إصلاح التعليم.. ونظرية «ديل الديب»
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:45 م
بتوقيت القاهرة
عاصر كاتب هذه السطور أكثر من 15 وزيرا للتربية والتعليم، بدءا من مصطفى كمال حلمى فى أواخر السبعينيات، وصولا إلى الوزير الحالى محمد عبد اللطيف، مرورا بفتحى سرور وحسين كامل بهاء الدين وأحمد جمال الدين وطارق شوقى ورضا حجازى وغيرهم.
خلال تلك الفترة التى تجاوزت الأربعين عاما، لم يتوقف الوزراء عن الحديث عن إصلاح التعليم، ووضع الاستراتيجيات وبناء منظومات قادرة على مواكبة التطورات.
وما إن يتسلم الوزير مهام منصبه، حتى يبدأ فى تكليف فريق بإعداد استراتيجية جديدة، وكأن المنظومة التعليمية لم تعرف قبل وصوله إلى الوزارة سبيلا للتطوير أو الإصلاح.
بحسب رواية الخبير التربوى الدكتور سعيد إسماعيل على، الذى شارك فى إعداد إحدى استراتيجيات تطوير التعليم فى عهد الدكتور فتحى سرور، فقد طُلب منه عام 1987 وضع تصور لما ينبغى أن يكون عليه التعليم، على أن يُعرض بعد فترة وجيزة فى مؤتمر عام بحضور رئيس الجمهورية؛ وقد أبدى الرجل دهشته من ضيق الوقت المتاح، خصوصا أن سياسة تعليمية قد جرى إقرارها قبل ذلك بعام واحد.
ويقول على، فى مقال نشره بـ«الأهرام» قبل سنوات: انعقد المؤتمر ووُزع تقرير فى 320 صفحة، دون أن يتاح لأغلب الحاضرين وقتها الاطلاع عليه، ومع ذلك جرت المناقشات، وانتهى الأمر كما تنتهى مؤتمراتنا عادة؛ صفق الحضور وخرجوا سعداء بإنجاز استراتيجية جديدة لتطوير التعليم، وكوفئ صاحبها برئاسة مجلس الشعب لنحو 20 عاما.
لم تتوقف القصة عند هذا الحد؛ وظهرت بعد ذلك تقارير واستراتيجيات أخرى، بعضها فى كتب فخمة وأغلفة مُذهبة، وبعضها حمل اسم رئيس الجمهورية، وتبارى الوزراء فى تقديم إنجازاتهم، حتى إن الدكتور حسين كامل بهاء الدين، الذى بقى وزيرا للتعليم لأكثر من 13 عاما، قدّم فى إحدى طبعات استراتيجية إصلاح التعليم الرئيس مبارك باعتباره «الزعيم صاحب المشروع القومى لنهضة مصر الحديثة، وصاحب الرؤية التربوية الثاقبة».
المفارقة أن بهاء الدين نفسه أقر أمام مبارك فى 2004 بأن التعليم فى مصر قد انهار، «لسنا وحدنا، نحن وزراء التعليم، المسئولين عن انهيار العملية التعليمية، خلال العقود الماضية، فهنالك شريك فى تحمل هذه المسئولية هو النظام الذى حكم مسيرتنا».
وهكذا استمرت لعبة الأوانى المستطرقة، يأتى وزير جديد، يبدأ عهده بالحديث عن منظومة منهارة، وينتقد ما فعله أسلافه، ثم يعلن عن إعداد مشروع متكامل واستراتيجية مستدامة؛ وبعد أن يغادر، يأتى وزير آخر ليكتشف أن كل ما سبق كان يحتاج إلى إصلاح!.
فى السنوات الأخيرة، أثارت تجربة الدكتور طارق شوقى، بما حملته من بنك المعرفة والتابلت ونظم التقييم جدلا واسعا، ثم انتهت وجاء وزير آخر بمشروع آخر، وكأن المشكلة كانت دائما فى «الاستراتيجية»، لا فى طريقة تعامل الدولة مع ملف التعليم، ولا فى غياب أولوية الاستثمار فى المورد البشرى على غيره من الاستثمارات.
قبل أيام، عقد وزير التعليم محمد عبد اللطيف جلسة نقاشية تحت عنوان «جهود تطوير التعليم.. رؤية للحاضر وآفاق المستقبل»، وتحدث عن تحديات التعليم خلال العقود الثلاثة الماضية، وفى مقدمتها غياب استراتيجية واضحة لا تتغير بتغير الوزير، وأزمة المعلم، والكثافات، والدروس الخصوصية، وعجز أعداد المدرسين. إلخ..
أعاد عبد اللطيف تدوير الأزمات التى قتلها أسلافه بحثا، لكنه لم يضع يده على أصل الأزمة؛ فالمشكلة لم تكن يوما فى غياب الخطط والاستراتيجيات، وإنما فى غياب مشروع قومى مستقر ينظر إلى التعليم باعتباره استثمارا فى أهم موارد الدولة «البشر».
لن ينصلح حال التعليم ما دامت الدولة تتعامل مع الطالب والمعلم باعتبارهما عبئا ينبغى التخفف منه، لا ثروة يجب الاستثمار فيها؛ فالمعلم يحتاج إلى أجر وتدريب ومكانة تليق بدوره، والطالب يحتاج إلى مدرسة حقيقية ومناهج تعلمه التفكير والبحث، لا الحفظ والتلقين، أما المنظومة فتحتاج إلى موارد ومتابعة ومساءلة واستقرار فى السياسات، لا إلى استراتيجية جديدة كلما تغير الوزير.
لقد ضربت مصر فى أعز ما تملك، موردها البشرى، الذى كانت تصدره للخارج باعتباره أفضل مواردها، أصيب هذا المورد بالترهل ونفص التأهيل، وهذه ليست مشكلة وزير بعينه، وإنما حصيلة عقود من السياسات التى تعاملت مع التعليم باعتباره ملفا هامشيا أكثر منه مشروعا لبناء مستقبل الدولة وصناعة نهضتها.
آن الأوان لأن نتوقف عن طرح استراتيجيات، ونبدأ فى التعامل مع التعليم باعتباره مشروعا قوميا مستقرا لا يتغير بتغير الأنظمة والحكومات؛ فالمشكلة ليست فى عدم وجود «استراتيجيات»، بل فى إصرار كل وزير على أن يضع بصمته الخاصة، لإقناع من وضعه فى منصبه أنه «جاب الديب من ديله».