«كل شىء عن كورين».. إيزابيل هوبير تكشف الوجه الآخر للسينما

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة

فى فيلم «كل شىء عن كورين» «All About Corinne».. الذى افتتح عروض مهرجان الجونة السينمائى، يذهب المخرج مارك فيتوسى إلى كواليس صناعة النجوم، حيث تتجاور أحلام الشهرة مع قسوة التهميش، وتصبح الكوميديا وسيلة لكشف اختلالات عالم السينما.

ثمة مفارقة تستحق التأمل فى أن تقف إيزابيل هوبير، إحدى أبرز ممثلات السينما الفرنسية وأكثرهن حضورًا فى تجارب سينمائية جريئة، أمام الكاميرا لتجسد امرأة لا يكاد أحد يلاحظ وجودها. فى الفيلم يضع المخرج نجمته فى موقع يبدو نقيضًا تمامًا لمكانتها الحقيقية، فهى هنا ليست البطلة التى تتجه إليها الأنظار، بل ممثلة كومبارس تحلم بأن يأتى يوم تتوقف فيه عن الوقوف على هامش الصورة، وتصبح جزءًا من مركزها.

من هذه المفارقة ينطلق الفيلم، الذى يحمل عنوانه الفرنسى «Ni vue, ni connue»، ليقدم كوميديا عن عالم السينما من الداخل، وعن المسافة الفاصلة بين الرغبة فى التمثيل والقدرة على الوصول، وبين امتلاك الحلم والحصول على الاعتراف الذى يمنحه قيمة فى أعين الآخرين.

تؤدى أوبير شخصية كورين ماكلو، الممثلة التى أمضت سنوات فى أداء الأدوار الصغيرة، من دون أن تتخلى عن اعتقادها بأن فرصتها الحقيقية لا تزال قريبة. إنها لا ترى فى عملها الحالى نهاية الطريق، بل محطة مؤقتة تسبق لحظة اكتشاف موهبتها. غير أن الزمن الذى يمضى لا يبدو كافيًا لتغيير موقعها داخل صناعة تتوزع فيها الأدوار وفق حسابات تتجاوز الموهبة وحدها.

هنا يختار فيتوسى أن يقترب من منطقة قلما تكون موضوعًا رئيسيًا فى الأفلام التى تتناول صناعة السينما: حياة ممثلى الأدوار الثانوية، أولئك الذين يملأون المشاهد، ويمنحونها مظهر الحياة، لكنهم يظلون خارج دائرة الضوء. وجودهم ضرورى لاكتمال العالم الذى تصنعه الكاميرا، ومع ذلك لا يمنحهم هذا الوجود بالضرورة مكانة أو فرصة أو حتى اعترافًا مستحقًا.

إنها مفارقة تتجاوز مهنة التمثيل نفسها؛ فكم من شخص يشارك فى صناعة النجاح من دون أن يكون له نصيب منه.. وكم من موهبة تظل معلقة بين انتظار الفرصة ومحاولة إقناع الآخرين بأنها تستحقها؟


من هامش الصورة إلى قلب اللعبة

تتغير حياة كورين حين تلتقى الممثلة الشهيرة ساندراين كيبرلاين، التى تؤدى شخصيتها الحقيقية داخل الفيلم. تنشأ بين المرأتين علاقة صداقة تحمل قدرًا من التوتر والمفارقات الكوميدية، خصوصًا مع التباين الواضح بين وضعيهما المهنى والاجتماعى.

بالنسبة إلى كورين، لا تبدو هذه الصداقة مجرد علاقة إنسانية جديدة، بل فرصة محتملة للاقتراب من العالم الذى طالما وقفت على أبوابه. فالصداقة مع نجمة معروفة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة، وقد تجعل الآخرين ينظرون إليها بطريقة مختلفة. لكن العلاقة لا تسير وفق معادلة بسيطة، ولا تتحول إلى حكاية تقليدية عن امرأة تستغل نفوذ أخرى لتحقيق طموحها.

الأهم أن فيتوسى يتجنب، بحسب ما يطرحه الفيلم، الوقوع فى الصورة النمطية التى تجعل النساء فى الوسط الفنى خصومًا يتصارعن على الأدوار والمكانة. فالعلاقة بين كورين وساندراين أكثر التباسًا من ذلك؛ إذ تختلط فيها الرغبة فى التقارب بالحسابات المهنية، ويصبح السؤال متعلقًا بحدود الصداقة حين تدخلها اختلالات القوة والامتياز.

ومن هنا تستمد الكوميديا جانبًا مهمًا من حيويتها. فالمواقف لا تنبع فقط من الفارق بين ممثلة مغمورة ونجمة معروفة، بل من الطريقة التى تنظر بها كل منهما إلى الأخرى، ومن المسافة بين ما تقوله الشخصيات وما تكشفه تصرفاتها.


إيزابيل أوبير.. سخرية من صورة النجمة

يمثل اختيار إيزابيل أوبير للدور أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة للاهتمام. فالممثلة التى ارتبط اسمها بأدوار مركبة وشخصيات نسائية عصية على التصنيف، تستثمر هنا قدرتها على تقديم شخصية لا تتوقف عن مقاومة موقعها الهامشى، حتى حين تبدو محاولاتها محكومة بالتعثر.

لا تتعامل أوبير مع كورين بوصفها ضحية تستدعى الشفقة، ولا تجعل إصرارها على النجاح مجرد مادة للسخرية. إنها تمنح الشخصية شيئًا من العناد والارتباك والثقة المفرطة بالنفس، وتترك التناقضات بينها تظهر من خلال ردود أفعالها وعلاقتها بالمحيطين بها.

وهذا ما يمنح الشخصية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الحكاية الكوميدية. فكورين ليست بالضرورة الأكثر موهبة بين من يحيطون بها، لكنها ترفض أن تقبل حكم الآخرين عليها بوصفه حقيقة نهائية. وقد تكون هذه المقاومة مصدرًا للضحك فى بعض المواقف، لكنها تكشف أيضًا عن صراع شخص لا يريد أن يختفى داخل صورة جماعية لا تمنحه اسمًا أو ملامح مستقلة.

فى المقابل، تحمل مشاركة ساندراين كيبرلاين، إلى جانب ظهور ممثلات أخريات مثل ديان كروجر وآنا جيراردو وإيمانويل بيركو، بعدًا إضافيًا يتعلق بحدود التمثيل بين الحقيقة والخيال. فبعض الفنانين يظهرون بشخصيات مستوحاة من صورتهم العامة، بينما تتخذ أوبير من التناقض بين مكانتها الواقعية وموقع شخصيتها داخل الحكاية نقطة انطلاق للأداء.

وهكذا لا يكتفى الفيلم بالسخرية من الوسط السينمائى، بل يضع صورة النجمة نفسها موضع اختبار، كاشفًا عن أن الشهرة ليست مجرد حضور على الشاشة، وإنما منظومة من العلاقات والامتيازات والقدرة على الوصول إلى الفرص.


كواليس السينما.. كوميديا عن الاعتراف والامتياز

يواصل مارك فيتوسى، الذى سبق أن اقترب من عالم الترفيه وصناعة النجوم فى أعماله، اهتمامه بالعلاقة بين الصورة التى يصنعها الوسط الفنى عن نفسه والواقع الذى يعيشه العاملون فيه. لكنه لا يقدم عالم السينما باعتباره مساحة مغلقة للأشرار والضحايا، ولا يختزل مشكلاته فى صراع أخلاقى مباشر بين من يستحقون النجاح ومن يحصلون عليه.

بدلًا من ذلك، يراقب الشخصيات فى مناطقها الرمادية، حيث قد تتجاور الطموحات المشروعة مع الأنانية، ويصبح السعى إلى الاعتراف مرتبطًا أحيانًا بالقدرة على بناء العلاقات أكثر من ارتباطه بالموهبة وحدها.

وتكمن أهمية هذا الاختيار فى أن الفيلم لا يعزل كورين عن محيطها، بل يجعلها جزءًا من منظومة تحاول فهم قواعدها والتكيف معها، وربما الالتفاف عليها. إنها تريد أن تُرى، لكن السؤال هو: بأى ثمن؟ وهل يكفى أن تصبح مرئية كى تجد مكانها، أم أن الانتقال من الهامش إلى المركز يفرض عليها مواجهة صورة مختلفة عن العالم الذى تخيلته؟

يمنح المزج بين الكوميديا والنقد الاجتماعى هذه الأسئلة قدرًا من الخفة، من دون أن يلغى ما تنطوى عليه من مرارة. فالضحك هنا لا يستهدف امرأة أخفقت فى الوصول إلى حلمها بقدر ما يكشف عن عالم يجعل الاعتراف بالآخر عملية غير متكافئة، حتى عندما يبدو الجميع واقفين أمام الكاميرا نفسها.


من يرى من؟

فى النهاية، لا يتعلق «All About Corinne» بالشهرة وحدها، وإنما بالرغبة فى أن يكون للإنسان مكان يمكن أن يُرى منه ويُعترف بوجوده داخله. وقد تكون السينما، بما تصنعه من صور وتعيد إنتاجه من أوهام، المجال الأكثر ملاءمة لاختبار هذه الفكرة؛ فهى تمنح البعض فرصة الظهور، بينما تترك آخرين فى الخلفية، على الرغم من أنهم جزء لا يتجزأ من المشهد.

ومن خلال كورين، يعيد فيتوسى النظر إلى تلك المنطقة التى تتوارى خلف بريق النجوم: حياة من ينتظرون دورًا، ويحسبون سنواتهم بعدد الفرص الضائعة، ويواصلون الإيمان بأن بابًا ما سيُفتح يومًا.

لكن قيمة الحكاية لا تكمن فى الإجابة عن سؤال ما إذا كانت كورين ستصبح نجمة أم لا، بقدر ما تكمن فى كشف طبيعة اللعبة التى تريد الانضمام إليها. فالصورة لا تتسع للجميع بالقدر نفسه، والموهبة لا تضمن وحدها موقعًا فى مقدمتها.

وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل فى أداء أوبير: أن تستخدم نجمة تتمتع بحضور استثنائى مكانتها لتجسد امرأة لا يكاد أحد يراها، وأن تجعل من الاختفاء موضوعًا لفيلم يتطلع إلى كشف ما تخفيه صناعة الصورة عن نفسها.

ففى عالم السينما، كما فى الحياة، قد لا تكون المأساة أن تقف خارج الكادر، بل أن تقضى عمرك كله فى انتظار أن يلتفت أحد إلى وجودك.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved