عيد القوات البحـرية المصرية.. التحول فى الفكر الاستراتيجى البحرى فى العالم

أيمن النحراوى
أيمن النحراوى

آخر تحديث: الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

لم تكن أحداث يوم 21 أكتوبر مجرد معركة بحرية ضارية دارت أحداثها بين قوتين بحريتين عدوتين، بل تجاوزت ذلك لتصبح علامة فارقة وتحولا جوهريا فى الفكر الاستراتيجى البحرى والمفاهيم القتالية البحرية، إذ إنه للمرة الأولى فى التاريخ البحرى العسكرى تتصدى وحدة بحرية صغيرة ممثلة فى لانش صواريخ لمدمرة معادية وهى وحدة بحرية ضخمة تتمتع بقوة نيران هائلة ومتنوعة، لكنها لم تصمد فى مواجهته، وأثبتت تلك المعركة أن قوة النيران والقدرة القتالية لم تعد تتناسب طرديا مع حجم القطعة البحرية، وباتت هذه المعركة منذ ذلك اليوم درسا تاريخيا تدرسه الأكاديميات البحرية العسكرية، ونقطة تحول لدى القوى البحرية فى العالم فى بناء أساطيلها وقدراتها القتالية البحرية.
جاءت هذه المعركة أيضا فى توقيت دقيق بالنسبة لمصر، إذ لم تكن قد مضت على أحداث يونيو 1967 أكثر من خمسة شهور، كانت مصر تضمد أثناءها جراحها وتستعد للانتقام وتحرير أرض سيناء المغتصبة واستردادها وتطهيرها من دنس العدو الإسرائيلى.
***
فى مساء يوم الجمعة 20 أكتوبر 1967 اكتشف رادار لنش السواحل «نسر» هدفا فى اتجاه 51 درجة على مسافة 17 ميل بحرى من فنار بورسعيد، وفى الساعة 5:30 من صباح اليوم التالى تم رصد الهدف من جديد بوضوح بواسطة أجهزة رادار قاعدة بورسعيد البحرية على اتجاه 95 درجة ومسافة 13 ميل بحرى، كما رصدت نقطة المراقبة البصرية أعلى فنار بورسعيد الهدف وسجلته إحدى السفن التجارية المصرية والتى كان يقودها آنذاك الربان آمون واصف، وقام بإبلاغ الجهات المعنية فى مصر بذلك.
كانت المدمرة الإسرائيلية إيلات طراز Z إنجليزية الصنع حمولة 2575 طن، طولها الإجمالى 111 مترا العرض 11 مترا، الغاطس 5 أمتار، السرعة 31 عقدة، مدى الإبحار 2800 ميل بحرى، ذات 4 قواعد أعماق، 4 مدافع 4.5 بوصة، 6 مدافع 40 مم، 8 أنابيب طوربيد، عدد أفراد الطاقم 186 ضابط وجندى.
وعليه فقد تم رفع درجة الاستعداد فى القاعدة، وعندما أشارت عقارب الساعة إلى السابعة وعشر دقائق صباحا، تم إبلاغ مركز العمليات البحرى بقيادة القوات البحرية بالإسكندرية بالموقف، وعلى الفور أصدر قائد القوات البحرية تعليماته بإخطار هيئة العمليات بالقيادة العامة للقوات المسلحة، وفى قاعدة بورسعيد البحرية كان قد تم رفع درجة استعداد سرب لانشات الصواريخ المكون من لانشين طراز كومار حمولة 85 طنا، طول27 مترا، عرض 6 أمتار، غاطس 1.5 متر، السرعة 40 عقدة، مدى الإبحار 400 ميل بحرى، واللانش الواحد مجهز بصاروخين موجهين طراز ستايكس مدى 34 ميل بحرى، وسرعة الصاروخ 0.9 ماخ، ووزن العبوة المتفجرة نصف طن.
فى الساعة 11.25 صباحا تم رصد الهدف من جديد على مسافة 5 أميال بحرية من نجمة بورسعيد وبعد 15 دقيقة رصد الهدف من جديد على اتجاه 40 درجة ومسافة 11 ميل بحرى من فنار بورسعيد، وبذلك يكون الهدف قد اخترق المياه الإقليمية المصرية، وعليه فقد طلبت قيادة القوات البحرية من القيادة العامة وهيئة عمليات القوات المسلحة التصديق على قرارها بتدمير الهدف البحرى المعادى.
كان القرار خطيرا وعلى درجة عالية من الحساسية، وستترتب عليه أبعاد سياسية وعسكرية، وعليه فقد تم رفع الأمر إلى الرئيس جمال عبدالناصر (رحمه الله) الذى صدق عليه من فوره فى تمام الساعة 12:20 ظهر ذلك اليوم المشهود.
وفى الساعة 1:15 ظهرا قام مركز العمليات البحرى برأس التين، بإرسال إشارة لاسلكية مفتوحة إلى قيادة قاعدة بورسعيد، كان الغرض من الرسالة خداعيا، حيث كان نصها «لا تشتبك مع أية أهداف فى نطاق القاعدة»، وعلى الجانب الآخر تم إخطار قائد القاعدة البحرية تليفونيا بحقيقة الأمر عن طريق هيئة العمليات بالقاهرة، وذلك حتى لا يحدث أى التباس فى الموقف.
ثم كان أن تم رصد الهدف من جديد الساعة 4:40 عصرا، حيث عاد واخترق من جديد المياه الإقليمية المصرية، على الفور صدرت أوامر القتال إلى سرب لانشات الصواريخ بقاعدة بورسعيد، على أن تتم الضربة الأولى بواسطة لانش الصواريخ رقم 504 بقيادة قائد السرب النقيب أحمد شاكر عبدالواحد القارح، تليها الضربة الثانية بواسطة لانش الصواريخ رقم 501 بقيادة النقيب لطفى جاد الله.
وفى تمام الساعة الخامسة وخمس دقائق عصرا، أبحر سرب لانشات الصواريخ إلى خارج القاعدة للاشتباك مع الهدف المعادى، وفى الساعة الخامسة وخمس وعشرين دقيقة تماما وبعد ضبط الهدف على شاشة رادار لانش الصواريخ، تم إطلاق الصاروخ الأول من اللانش 504، فأطاح الصاروخ بأجهزة الاتصال وهوائيات اللاسلكى بالمدمرة، مما جعلها عاجزة عن الاستغاثة وطلب النجدة، بعدها بأربع دقائق تم إطلاق الصاروخ الثانى فأصاب غرفة الماكينات بالمدمرة إصابة مباشرة.
***
فى غضون ذلك كانت أجهزة رادار قاعدة بورسعيد قد تم إغلاقها مؤقتا بأوامر من قيادة القاعدة بناء على طلب قائد سرب اللانشات، حتى يتمكن من استخدام راداراته بوضوح دون تداخل أو تشويش، وعليه فبعد نهاية العملية تمت إعادة تشغيل رادارات القاعدة من جديد الساعة 6:50 مساء، لحظتها تم رصد هدف جديد على اتجاه 83 درجة، مسافة 11 ميل بحرى، وكان المدمرة الإسرائيلية «يافو»، فتم إبلاغ مركز العمليات برأس التين، وفى تمام الساعة 7:05 مساء صدر الأمر إلى لانش الصواريخ رقم 501 بالخروج والاشتباك مع الهدف.
وتحقق ذلك بالفعل عندما أطلق اللانش 501 صاروخه الأول فى الساعة 7:29 مساء، فانفجر الصاروخ الأول فى المدمرة على خط الماء، وبعدها بثلاث دقائق تم إطلاق الصاروخ الثانى، الذى حقق إصابة مباشرة أحالت المدمرة إلى كتلة من النيران، وفى الساعة الثامنة كانت المدمرة الإسرائيلية «يافو» قد تلاشت من على شاشة رادار القاعدة، بعد أن هوت غارقة إلى قاع البحر بغير رجعة.
فلما ترامت أنباء الكارثة لإسرائيل، بدأت على الفور عمليات الإنقاذ فى الساعة 8:15 مساء، حيث حلقت أربع طائرات إسرائيلية فوق موقع المعركة وأخذت تلقى بالمشاعل المضيئة والقوارب المطاطية، ولم تستطع وحدات الإنقاذ الإسرائيلية الوصول إلا فى وقت لاحق، ثم كان أن اتصل رئيس الأركان العامة للجيش الإسرائيلى بكبير مراقبى الأمم المتحدة فى القدس، يطلب منه التدخل لدى الحكومة المصرية لتسهيل عملية انقاذ الضباط والجنود البحريين الغرقى والمصابين الذين تصادف أن يكون من بينهم طلاب دفعة التخرج فى الكلية البحرية الإسرائيلية الذين كانوا على ظهر المدمرة الأولى المنكوبة «إيلات».
فى ذلك اليوم المشهود، تمكن أبطال ضباط وجنود البحرية المصرية بوحدتين بحريتين صغيرتين من إغراق المدمرتين «إيلات» و«يافو»، فى معركة بحرية غير مسبوقة، غيرت مسار الفكر الاستراتيجى البحرى فى العالم، ولقنت العدو درسا قاسيا دفع فيه ثمنا باهظا بأن من يعتدى على مصر لن يلق إلا الخزى والموت، وأن مصر كنانة الله من أرادها بسوء قصمه الله.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved