واجهوا مصيركم مثل (أسماء)

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الخميس 20 أكتوبر 2011 - 10:00 ص بتوقيت القاهرة

«أنا مش خايفة من المرض.. أنا خايفة منكم أنتم».. كانت الجملة قاسية والنظرة أكثر قسوة عندما وقفت أسماء تنظر لمشاهدى قصتها أمام الشاشة، تحاول أن تخاطبهم فى مشاعرهم وتزلزل أفكارهم وتعيد حساباتهم.. كانت كلمات أسماء ونظرتها ورجفتها نبض ينتفض داخل الجميع.. فقد وصلت الرسالة: نعم لم نعد نلقى رءوسنا فى الرمال حينما يصيبنا مكروه أو مرض قد يؤدى بنا فى النهاية إلى مفارقة الحياة.. لم نعد نخشى الاعتراف بما يوجعنا ويؤلمنى حتى لو كان وراءه مرض أحد أهم أسبابه سيئة السمعة.

 

كان الأداء فى هذا المشهد رائعا موحيا ومؤكدا موهبة كبيرة ناصعة النضج هى هند صبرى، التى قبلت التحدى فى تجسيد تلك الشخصية التى يحمل عنوان الفيلم اسمها «أسماء»، ذلك التحدى الذى جعلها تبكى متأثرة بمشاهدة نفسها، وبدت وكأنها توحدت مع الشخصية المأساة التى لم يستطع الجمهور أيضا أن يمنع دموعه.. تلك الدموع التى فجرها ذلك الأداء وتلك اللقطات الأكثر واقعية والصورة الشفافة، وتتابع سر الحكاية الذكى، وهو تتابع جاء بلا افتعال أو فزلكه تحسب لمخرجه عمرو سلامة، الذى كتب الفيلم أيضا وظل يعد له ست سنوات.

 

وحكاية أسماء تبدأ وتنتهى من منطقة ساخنة دراميا.. فهى امرأة فى الأربعين من عمرها مصابة بفيروس الإيدز، ولديها فتاة طالبة ثانوى وتعيش فى القاهرة مع والدها وابنتها، كانت أسماء تعيش فى إحدى قرى ريف القليوبية مع والدها تكافح معه وتشاركه لقمة العيش، حيث تصنع السجاد اليدوى وتبيعه، وتوقع بأحد الشباب الريفى المجند فى الحب ــ رامى عادلى ــ وتتزوجه ويحلم الاثنان بإنجاب طفل يرث الأرض التى ورثها الزوج وأخوه الذى لم ينجب، وتصر أسماء على مواصلة عملها الذى تحبه رغم رفض الزوج، لكنه يوافق تحت ضغط الحب، وفى أحد الأيام تشتبك أسماء مع أحد رجال السوق المنافسين، فيقتله الزوج دفاعا عن زوجته ويدخل على إثر الحادث السجن، وهناك يصاب بالإيدز، وهنا تتكشف أسرار الحكاية والإجابة عن السؤال الدائر طوال الفيلم «إيه سبب إصابتك بالإيدز يا أسماء»؟

 

المهم يحاول الزوج أن يبتعد عن زوجته وتتغير مشاعره تجاهها خوفا من إصابتها، بل ويطلقها لكنها تصر على العيش معه وتحقيق حلم إنجاب طفل، ولم تخش انتقال المرض إليها أو موتها، خاصة بعد أن ذهبت لسؤال الطبيب عن الحالة وقال لها: إن الطفل لا يمكن أن يصاب طالما تحافظين على نفسك! وبالفعل حملت أسماء وأنجبت حبيبة، لكن يموت الزوج وتخرج أسماء من القرية لتواجه مصيرًا آخر بالقاهرة.

 

وبين مشاهد القرية ومشاهد القاهرة كانت تنتقل كاميرا أحمد جابر بسلالة، فنحن هنا فى المطار، حيث تعمل أسماء وتطلب منها مديرتها أوراق التعيين، ولم تستطع أسماء الهروب أكثر من ذلك فهى تخشى اكتشاف أمرها، وبالتالى الرفت، لكنها فى النهاية تأتى بالأوراق ويتم طردها بالذوق بحجة أن زملاءها لا يريدونها خوفا من انتشار العدوى، ونرى أسماء تذهب لإحدى العيادات الخاصة بالعلاج النفسى الجماعى لتفضفض بقصتها هناك فقط، لكنها تخشى من مواجهة المجتمع ومن تأثير معرفة سرها على ابنتها المراهقة.. وفى كل تلك الحالات هى تعانى من آلام فى المرارة نتيجة عدوى، وفى كل مرة تذهب فيها لطبيب أو مستشفى يرفض إجراء العملية خوفا من العدوى.. وهنا تنطلق صرخة أسماء.. وتحت إلحاح مقدم أحد برامج التوك شو «ماجد الكدوانى» تقرر أسماء الظهور فى البرنامج وتتكلم عن أزمتها فى رفض الأطباء معالجتها من المرارة.. تلك المرارة التى ترمز لمرض أكبر وأخطر من الإصابة بالإيدز نفسه، بل من نظرة المجتمع للمريضة وعدم الاعتراف بحقها فى الحياة، وجعلها تعانى من مشاعر العزلة الاجتماعية خوفا من اكتشاف أمر مرضها حتى وإن كان لأقرب إنسان لها.

 

وكانت اللحظة رائعة الأداء والتصوير والإضاءة والحبكة حينما جلست أسماء أمام المذيع التليفزيونى لتقرر أن تختار ما بين فضح سرها أو أن تواصل معاناتها فى صمت وينتقل المشهد ليذكرنا ببدايات حلوة ومرة لأسماء.. ويدفعنا دفعا إلى ضرورة الاعتراف والمواجهة وإطلاق رصاصات أخلاقية تجاه المجتمع الرافض لقبول التعامل مع هؤلاء المرضى، ونرى من جديد الحلقة التليفزيونية لنرى المذيع الذى يلح على أسماء لتكشف سبب إصابتها بالإيدز أمام الناس، لكنها تصر على الرفض، وهو الإلحاح والسؤال الذى تكرر عبر مواقف كثيرة كنت أرى أنه لا يوجد داعى لها، لتسير الحكاية بنعومتها وقسوتها دون طرح أسئلة مباشرة، إنما يبدو أن مشاركة برنامج الأمم المتحدة المعنى بفيروس نقص المناعة البشرية فى الإنتاج كان له دور فى خط سير تلك المنطقة من الأحداث، خاصة فى مشروع سينمائى يلقى الضوء على حاملى المرض والأضرار التى يواجهونها فى بلدان نامية مثل مصر، وإن كان أهم من يسير عليه الفيلم الكشف عن أن أسماء لم تتحطم داخليا ونفسيا وجسديا فقط، وإنما المهانة التى يعانى منها حامل الفيروس الذى يرغب فى أن يعيش حياة طبيعية وكانت الشخصية إيجابية بقرار أسماء كسر حاجز الخوف للمطالبة بحقوقها فى الرعاية الصحية.. وبدا الفيروس الحقيقى فى عقول الأشخاص الذين يشاهدون ويحكمون.

 

واقع الأمر أن فيلم أسماء يمثل حالة خاصة فى السينما المصرية.. حالة كنا فى حنين إليها منذ سنوات، وكم كانت انفعالات الصالة حاضرة جدا مع كل همسة ونظرة لبطلة قصتنا التى أصابت هند صبرى فى مشاعرها، وبالتالى نقلت حالة القلق للجميع.. فقد أدانت مجتمعًا وحاكمته ومنحته فرصة للبراءة إذا أراد التغيير. بل ومنح الفيلم السينما المصرية فرصة للتألق من جديد عبر المهرجانات العالمية، خاصة أن صناعة الشباب من عمرو سلامة ومحمد حفظى وبشرى يملكون مفردات الصعود بإنتاج سينما يمكن أن تغير نظرة القلق من حال أفلامنا بعد الثورة.

 

فالفيلم الذى شهدت شاشة مهرجان أبوظبى عرضه الأول وينافس على جائزة مسابقة آفاق يرصد قصة امرأة حقيقية، واستعان المخرج بحالات واقعية مصابة بالإيدز رفضوا الكشف عن هوياتهم، كما لو كانوا مجرمين، لكن تبقى هناك حالات أراها تشكل جزءا سلبيا على دراما الحدث، وهى مثل الشاب الفلاح الذى جسد لأخ زوج أسماء، كيف له أن يكون مدمنا ويحقن نفسه دون تمهيد لواقعيته. أيضا رغم الحضور الطاغى للمذيع محسن السيسى ــ الذى قدمه ماجد الكدوانى ــ والذى نجح فيه ماجد برسم ملامح خاصة بطريقة كلامه وعصبيته التى تقترب إلى حد ما من أجواء أدائه المميز فى فيلم 678، تلك النوعية من الشخصيات التى يبدو أنه وجد نفسه فيها، إلا أن مساحة مشاهد التوك شو على الشاشة فى فيلم سينمائى كانت طويلة إلى حد ما ــ حوالى 17 دقيقة ــ كما أشار الناقد الكبير كمال رمزى إلى أن وجود التوك شو بهذه المساحة يمكن أن يكون فى مسلسل درامى وليس فى فيلم سينمائى.. على الجانب الآخر هناك مشاهد كانت شديدة التأثر وبمثابة فلاشات لواقع الشخصية مثل ذلك المشهد الذى جمع بين أسماء وخطيبها فى السيارة ــ أحمد كمال ــ حين سألها كنت بتخافى من إيه يا أسماء وانت صغيرة؟ وترد كنت أخاف أنام فى الضلمة.. ودلوقت بأخاف أنام فى النور! وأيضا مشهد لقاء أسماء بمدير المستشفى الذى سيعمل لها العملية مجانا بشرط أن تجيب عن سؤاله: إيه سبب إصابتك الإيدز؟ فترد عليه: إنت الفلوس اللى هتعملى بيها العملية دى حلال يا دكتور.. جبتها منين.. قالتها أسماء بأداء عفوى رائع.. وكأن الصالة كلها تريد أن تسأل نفس السؤال شأنه شأن أسئلة أخرى كثيرة طرحتها نظرات وانفعالات أسماء ومحسن وحبيبة.. رغم أن الأخيرة حاكمت أمها بانفعال غير مبرر.

 

لكنها حياة السينما التى تشبه إلى حد كبير عالمنا وحياتنا فى هذا الفيلم.. تضحية.. هم.. خوف.. تردد.. مواجهة أحيانا.. لحظات سعادة قليلة.. رضا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved