عليه وجهان متلازمان.
الأول، يتصل مباشرة بأزمة مضيق هرمز، التى ترتبت على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
والثانى، يعود إلى الأزمة اليمنية بكافة تعقيداتها الإقليمية، التى أخذت مداها إثر عملية «عاصفة الحزم» عام (2015) وما تلاها من تحولات وصدامات وانقلابات داخل المعسكر الواحد.
لا يمكن بأى حساب، ضمان أمن الملاحة البحرية فى المضيقين الاستراتيجيين بالقوة العسكرية وحدها.
الحسابات حرجة للغاية، ولكل حساب اعتباراته وتقاطعاته.
الإيرانيون، يستشعرون أنهم حققوا إنجازا كبيرا بتمكن حليفهم «الحوثى» من السيطرة على الساحل الغربى فى اليمن وجزر استراتيجية عند باب المندب، فهو يقوى مركزهم التفاوضى ويعمق بالوقت نفسه مأزق إدارة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» قرب الانتخابات النصفية لمجلسى الكونجرس نوفمبر المقبل.
إذا ما خسر الجمهوريون الانتخابات، وهو احتمال وارد بقوة حسب استطلاعات الرأى العام، فإن إدارة «ترامب» سوف تجد نفسها بلا سند تشريعى يدعم قراراتها وتصرفاتها بلا قيد.
والأفدح أنها سوف تجد نفسها أمام شروط إيرانية صارمة لوقف النزيف الاستراتيجى والعسكرى والاقتصادى: إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وفك الحصار البحرى عن موانيها، والحصول على أصولها المالية المجمدة.
الحساب الإيرانى يتقاطع مع الحساب الحوثى، لكنه لا يطابقه.
كان لافتا أن مجلس الأمن الدولى أدان بالإجماع سيطرة الحوثيين على باب المندب داعيا إلى الانخراط فى العملية السياسية، التى تقودها الأمم المتحدة للمصالحة اليمنية!
لم تعترض روسيا والصين على الشطر الأول من القرار الأممى، وإيران نفسها حاولت أن تأخذ مسافة عن الحوثى حتى لا تتهم بتعمد خنق التجارة الدولية وحركة ناقلات النفط والغاز عبر الممرات المائية الدولية، بينما بدا الشطر الثانى تقليديا ومعتادا، ولا يرتب أى جهد دولى ملموس فى التوصل إلى تسوية للأزمة اليمنية.
ما يهم الدول الكبرى، على اختلاف توجهاتها ومصالحها، ألا تفضى سيطرة الحوثيين على باب المندب، إلى تفاقم أزمة الطاقة لحدود غير محتملة.
بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فإنها ضربة موجعة لسياساته ورهاناته قبيل الانتخابات الوشيكة.
شعبيته متراجعة بفداحة، واحتمالات خسارة الجمهوريين للانتخابات ماثلة فى استطلاعات الرأى على خلفية فشله الذريع فى تحقيق أى من وعوده.
وعد بتحسن كبير فى الاقتصاد الأمريكى، وهو ما لم يحدث.
بل العكس تماما حيث تقوضت الثقة العامة فيه ــ حسب «نيويورك تايمز».
ووعد بوقف التورط فى أى حروب، خاصة فى الشرق الأوسط، وهو ما لم يحدث بدوره، ولم تعد أمريكا عظيمة مرة أخرى!
حسب تصريحات «ترامب» المتواترة فإن «الحرب سوف تنتهى قريبا عقب انتهاء الانتخابات».
تصريحاته لا تعنى شيئا موثوقا، هدفها الواضح التأثير فى الرأى العام بمحاولة إقناعه التصويت لصالح الجمهوريين، حتى يكون فى موقف تفاوضى أفضل بعد الانتخابات.
لم يكن من أهداف الحرب فى بدايتها فتح مضيق هرمز، لكنه تحول بالوقت إلى صلب العمليتين العسكرية والسياسية الأمريكيتين.
بإضافة أى إغلاق محتمل لمضيق باب المندب فإن الهزيمة الاستراتيجية سوف تكون كاملة.
استبعد أى عمل عسكرى ضد الحوثيين، خشية التورط فى المستنقع اليمنى.
قال: «الحوثيون لا يريدون قتالنا» كذريعة للتحلل من مسئولياته تجاه السعودية.
المفارقة الكبرى أنه دعا دول الخليج للاجتماع به غدا «الثلاثاء» على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للتباحث حول ما قد يحدث فى اليوم التالى لانتهاء الحرب.
قفز إلى التهويمات فيما الحرب لم تتوقف بعد.
بقوة الحقائق فإن أى إغلاق محتمل لمضيق باب المندب يضرب قناة السويس ودورها المحورى فى التجارة العالمية ويؤذى بالعمق دول الخليج فى قدرتها على تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
الإيرانيون يكتفون هذه اللحظة بإشهار ورقة باب المندب، دون استعداد لتحمل مسئولية أى إغلاق محتمل.
الحوثيون بدورهم يرسلون خطابات طمأنة للعالم كله، بأن حرية الملاحة سوف تكون آمنة فى مضيق باب المندب، ويقصرون الأزمة على السعودية وحدها.
تصاعدت الاشتباكات والغارات المتبادلة بين صنعاء والرياض إلى حدود استدعت تحذيرا من الخارجية الأمريكية لمواطنيها بتجنب السفر إلى الشرق الأوسط، أو عبره.
احتدام المعارك على جبهات عدة بين القوات الحكومية الموالية للسعودية والحوثيين المواليين لإيران «لاستعادة الزمام» استدعى سؤالا حرجا عن الموقف العملى للحليفين التركى والباكستانى بموجب التزامات اتفاق مكة.
الباكستانيون يصرحون: «حان الوقت» لتفعيل الاتفاق، ثم لا يحدث شىء باستثناء «حث الإيرانيين على كبح هجمات الحوثيين ضد السعودية».
لا قوات تحركت، ولا اتصالات جرت تتجاوز ما كان يمكن أن يحدث إذا لم يكن هناك اتفاق أمنى وعسكري.
لم يتجاوز الدور التركى بدوره المساحة الدبلوماسية المعتادة خشية التأثير السلبى على حساباته الإقليمية المعقدة، لا يريد صداما مع إيران، ولا يطلب اصطفافا مع إسرائيل، التى تحاول الاستثمار فى الأزمة بصورة مباشرة وغير مباشرة ولا تخفى شماتتها.
كانت زيارة ولى العهد السعودى «محمد بن سلمان» للقاهرة لافتة بتوقيتها.
حسب المعلومات الأولية فإن القاهرة تستبعد أى تورط عسكرى وتميل إلى التهدئة والحوار ووقف التصعيد.
بين التهدئة والتصعيد، بدا إلغاء اجتماع كان مقررا فى سلطنة عمان بين إيران ودول الخليج والعراق لبحث التوترات فى مضيق هرمز قبل موعده منذرا بما حدث بعده.
كانت الذريعة المعلنة أن الوقت غير مناسب لعقد مثل هذا الاجتماع.
الإلغاء بذاته تعبير عن فجوات الثقة الواسعة بين أطرافه.
بعد أزمة باب المندب ازدادت الفجوات عمقا واتساعا.
عسكرة الملاحة بالبحر الأحمر، خطر ماثل على الأمن القومى المصرى، ولا يتوقف عند الإضرار بقناة السويس وحدها.
الدور الإسرائيلى غير خاف حيث مشروعات التقسيم ماثلة فى عدن وأرض الصومال والسودان، وحيث حصار مصر حاضرا.
يفترض فى الدور المصرى أن يعمل على وقف التصعيد، استبعاد التورط العسكرى، والعمل بكل طاقته على حل شامل للأزمة اليمنية تحفظ وحدته وتصون بالوقت نفسه حرية الملاحة فى البحر الأحمر.